منبر العراق الحر :
قد يصبح الأطباء قريباً قادرين على معرفة المرضى الأكثر عرضة لفقدان أطرافهم قبل ظهور الأعراض الخطيرة بسنوات، وذلك بفضل دراسة جينية حديثة كشفت عن مؤشرات وراثية قد تساعد في التنبؤ بمضاعفات مرض الشرايين الطرفية أحد أكثر أمراض الأوعية الدموية شيوعاً وخطورة.
مرض الشرايين الطرفية
ويصيب مرض الشرايين الطرفية ملايين الأشخاص حول العالم، ويحدث عندما تتراكم الترسبات الدهنية داخل الشرايين التي تُغذّي الساقَيْن أو الذراعَيْن أو الحوض، مما يقلّل تدفق الدم إلى الأطراف. وفي الحالات المتقدمة قد يؤدي نقص التروية الدموية إلى تلف الأنسجة بشكل دائم، الأمر الذي يجعل البتر الخيار الطبي الوحيد لإنقاذ حياة المريض.
وفي الولايات المتحدة وحدها يُجرى نحو 150 ألف عملية بتر للساق سنوياً نتيجة مضاعفات هذا المرض، وفقاً لجمعية القلب الأميركية. ومع ذلك لا يزال الأطباء عاجزين عن تحديد أي المرضى سيواجهون هذا المصير رغم أن عدد المصابين بالمرض يتراوح بين 10 و12 مليون شخص.
وقد تمثّل دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة نورث إيسترن الأميركية ونُشرت في «المجلة الدولية للعلوم الجزيئية» (International Journal of Molecular Sciences) في 10 أبريل (نيسان) 2026، خطوة مهمة نحو تغيير هذا الواقع.
البحث عن الإجابة داخل الحمض النووي
اعتمد الفريق البحثي على تقنية تُعرف باسم «دراسة الارتباط على مستوى الجينوم» (GWAS)، وهي منهجية علمية تُستخدم للبحث عن اختلافات جينية مرتبطة بمرض معين من خلال مقارنة الحمض النووي (دي إن إيه DNA) لآلاف الأشخاص. واستفاد الباحثون من قاعدة بيانات ضخمة تابعة لبرنامج «All of Us» الذي تُشرف عليه المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، ويهدف إلى جمع معلومات صحية وجينية من متطوعين من مختلف الخلفيات لدعم تطوير الطب الدقيق.
تحديد 38 متغيراً جينياً قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالمرض
وبعد تحليل آلاف السجلات الجينية تمكّن العلماء من تحديد 38 متغيراً جينياً قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة بأشكال شديدة من مرض الشرايين الطرفية، وهي الأشكال التي قد تنتهي بفقدان أحد الأطراف.
واللافت أن العديد من هذه المتغيرات الجينية يرتبط بوظائف حيوية مهمة داخل الجسم، من بينها تنظيم الالتهابات وتكوين الأوعية الدموية والشعيرات الدموية، وهي عوامل تلعب دوراً أساسياً في تطور المرض ومضاعفاته.
من علاج المرض إلى توقعه
ويرى الباحثون أن أهمية هذه النتائج لا تكمن فقط في فهم المرض بصورة أفضل، بل في إمكانية استخدامها مستقبلاً لتطوير اختبارات جينية تساعد على تحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر قبل ظهور الأعراض المتقدمة.
ويقول أستاذ الهندسة الحيوية في جامعة نورث إيسترن بورتلاند الأميركية المشارك في الدراسة، الدكتور سعيد أمل، إن المرضى غالباً لا يلجأون إلى الطبيب إلا بعد ظهور آلام شديدة في الساقَيْن أو الذراعَيْن، وفي كثير من الحالات يكون الوقت قد تأخر لإنقاذ الطرف المصاب. وأضاف أن القدرة على التعرف إلى الأشخاص المعرضين للبتر مبكراً قد تتيح للأطباء التدخل الوقائي من خلال الأدوية أو الإجراءات العلاجية المناسبة قبل وصول المرض إلى مراحل متقدمة.
نحو طب أكثر دقة وشخصية
تندرج هذه الدراسة ضمن التوجه العالمي المتسارع نحو ما يُعرف بالطب الدقيق أو الطب الشخصي، وهو نهج يعتمد على الخصائص الجينية والبيولوجية لكل فرد لتصميم خطط علاجية أكثر فاعلية. ويؤكد الباحثون أن فهم العوامل الوراثية المرتبطة بمضاعفات مرض الشرايين الطرفية قد يسمح مستقبلاً بتخصيص العلاج وفق مستوى الخطر لدى كل مريض بدلاً من الاعتماد على نهج علاجي موحد للجميع.
كما يمكن أن يساعد ذلك في توجيه الموارد الطبية إلى المرضى الأكثر حاجة إلى المراقبة والتدخل المبكر، الأمر الذي قد يقلّل معدلات البتر ويحسّن جودة الحياة لدى آلاف المرضى.
نتائج واعدة… لكن الطريق لا يزال طويلاً
ورغم أهمية النتائج يحذّر الباحثون من أن الدراسة لا تزال في مراحلها الأولى، فقد استندت التحليلات إلى قاعدة بيانات واحدة فقط، مما يعني أن النتائج تحتاج إلى التحقق من صحتها في مجموعات سكانية أخرى قبل اعتمادها سريرياً. ولهذا يعمل الفريق حالياً على التعاون مع مراكز طبية وجامعات أميركية أخرى لتحليل بيانات مرضى إضافيين، والتأكد من أن المؤشرات الجينية المكتشفة قادرة بالفعل على التنبؤ بخطر البتر لدى مختلف الفئات السكانية. ويأمل العلماء أن تقود هذه الجهود إلى تطوير أدوات تشخيصية جديدة تسمح للأطباء بالانتقال من علاج المضاعفات بعد حدوثها إلى منعها قبل وقوعها.
وفي حال تأكدت النتائج مستقبلاً فقد يشهد مجال أمراض الأوعية الدموية تحولاً مهماً؛ حيث يصبح تحليل الجينات جزءاً من التقييم الروتيني للمرضى، بما يتيح إنقاذ عدد كبير من الأطراف التي كانت ستفقد بسبب المرض. فبدلاً من انتظار ظهور الأعراض المتقدمة قد يصبح بالإمكان التدخل مبكراً وحماية المرضى من واحدة من أكثر مضاعفات المرض قسوة وتأثيراً على حياتهم.
لندن: د. وفا جاسم الرجب
الشرق الاوسط
منبر العراق الحر منبر العراق الحر