في انتظار المحرقة السماوية … رياض سعد

منبر العراق الحر :

رغم لفحات آب اللاهب، وانقطاع الكهرباء الذي حوّل المدينة إلى فرن من الطين، كان كاظم عبوس الوجه، مقطب الجبين، يجر قدميه وكأنه يحمل نعش الدنيا على كتفيه.. , كان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن السماء ستمطر نارًا وكبريتًا، وأن المحرقة السماوية قادمة لا محالة، ليطهر الله الأرض من الفساد.., وكان ينتظرها بفارغ الصبر.

في ذلك المساء اللزج، وبينما كان كاظم يعدّ أيام “الفرج” على أصابعه، دوى انفجار هائل هز أركان المحلة .

لم تكن المحرقة السماوية، بل كانت سيارة مفخخة انفجرت في السوق الشعبي القريب.. , تطاير الزجاج، وعلت صرخات ممزوجة بدخان أسود.. ؛ هرع الناس كالسيل، منهم من يركض نحو النار للمساعدة، ومنهم من يهرب منها.

وقف كاظم على سطح بيته المتواضع، ينظر إلى أعمدة الدخان المتصاعدة، وقد علت وجهه ابتسامة غريبة.

ناداه جاره أبو سامر من السطح المجاور بصوت مرتجف:

_ كاظم، شفت المصيبة؟ انفجار بالسوق، الله يستر!

_ أعرف… بدأت العلامات.

_ أي علامات يا رجل؟ الناس تموت هناك!

_ هذه نذر المحرقة التي قلت لكم عنها… سترى، قريبًا ستمطر السماء نارًا… هذا مجرد بداية البروفة.

هز أبو سامر رأسه بأسى ونزل.

كان يعرف هوس كاظم بالروايات الغيبية والرؤى الطلاسمية .. , كان كاظم يشعر بنشوة غريبة وهو يرى الفوضى، وكأنها دليل على صحة نظريته…

ثم نزل إلى الشارع المزدحم. رأى الجرحى يُحملون على الأكتاف، والنساء يولولن، والرجال يصرخون ويسبون “المحتل” و”الإرهاب والتكفيريين ” و”السياسيين الذين باعوا البلد”…

رأى البقال الذي يبكي دكانه المحترق، ورأى صاحب محل العصائر وهو يوزع الماء على المنكوبين مجانًا، ورأى “إسماعيل” اللص المشهور وهو يسرق عجلة إحدى السيارات المتضررة مستغلاً الفوضى.

تقدم كاظم من إسماعيل وهو يبتسم:

_ لا تتعب حالك، كل هذه الأشياء ستصبح رمادًا قريبًا.

نظر إليه إسماعيل بذعر وهو يحاول فك العجلة:

_ كاظم، أنت أهبل؟ أبعد وجهك النحس عني! الناس في مصيبة، لولا أنني أعرفك وأقدّرك، لأوسعتك ضربًا؟!

_ مصيبة؟ بل هي بشارة! النار التي ستمطرها السماء أشد، ستأكل كل شيء… حتى هذه العجلة المسروقة.

في هذه الأثناء، جاء سعدون، شقيق إسماعيل الذي كان يساعد في رفع الأنقاض، ويداه ملطختان بالدم… ؛ رأى أخاه والمسروقات بجانبه، فصاح به:

_ يا كلب، يا ابن الكلب! الناس تموت وأنت تسرق؟ والله لأقطعن يدك بنفسي!

_ اسكت أنت، هذه غنيمة معركة… وأخوك ما يخسر.. , لولا أني أحبك لكنت أدميت رأسك.

كادا أن يتشاجرا لولا أن سمعا صوت صراخ قادمًا من نهاية الزقاق.. ؛ كان “سيد جعفر”، وهو رجل متصوف معروف في المنطقة ، يضرب صدره ويصرخ بصوت ملائكي وسط الجموع المذهولة:

_ ما هذا الذي حدث؟ أين أنتم يا أولياء الله الصالحين؟ هذا عقاب من الله على ذنوبنا… قوموا للصلاة، استغفروا… استغفروا قبل فوات الأوان!

فقاطعه شاب عصبي من بين الجموع:

_ سيد جعفر، بدل ما تصيح، تعال ساعدنا نرفع الركام، هنالك ناس محشورة تحت الأنقاض!

_ أنا أساعدهم بالدعاء… الدعاء سلاح المؤمن… ماذا تريدني أن أفعل، أنا رجل عاجز… أليس لي رب يحميني ويحميهم؟

ضحك كاظم من بعيد وهو يسمع هذا الحوار.. , شعر بأن الجميع يمثلون أدوارهم في مسرحيته الخاصة.

ثم اقترب من سيارة محطمة كان أصحابها قد قتلوا، وكانت رائحة الشواء تنبعث من داخلها.. علت وجهه ابتسامة المنتشي، والتفت إلى شاب مرعوب يقف بجانبه:

_ أشم رائحة الشواء… الله!

نظر إليه الشاب باشمئزاز وقال: أنت مجنون.. , ثم هرب بعيدًا.

في صباح اليوم التالي، انقطع ماء الحي بأكمله.. , تجمع الناس عند حنفية البئر في بيت الحاج محمد البهادلي الوحيدة التي ظلت تعمل، في صف طويل، يتقاتلون على قطرة ماء… وقف كاظم بعيدًا، ينظر إليهم وهو يضحك.. ؛ سألته العجوز أم فاضل:

_ كاظم، لماذا لا تأتي لتأخذ ماءً كبقية الناس؟

_ لا أحتاج الماء يا حاجة .

_ ماذا؟ ستموت من العطش.

_ الماء لا يطفئ نار الانتظار… هل سمعت بالمحرقة السماوية؟

نظرت إليه العجوز بريبة، ثم قالت لابنتها بصوت هامس: “المسكين، صار عقله عقل المجانين .. , سنرسل له طبق رز.”

عاد كاظم إلى سطحه.. , كان مقتنعًا بأن انقطاع الماء هو العلامة الثانية…

جلس ينتظر المطر الناري بلهفة.. , نظر إلى السماء الصافية بغيومها البيضاء المتقطعة، فوجدها لا تبشر بمطر، لا ماء ولا نار… ؛ شعر بالملل يتسلل إلى نفسه…

ثم دخل إلى غرفته، رفع صوت جهاز التسجيل على أنشودة دينية حزينة عن زوال الدنيا، ثم رفع سماعة جهاز الموبايل واتصل بصديقه الوحيد “حميد”، الذي كان يعمل في معمل “البيبسي” المحلي البسيط في الشارع المقابل… ؛ ولديه عربة لبيع المشروبات الغازية يقف امامها بعد انتهاء دوامه في المعمل …

_ حميد، ألا ترى العلامات تتسارع؟

_ أي علامات يا كاظم؟ انقطع عني ثلج “البيبسي” والزبائن يضغطون علي !

– اذا هذه ليست علامات اخر الزمان ، فأي علامة تنتظر … توقف عن التفكير بالبيبسي، فكر بالمحرقة ؟!

_ كاظم، اسمع مني.. , اترك هذا الكلام الفارغ، وتعال إلى هنا.. , ستأتي دفعة جديدة من “الأفلام الأجنبية” إلى محل دانة، فيها فلم هندي أكشن، يجنن… الممثل يطير في الهواء ويضرب عشرة بيديه وقدميه .

_ أفلام؟ محرقة تأتي ونحن نتفرج على أفلام هندية؟! أنت لا تستحق الخلاص…

_ طيب، أنا لا أستحقه.. , سلامتك.. , سأغلق الخط حتى لا تشحن السماء نارًا في جوالي المسكين.

أغلق كاظم الخط بضيق.. , ازداد إحباطه.. , رأى من نافذته الغبار يملأ الأفق، فظنها بداية لسحابة غريبة، لكنها كانت مجرد سيارة نقل كبيرة تمر في الشارع الترابي… ؛ ثم عاد إلى سريره، أطفأ الضوء، وغطى وجهه.. , كان الصمت يخيم، لا يقطعه سوى طنين مروحة غرفته وهي تتحرك وتدور بصعوبة.

وفجأة، سمع صوتًا عاليًا، هسهسة قوية، ونورًا ساطعًا ملأ الغرفة.. , قفز من سريره مفزوعًا وهو يصرخ: “جاءت! جاءت المحرقة!” ارتطمت قدمه بالكرسي وسقط أرضًا، لكنه زحف مسرعًا نحو النافذة ليرى الحقيقة.

 

فتح النافذة على مصراعيها، فانفجر في وجهه رذاذ ماء بارد، ونظر إلى الأعلى، فوجدها ليست سحابة نار، بل (صوندات ) ماء بيد الصبيان وهم يرشون الماء في الهواء كنوع من الفرح بمناسبة رجوع ماء الاسالة الى البيوت بعد انقطاعه …

وكان بعض الصبية يلعبون تحت رذاذها ويرقصون فرحًا…

انتفض كاظم غاضبًا.. , صرخ من النافذة بكل قوته: “هذا ليس مطرًا! ماذا تفعلون؟ أين النار؟ أين الكبريت؟ هذه خيانة!”

نظر إليه الصبية وضحكوا…

قال أحدهم: “شوفوا كاظم يريد السماء تمطر نارًا وهو مبلل بالماء!”

عاد كاظم إلى سريره و أخذ يحدث نفسه: “لم تأت بعد… ربما الغد… ربما بعد غد…”

ثم سمع صوت أمه من المطبخ تنادي: “كاظم، تعال , أسرع , شاهد التلفزيون .. , مسلسلك التركي الذي تحبه بدأ… والله البنت بطلة المسلسل صارت في مأزق كبير… ؛ تعال وانظر ماذا حدث لها !”

صمت كاظم قليلاً، نظر إلى سقف الغرفة المليء بالشقوق، ثم نهض واقفًا وهو يتلفع بمنشفته، وقال بصوت خفيض وهو يتجه نحو غرفة التلفزيون: “آتٍ… ولكن لا تظني أن هذا سيلهيني… المحرقة آتية…”

وجلس أمام الشاشة، ينتظر المحرقة السماوية تارة، ويراقب غراميات الأبطال الأتراك تارة أخرى… ؛ وفي لحظة الذروة من المسلسل، عندما أمسك البطل بيد حبيبته، انقطع التيار الكهربائي.. ؛ جلس كاظم في الظلام، وأحس بأن العلامة الثالثة قد حلت أخيرًا… ؛ لم تكن نارًا ولا كبريتًا، بل ظلامًا دامسًا، فشعر بسعادة غامرة… .

و هكذا تستمر الحكايات الشعبية والرؤى الغيبية في الاحياء المأزومة والمدن الخاوية …

عرض

اترك رد