صوتُ الشعب خلف القضبان: قراءة في قضية اعتقال الإعلامي حيدر الحمداني…رياض سعد

منبر العراق الحر :

في البلدان التي تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية، لا تُقاس قوة الدولة بعدد السجون، بل بسعة صدرها للنقد، وقدرتها على حماية الأصوات الحرة لا ملاحقتها.. , ومن هنا تكتسب قضية الإعلامي العراقي حيدر الحمداني بعدًا يتجاوز شخصه، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لحرية التعبير، ولمستقبل العلاقة بين المجتمع والإعلام والمؤسسات الدينية والرسمية في العراق.

اذ ترتبط ديمومة المجتمعات الحية بمدى صيانة حرية التعبير، وتُقاس عراقة المؤسسات الكبرى بقدرتها على استيعاب النقد والترفع عن الخصومة.. , ومن هذا المنطلق البنيوي، تأتي قضية احتجاز الإعلامي العراقي حيدر الحمداني لتمثل منعطفاً حرجاً يستدعي قراءة فاحصة تجمع بين أبعاد السياسة، وضوابط القانون، وقيم الإنسانية، ومسؤولية الإعلام.

ليست قوة المؤسسات الدينية والرسمية في كثرة الدعاوى التي ترفعها، ولا في شدة العقوبات التي تطلبها، وإنما في سعة صدورها، ورحابة حلمها، وقدرتها على احتواء النقد والتمييز بين الإساءة المتعمدة والنقد الذي يراد به الإصلاح، وإن جانبه الصواب.

وليست حرية الصحافة امتيازًا يمنحه أصحاب النفوذ متى شاؤوا ويسلبونه متى أرادوا، وإنما هي حق دستوري، وركن أصيل من أركان الدولة الحديثة، وميزان تُقاس به عدالة الأنظمة ورشد المؤسسات.. , فكلما علت مكانة الكلمة الحرة، علت هيبة الدولة، وكلما ضاقت مساحات التعبير، اتسعت هوة الخوف، وانكمشت فرص الإصلاح.

ولم يكن تاريخ المرجعية الدينية في النجف الأشرف تاريخًا منازعًا للخصومات، ولا متعطشًا للانتقام، وإنما كان تاريخًا من الحلم والأناة، ومن كظم الغيظ والعفو عند المقدرة. فقد اعتادت أن تتجاوز عن كثير من الإساءات والاتهامات والشتائم، لا لأنها عاجزة عن الجواب، ولا لأنها ضعيفة أمام الخصوم، بل لأنها كانت ترى أن الانشغال ببناء المجتمع أولى من الانجرار إلى سجالات تستنزف الطاقات وتزيد الاحتقان.

وهذا النهج الأخلاقي الرفيع، المستمد من مدرسة أهل البيت، هو الذي منح المرجعية الدينية الحالية مكانتها في وجدان العراقيين، وجعلها فوق ضجيج الخصومات اليومية، لأن هيبة الكبار لا تصنعها شدة العقوبة، وإنما يصنعها سمو الأخلاق.

وإذا كان سلوك المرجعية مع المتجاوزين والمغرضين يترفع ويسامق هذه الرفعة، فمن باب أولى وأحرى أن تشمل رعاية المرجعية الدينية الإعلاميَّ العراقي حيدر الحمداني؛ إذ يُعدّ من الأصوات الجريئة والمنبرية الوطنية التي تضع النقاط على الحروف في قضايا الفساد، وتردي الخدمات، والمطالبة بالصالح العام.

إن الحمداني لا يشبه أدعياء المهنة؛ ولو كان من مرتزقة الإعلام الذين يتاجرون بالضمائر لما انبرت الأقلام الحرة للدفاع عنه والمطالبة بالإفراج عنه.. , فالكل يدرك أنه لا ينشد من وراء نشاطاته الوطنية وفعالياته الإعلامية إلا إحقاق الحق وإزهاق الباطل.. ؛ اذ لم يكن يوماً ممن ينصبون شباك الحق ليصطادوا بها الباطل، أو ممن يشترون بالقضايا المصيرية والوطنية والانسانية ثمناً قليلاً؛ ولو كان كذلك لَبان وظهر، إذ لم يُعهد عنه ابتزازٌ أو مساومة قط.

نعم , لم يعرف عن حيدر الحمداني – بحسب ما يتداوله مؤيدوه – أنه اتخذ من الإعلام وسيلة للارتزاق أو المساومة على القضايا الوطنية، أو أنه ابتز أحدًا أو باع موقفًا لقاء منفعة شخصية. بل إن صورته لدى كثيرين ارتبطت بإثارة الملفات العامة ونقل شكاوى المواطنين، وهو ما يجعل أي تقييم لأدائه بحاجة إلى ميزان دقيق يجمع بين حماية السمعة وصيانة حرية التعبير.

إن الدفاع عن حرية الإعلام لا يعني العصمة من الخطأ، كما أن وقوع الخطأ – إن ثبت – لا يعني بالضرورة سوء النية أو القصد إلى التشهير أو الابتزاز.. ؛ وليس مطالبة بمنح حصانة للإعلاميين فوق القانون، وإنما هو دفاع عن مبدأ أسمى، مفاده أن الاجتهاد في خدمة الصالح العام يجب أن يُقوَّم بميزان العدالة والإنصاف، لا بميزان التخويف أو التضييق.

فالإعلامي، كغيره من البشر، قد يجتهد فيصيب، وقد يجتهد فيخطئ، وقد تخونه معلومة، أو يلتبس عليه أمر، أو يعتمد على معطيات يتبين لاحقًا عدم اكتمالها… ؛ غير أن القانون والعدالة والإنصاف تقتضي جميعها التمييز بين الخطأ المهني الذي يقع في سياق أداء الواجب الإعلامي، وبين الفعل الذي يثبت أنه ارتكب بسوء قصد أو ابتزاز أو كيد.

إن الخطأ طبيعة بشرية؛ ونحن إذ نلتمس العذر للمجتهد الباحث عن الحقيقة إذا أخطأ، فلأن غايته شريفة وإن خانته الظروف أو نقصته المعلومات أو التبست عليه الأمور، فجلّ من لا يخطئ ولا يسهو.. , وبناءً على ذلك، لو فرضنا جدلاً أن الإعلامي حيدر الحمداني قد جانب الصواب في إثارته لملف مستشفى الكفيل التابع للعتبة العباسية المقدسة، فإن هذا الخطأ يستوجب التقويم لا التقييد، لأن نيته لم تنطوِ على سوء أو ابتزاز أو عمالة أو خيانة، بل انطلقت من رغبة في نقل شكاوى المواطنين وتظلماتهم الحقيقية.

فليس كل من أخطأ مسيئًا، وليس كل من اجتهد مدانًا، وليس كل من نقل شكوى مواطن قد تعمد الظلم أو الافتراء.. ؛ ومن هنا، فإن دولة القانون لا تكتمل إلا حين تزن الأفعال بميزان العدالة، لا بميزان الانفعال.

وإذا كان الجدل المتعلق بما نُشر بشأن مستشفى الكفيل قد بلغ أروقة القضاء، فإن معالجة مثل هذه القضايا بروح التسامح والحوار قد تكون، في نظر كثيرين، أكثر انسجامًا مع الإرث الأخلاقي الذي عُرفت به المرجعية الدينية في النجف الأشرف.. , فالعفو عند المقدرة يرسخ الهيبة أكثر مما ترسخها الخصومة، ويزيد المكانة رفعة ولا ينقصها.

إن اللجوء إلى خيار الاعتقال والتقاضي الصارم في مثل هذه القضايا يُعدّ سابقة مقلقة في تاريخ العلاقة بين الفضاء الإعلامي والمؤسسة الدينية الحالية في النجف الأشرف، والتي عُرفت دوماً برعايتها للحريات وصيانتها لحقوق التعبير.

إن استمرار هذا التوجه يبعث برسائل توجس وخوف إلى أصحاب الأقلام الحرة والغيارى من الإعلاميين، مما يهدد بتضييق مساحات الحرية الصحفية، ويحجم من ملاحقة مكامن الخلل.. ؛ ولعل الخشية تكمن في أن تُدرج صورة المؤسسة الدينية -خلافاً لواقعها الأبوي- ضمن سياق الأجهزة السلطوية المتشددة، وهو ما قد ينعكس سلباً على مكانتها الروحية ويسيء إلى التجربة الديمقراطية الفتية في العراق.

تأسيساً على ما تقدم، ومن دافع المسؤولية الإعلامية والوطنية، نناشد المرجعية الدينية الرشيدة وإدارة العتبة العباسية المقدسة، بالنظر في هذه القضية بروح الأبوة والسمو، والمبادرة إلى إسقاط الدعوى المقامة ضد الإعلامي حيدر الحمداني والعفو عنه، فالعفو من شيم الكرام، والتجاوز من سمات النجف الأشرف ومراجعها الأعلام.

وفي الوقت ذاته، نتطلع إلى القضاء العراقي، بحياده وعدالته، أن ينظر إلى القضية بعين الرأفة والتحليل المقاصدي؛ فمن أراد الخير وأخطأ طريقه، ليس كمن تعمد الشر واقترف الخطيئة.

إن إطلاق سراح حيدر الحمداني اليوم هو انتصار لروح القانون، ودعم لرسالة الصحافة الحرة، وتأكيد على أن العراق يتسع للنقد والبناء تحت سقف العدالة والإنسانية.

إن قوة الدول لا تقاس بعدد الأصوات التي تُسكت، وإنما بعدد الأصوات التي تُسمع في ظل القانون. وقوة المرجعيات لا تقاس باعتقال ومحاسبة من يختلف معها، وإنما بسعة صدرها لمن خالفها.

وإن الأوطان لا تبنى بالأقلام الصامتة، ولا تزدهر بالعقول الخائفة، ولا تتقدم بإقصاء الأصوات الناقدة… ؛ بل تبنى بحوار مسؤول، وإعلام حر، وقضاء عادل، ومؤسسات قوية تثق بنفسها، فتحتمل النقد، وترد على الكلمة بالكلمة، وعلى الرأي بالرأي، وتبقى رايتها مرفوعة بالعدل قبل القوة، وبالرحمة قبل العقوبة.

وإن حماية حرية الصحافة ليست انتصارًا لفرد، بل انتصار للدستور، وللدولة، وللمواطن، ولحق المجتمع في أن يعرف، وأن يسأل، وأن يناقش، وأن يراقب أداء مؤسساته في إطار القانون والاحترام المتبادل. وتلك هي الضمانة الحقيقية لدولة قوية، عادلة، وواثقة من نفسها.

واخيرا : في زمن تكالب فيه الظلم على الحق، وتضيق فيه مساحات الكلمة الحرة ، يبرز سؤالٌ مصيريٌّ يقلق المضاجع: أين حدود حرية الإعلامي في نقل هموم الناس؟

ولهذا، فإن كثيرًا من الأصوات الوطنية تدعو إلى معالجة هذه القضية بروح الحكمة، وإلى البحث عن حلول قانونية تحفظ الحقوق وتصون الكرامات، من دون أن تُفضي إلى انكماش مساحة حرية التعبير أو إشاعة الخشية بين العاملين في الحقل الإعلامي.

نعم , إن العراق لا يحتاج إلى إسكات الأصوات، بل إلى تنظيم الحوار وحماية الحقيقة… ؛ فالكلمة الحرة قد تُخطئ أحيانًا، لكنها تبقى أقل خطرًا من الصمت الذي يدفن الأخطاء ويترك الناس بلا صوت ولا منبر ولا أمل.

اترك رد