Screenshot

صولة الفجر… هل بدأ العراق معركته ضد منظومة الفساد أم ضد الفاسدين فقط؟ بقلم : د. حسام وليد البدري

منبر العراق الحر :

يرى عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” أن جوهر الدولة لا يكمن في اتساع جهازها الإداري، وإنما في احتكارها المشروع لاستخدام القوة بما يضمن سيادة القانون. ويذهب الاقتصادي “دارون عجم أوغلو “إلى أن الفارق بين الدول الناجحة والمتعثرة لا تصنعه الموارد، بل المؤسسات القادرة على إخضاع أصحاب النفوذ للقواعد ذاتها التي يخضع لها الجميع، فيما تؤكد الخبيرة في مجال الفساد والاقتصاد السياسي “سوزان روز-أكرمان” أن الفساد لا يستمر بسبب الأفراد، وإنما لأن المؤسسات تجعل مخالفته أقل كلفة من الالتزام بالقانون.
ومن هذا المنظور، لا تبدو عملية “صولة الفجر” مجرد حملة لملاحقة متهمين، بل اختبارًا لمدى قدرة الدولة العراقية على استعادة احتكارها الفعلي للقانون بوصفه مصدرًا للشرعية السياسية، لا مجرد أداة للعقاب. فالتاريخ المقارن يبين أن الدولة لا تنتصر عندما تعتقل الفاسدين، بل عندما تجعل النفوذ عاجزًا عن حماية أصحابه.
فهل يقف العراق اليوم أمام لحظة تؤسس لاحتكار الدولة للقواعد، أم أمام محاولة جديدة لإعادة توزيع مراكز القوة داخل المنظومة ذاتها دون تغيير منطقها؟

وتؤكد التجارب الدولية أن الحملات الكبرى ضد الفساد لا تنجح بقدرتها على كشف الملفات، وإنما بقدرتها على تحويل الصدمة القضائية إلى إصلاح مؤسسي دائم. ففي إيطاليا، أدت حملة “الأيادي النظيفة” إلى تفكيك أجزاء واسعة من النظام الحزبي بعدما كشفت الترابط بين المال والسياسة، لكنها لم تمنع ظهور أنماط جديدة من الفساد لأن البيئة المؤسسية بقيت قابلة لإعادة إنتاجه. وفي البرازيل، أظهرت عملية “غسل السيارات” أن اتساع التحقيقات والاعترافات المتبادلة لا يكفي لبناء دولة أكثر نزاهة إذا أصبحت العدالة نفسها جزءًا من الاستقطاب السياسي. وعلى النقيض، نجحت هونغ كونغ، كما تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، لأنها ربطت إنفاذ القانون بإصلاحات شاملة في الإدارة العامة والرقابة والشفافية، فتحول الفساد من نشاط منخفض المخاطر إلى سلوك مرتفع الكلفة. وتكشف هذه الخبرات أن الردع لا يصنع التحول إلا إذا غيّر قواعد اللعبة نفسها.
فهل تمتلك الدولة العراقية القدرة على تحويل الإنجاز القضائي إلى مؤسسة، أم أن المؤسسة ستظل رهينة الإنجاز القضائي المؤقت؟

ويرى الاقتصادي المؤسسي “دوغلاس نورث” أن المؤسسات ليست مجرد قوانين مكتوبة، بل هي الحوافز التي تحدد سلوك الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. وفي الاقتصادات الريعية، حيث تعتمد الدولة على توزيع الريع أكثر من اعتمادها على الإنتاج، يصبح المنصب العام أداة لتوزيع المنافع وبناء الولاءات، لا مجرد موقع إداري. وهنا يغدو الفساد نتيجة منطقية لبنية الحوافز، وليس انحرافًا فرديًا عنها. كما يشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) إلى أن مكافحة الفساد تصبح أكثر فاعلية عندما تقترن بإصلاحات تقلل السلطة التقديرية، وتعزز الشفافية، وتوسع المساءلة المستقلة. لذلك، فإن نجاح “صولة الفجر” لن يتحدد بعدد أوامر القبض أو الأموال المستردة، بل بقدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمال العام بحيث يصبح الامتثال للقانون الخيار الأكثر عقلانية لجميع الفاعلين.
ويبقى السؤال الأعمق هو : هل يستطيع النظام السياسي العراقي إنتاج مؤسسات تفرض قيودًا على القوى التي أنشأته، أم أن كل إصلاح سيظل محكومًا بحدود التوازنات التي ولد منها؟

إن القيمة التاريخية لأي حملة لمكافحة الفساد لا تُقاس بما تنهيه من قضايا، بل بما تؤسسه من قواعد جديدة لإدارة الدولة. فالدول لا تنتقل إلى الحكم الرشيد عندما يصبح الفساد أكثر خطورة فحسب، بل عندما يصبح احترام القانون أكثر ربحًا واستقرارًا من تجاوزه.
فهل يقف العراق على أعتاب إعادة تأسيس عقد سياسي جديد تكون فيه المؤسسات أقوى من الأشخاص، أم أن المستقبل سيشهد تبدل الفاعلين بينما تبقى قواعد إنتاج السلطة والفساد على حالها؟

اترك رد