منبر العراق الحر :
من يمنح الحرية لجاهلٍ ، كمن يمنح سلاحاً لمجنون .
الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس يرون أن الحرية ، إذا لم تُصاحبها المعرفة والوعي والنضج الأخلاقي ، قد تتحول من نعمةٍ إلى مصدرٍ للقلق والتعاسة .
الحرية ليست مجرد غياب القيود ، وإنما هي القدرة الفعلية على الاختيار المسؤول قولاً واحداً .
وكلما اتسعت مساحة الحرية ، ازدادت مسؤولية الإنسان عن قراراته ونتائجها .
وإذا كان الإنسان يفتقر إلى الوعي والنضج ، فإنّه قد يسيء استخدام حريته ، وسيقع في مستنقع الحيرة و الفوضى و الندم .
لقد أشار الفيلسوف إريك فروم في كتابه ” الهروب من الحرية ” إلى أن بعض الناس يخشون الحرية لأنها تُحمّلهم مسؤولية الاختيار ، فيفضّلون الهروب إلى التبعية أو الامتثال للجماعة ، لأن ذلك يعفيهم من عبء اتخاذ القرار .
كما أنّ ” جان بول سارتر ” رأى أن الإنسان “محكوم عليه بالحرية” ، أي أنه لا يستطيع التهرب من مسؤولية اختياراته ، وهذه المسؤولية قد تولّد القلق الوجودي إذا لم يمتلك الإنسان رؤية واضحة لحياته .
ومن منظورٍ نفسي واجتماعي، يمكن القول إن الحرية بلا وعي تؤدي إلى :
تضخم الرغبات دون ضابط .
العجز عن اتخاذ القرار بسبب كثرة الخيارات .
الوقوع في الإدمان أو السلوكيات الهدامة باسم الحرية الشخصية .
فقدان المعنى ، عندما تصبح الحرية غاية في ذاتها لا وسيلة لتحقيق حياة أفضل .
الشعور بالوحدة والاغتراب نتيجة غياب المرجعيات الفكرية والأخلاقية .
أما الحرية المصحوبة بالوعي ، فهي تختلف جذريًا :
إذ يصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين ما يريده وما ينبغي أن يريده ، وبين الرغبة العابرة والمصلحة الحقيقية .
فالوعي يمنح الحرية اتجاهًا، والنضج يمنحها حكمة ، والأخلاق تمنحها حدودًا تحفظ كرامة الفرد والمجتمع .
ولعل من أجمل ما يمكن قوله في هذا السياق:
ليست المشكلة في أن يكون الإنسان حرًا ، بل في أن يكون حرًا قبل أن يتعلم كيف يستخدم حريته . فالحرية بلا وعي قد تتحول إلى فوضى ، وبلا مسؤولية قد تصبح عبئًا ، وبلا قيم قد تنقلب إلى طريق يقود الإنسان إلى تعاسته بدلًا من تحقيق إنسانيته .
ولهذا يمكن أن نقول :
الحرية ليست نقيض القيود ، بل نقيض الجهل . وكلما ازداد الإنسان وعيًا ونضجًا ، أصبحت حريته أكثر قدرة على صناعة السعادة والمعنى ، لا على إنتاج الفوضى والتعاسة.
إن الحرية ليست قيمةً مكتملةً بذاتها، وإنما هي طاقة إنسانية تحتاج إلى عقلٍ يوجّهها ، وضميرٍ يضبطها، وحكمةٍ ترشدها . فإذا سبقَت الحريةُ الوعيَ ، تحولت إلى فوضى ، وإذا انفصلت عن المسؤولية ، أصبحت عبئًا على صاحبها وعلى المجتمع .
أما الحرية التي تنبع من المعرفة والنضج ، فهي ليست مجرد حقٍ في الاختيار ، بل قدرةٌ على اختيار الخير ، واحترام الآخر ، وتحمل نتائج القرار . ومن هنا، فإن بناء الإنسان الواعي يسبق توسيع مساحة الحرية ؛ لأن الحضارات لا تنهض بكثرة الحريات وحدها ، بل بعمق الوعي الذي يحسن استخدامها .
وأختم بحكمة يمكن أن تكون عنوانًا أو مقولةً في مستهل بحث:
” ليست الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يشاء ، بل أن يعرف لماذا يشاء ، وأن يدرك إلى أين يقوده ما يشاء .”
منبر العراق الحر منبر العراق الحر