هل السجنُ حلٌّ لطفولةٍ انحرفت؟..خلود جبار عبيد ·

منبر العراق الحر :
وقفت الأمُّ مذهولةً في غرفة الانتظار بالمحكمة، يغمرُها صمتٌ ثقيلٌ لا يكسرهُ إلا صوتُ نحيبِها المكتوم. لم تكن تبكي ضياعَ ابنِها ذي العشرِ سنوات فحسب، بل كانت تبكي براءته التي تلاشت حين نطقَ القاضي بحكمِه بالحبسِ في دارِ تأهيلِ الأحداث لسبعِ سنوات. مشهدٌ يمزقُ نياط القلب ، فطفلٌ كان من المفترض أن يحملَ قلماً أو كرة صار يحملُ وصمةَ عارٍ، وفي المقابل نجدُ القاضي الذي ألقى هذا الحكمَ الحازم لم يفعلْ ذلك إلا تنفيذاً لعدالةٍ تحمي المجتمعَ وتصونُ حقَّ المعتدى عليه ، مدركًا أن القانونَ هو الملاذُ الأخير حين تعجزُ التربيةُ عن تقويمِ الاعوجاج.
إن السلوكَ العدائي أو الجنسي لدى الطفل ليس وليدَ اللحظة، بل هو حصادُ بيئةٍ أهملت المراقبةَ أو تغاضت عن الانحرافِ الصغير، فالحكمُ القضائي هو محاولةٌ ضروريةٌ لعزلِ الخطر، لكنه يظلُّ علاجًا متأخرًا لجرحٍ كان من الممكن مداواتُه في البيتِ والمدرسة لو تكاتفنا في الوقتِ المناسب. لكي لا تتكررَ دموعُ تلك الأم، ولمنعِ انزلاقِ أطفالِنا نحو هذا المصير، لا بد من تبني استراتيجيةٍ تشاركيةٍ قائمةٍ على المتابعة الرقابية؛ حيث يبدأ دور البيت كرقيبٍ واعٍ لا يكتفي بتوفيرِ الطعامِ والملبس بل يراقبُ محتوى الطفل الرقمي وتواصله الاجتماعي ، ويناقشُ حرمةَ الجسدِ والحدودَ الشخصيةَ بشجاعة، ويتكاملُ مع المدرسة التي يجبُ أن تتحولَ إلى رادارٍ تربوي يرصدُ أيَّ تغيرٍ سلوكي فورَ ظهورِ بوادرِه، مع تفعيلِ دورِ المجتمعِ كحاضنةٍ بديلةٍ عبر الفنونِ والرياضة، فالطفلُ الذي يفرغُ طاقته في مسرحيةٍ أو لوحةٍ فنية هو طفلٌ أكثرُ توازنًا وأقلُّ عرضةً للانجرافِ وراءَ السلوكياتِ الشاذة.
إن اتباعَ هذه المنهجيةِ التشاركيةِ سيؤدي إلى اكتشافٍ مبكرٍ يحجمُ السلوكياتِ المنحرفةَ قبلَ تضخمِها لتصبحَ جريمة، ويضمنُ استعادةَ الدورِ التربوي عبر انتقالِ الأهلِ من دورِ المتفرجِ المصدوم إلى دورِ المربي اليقظ، وصولًا إلى مجتمعٍ متماسكٍ يقللُ نسبَ العنفِ والتحرشِ عبرَ الوعي لا عبرَ العقابِ فقط. إن السبعَ سنوات التي يحاول ذلك الطفلُ تجاوزها خلفَ القضبانِ هي درسٌ قاسٍ لنا جميعًا؛ فأبناءُنا أمانةٌ في أعناقِنا، والتربيةُ ليست عمليةً عشوائية، بل هي صناعةُ وعيٍ تتطلبُ منا متابعةً يوميةً حقيقية في المواجهة وحزمًا في التوجيه، لنجعلْ من بيوتِنا ومؤسساتِنا معاقل تحمي براءةَ أطفالِنا قبل أن نضطرَّ لمواجهةِ الحقيقةِ المرةِ في ردهاتِ المحاكم.

اترك رد