منبر العراق الحر :…باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…
التقرير الاستراتيجي رقم (31) : «عقيدة نقل الحرب»
18 تموز / يوليو 2026
تمهيد ومقاربة المفهوم
لا ينظر الحرس الثوري الإيراني إلى الخليج بوصفه مجرد نطاق جغرافي مجاور أو مجموعة ممرات مائية تخضع لقواعد الملاحة الدولية، بل يتعامل معه باعتباره «عتبة أمنية متقدمة» تفصل بين التهديد الخارجي والعمق الإيراني. وضمن هذا الإدراك، تتحول المنطقة إلى خط الدفاع الأمامي الأول عن بقاء النظام؛ فكلما أمكن إبقاء المواجهة خارج الأراضي الإيرانية، وتوزيع كلفتها على القواعد الأجنبية والمنشآت الاقتصادية ودول الجوار، انخفض خطر انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني.
وتستند هذه المقاربة إلى بروتوكول «الدفاع الأمامي» المنبثق من نظرية «أم القرى»، التي تفترض أن أمن الجمهورية الإسلامية لا يبدأ من حدودها السياسية المباشرة، بل من قدرتها على بناء أحزمة ردع وتأثير خارجية تمنع الخصوم من نقل الحرب إلى الداخل الإيراني. ومن هذا المنطلق، لا تُعرِّف طهران الخليج باعتباره فضاءً بحرياً محايداً، بل بوصفه ساحة حيوية متقدمة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي والعقيدة الثورية والمصالح الاقتصادية.
ومن هنا لا تنبع أهمية «العتبة الخليجية» من الرغبة في احتلالها أو السيطرة التقليدية عليها، بل من القدرة على التحكم بدرجة استقرارها: تهدئتها حين تخدم التفاهمات، ورفع مستوى تهديدها حين تحتاج طهران إلى الردع أو المساومة. فالمضائق، والقواعد العسكرية، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والبنى الرقمية الخليجية لا تظهر في العقل العملياتي للحرس الثوري بوصفها أهدافاً منفصلة، بل باعتبارها منظومة ضغط مترابطة يمكن تفعيلها لمنع استفراد الخصوم بإيران.
وبموجب هذه العقيدة، تُدفع دول الخليج إلى واحد من ثلاثة مواقع: مصدات أمنية تمنع انطلاق التهديد، أو قنوات وساطة تساعد في احتواء التصعيد، أو ساحات عقاب بديلة إذا استُخدمت أراضيها وأجواؤها في عمل عسكري ضد إيران.
في عقيدة الحرس الثوري، ووفق بروتوكول «الدفاع الأمامي» في نظرية «أم القرى»، لا تُحمى إيران عند حدودها، بل بإبقاء الحرب خارجها وتوزيع كلفتها على الجغرافيا المحيطة بها
الركائز العقائدية لمنظور الحرس الثوري تجاه الخليج
تتحكم ثلاثة محددات رئيسية في صياغة الحرس الثوري لسياسته تجاه العتبة الخليجية:
عقيدة الردع بالتهديد المباشر: تقوم على مبدأ “الأمن المتبادل أو الرعب المتبادل”. يرسخ الحرس الثوري معادلة مفادها أن استقرار عواصم الخليج واقتصاداتها مرهون بسلامة النظام الإيراني.
تصفير الوجود العسكري الأجنبي: يعتبر الحرس الثوري القواعد الأمريكية والغربية في الخليج (مثل العديد في قطر، وعلي السالم في الكويت، والأسطول الخامس في البحرين) “أهدافاً مشروعة” وتهديداً وجودياً مباشراً يجب تحييده وضبط حركته برمجياً وعسكرياً.
احتجاز الممرات المائية والملاحة: يُنظر إلى مضيق هرمز كـ “صمام أمان جيوسياسي”. لا يتردد الحرس الثوري في عسكرة الممر المائي، وزرع الألغام البحرية، واستهداف الناقلات لرفع أسعار الطاقة العالمية كأداة ضغط سياسي واقتصادي عند اشتداد الأزمات.
تكتيكات الاختراق والعمليات العملياتية فوق الساحة الخليجية
ترجم الحرس الثوري منظوره الاستراتيجي إلى أدوات تنفيذية شديدة الخطورة والمرونة على الأرض وفي الفضاء الافتراضي:
1. عسكرة الحدود وتفعيل “وحدة الساحات” عبر الحدود
تطويق جغرافي: توجيه فصائل النخبة والوكلاء (في اليمن والعراق) لإنشاء كماشة صاروخية تطوق الأجواء الخليجية.
مشاركة الضغط: نقل منصات إطلاق المسيرات والصواريخ كروز إلى أراضٍ مجاورة لتخفيف العبء العسكري والدبلوماسي عن العمق الإيراني لحظة الصدام مع واشنطن أو إسرائيل.
2. شبكات الأمن الموازي والخلايا التخريبية النائمة
إرباك الجبهة الداخلية: زرع خلايا استخباراتية وتخريبية نائمة في المراكز الحيوية لدول المنطقة.
ساعة الصفر: تجهيز هذه الخلايا لتنفيذ عمليات تفجير وتخريب موضعي للمرافق العامة والمنشآت النفطية بالتزامن مع أي ضربة عسكرية تتعرض لها إيران.
3. معارك الجيل الخامس
(الحرب السيبرانية وحرب المعلومات)
اختراق البنية التحتية (OT): تشغيل مجموعات تسلل برمجية متطورة (مثل:القطة الممتعة Charming Kitten) لاختراق موانئ الشحن، وشركات الملاحة، وأنظمة التحكم في ناقلات النفط عبر تزوير إشارات الـ GPS للتحكم بمساراتها أو التسبب في شللها العملياتي.
حملات الكي الوعي والتضليل الإعلامي: إدارة جيوش من “الذباب السيبراني” لانتحال هويات خليجية ومحلية لبث الفتنة الطائفية والقبلية، وإشاعة الذعر بتهديدات مفبركة لضرب بيئة الاستثمار والسياحة الخليجية.
ديناميكيات المواجهة المبادلة
(رد الفعل الخليجي-الأمريكي)
أمام هذا المنظور الهجومي الشديد للحرس الثوري، تبلورت على الساحة الخليجية شبكة دفاعية معقدة ومضادة:
مظلة (CENTCOM) والربط البرمجي المشترك: دمج الرادارات والإنذار المبكر لكافة دول المنطقة (بما فيها البيانات التكنولوجية الإسرائيلية غير المعلنة) تحت قيادة مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC) في قطر، لتوحيد الصورة الجوية وصد هجمات “الإغراق الصاروخي” في أجزاء من الثانية.
توطين التكنولوجيا الدفاعية الكثيفة: اتجاه دول مثل السعودية والإمارات لبناء ترسانة مستقلة من مضادات المسيرات رخيصة التكلفة (مثل APKWS الموجه بالليزر)، واستقطاب الخبرات الدولية (كالأوكرانية) لتحييد الدرونز الإيرانية دون استنزاف صواريخ الباتريوت الثمينة.
الموازنة الدبلوماسية الذكية: الاحتفاظ بقنوات اتصال دبلوماسية مفتوحة ومباشرة مع طهران (الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية) كأداة لتهدئة الجبهة السياسية، بالتوازي مع التحديث العسكري المستمر لمنع أي استفراد إيراني بالمنطقة.
التحول من «الدفاع عن الحدود»
إلى «عسكرة العتبة الخليجية»
شهدت العقيدة الأمنية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة انتقالاً تدريجياً من مفهوم «حماية الحدود الوطنية» إلى مفهوم أكثر تعقيداً يقوم على «عسكرة العتبة الخليجية». فلم يعد الخليج، في الحسابات العملياتية للحرس الثوري، مجرد ممر اقتصادي أو ساحة نفوذ إقليمية، بل أصبح جزءاً من منظومة الدفاع المتقدمة المرتبطة مباشرة ببروتوكول «الدفاع الأمامي» في نظرية «أم القرى».
وقد تسارعت هذه المقاربة بعد تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية، إذ باتت القيادة الإيرانية ترى أن الحفاظ على توازن الردع لا يتحقق فقط عبر الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي، وإنما أيضاً عبر القدرة على التحكم بإيقاع الأمن والطاقة والملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
وبناءً على ذلك، لم يعد الهدف الإيراني مقتصراً على ردع الخصوم عسكرياً، بل امتد إلى بناء ما يمكن تسميته بـ «الجغرافيا الدفاعية الممتدة»؛ وهي شبكة متداخلة من الوكلاء، والممرات البحرية، والخلايا السيبرانية، وأدوات الضغط الاقتصادي، بما يسمح لطهران بنقل خطوط المواجهة بعيداً عن أراضيها المباشرة.
مآلات السيناريوهات المستقبلية للعتبة الخليجية
بناءً على المعطيات الراسخة في الردع والردع المضاد، يتأرجح مستقبل العتبة الخليجية بين سيناريوهين:
1. سيناريو “حرب الاستنزاف الرمادية” (الأكثر ترجيحاً): استمرار الصراع في المنطقة الرمادية دون الانزلاق لحرب شاملة؛ أي تبادل الضربات السيبرانية، واختطاف السفن رقمياً، وحملات التضليل الإعلامي المتبادلة، مع الحفاظ على خطوط الاتصال الدبلوماسية الخلفية لمنع الانفجار.
2. سيناريو “الكسر والصدام الشامل”: في حال تعرض طهران لضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية قاصمة، سينتقل الحرس الثوري فوراً لتنفيذ استراتيجيته الهجومية القصوى بجعل الخليج ساحة معركة مفتوحة، واستهداف القواعد والمنشآت النفطية مباشرة، وهنا ستكون الكلمة الفصل لمدى صمود ومخزون صواريخ الاعتراض لشبكة الدفاع الخليجية المشتركة وقدرة الإمداد اللوجستي الغربي السريع.
ختام استشرافي:
التموضع الخليجي في عصر “الردع الهجين”
إن القراءة الفاحصة لـ “العتبة الخليجية” في منظور الحرس الثوري الإيراني تؤكد أن المنطقة لم تعد مجرد مسرح للصدام العسكري التقليدي، بل تحولت إلى حقل تجارب دولي لما يُعرف بـ “الحرب الهجينة” (Hybrid Warfare)، حيث تتداخل الصواريخ الباليستية مع الأكواد البرمجية الخبيثة، والمسيرات الانتحارية مع أسراب “الذباب السيبراني”.
مستقبلاً، ومع حلول النصف الثاني من العقد الحالي (2026-2030)، تشير القراءة الاستشرافية لـ “مآلات المواجهة” إلى ثلاثة تحولات رئيسية ستحدد معالم الأمن الإقليمي:
1. انتقال الثقل إلى “السيادة التقنية والمحلية”: لن يضمن الأمن الخليجي مستقبلاً مجرد شراء بطاريات دفاع جوي إضافية، بل سيعتمد النجاح على مدى قدرة دول المجلس على توطين خوارزميات برمجية مضادة للذكاء الاصطناعي الهجومي، وحماية أنظمة تشغيل البنى التحتية (OT) لمنشآت النفط والموانئ من هجمات “القطة الممتعة” ونظائرها.
2. بروز معادلة “الحياد المسلح”: أثبتت الديناميكيات الراهنة أن دول الخليج (وعلى رأسها السعودية) قد نجحت في صياغة عقيدة واقعية تقوم على الموازنة الدبلوماسية مع طهران بالتوازي مع الاندماج في شبكة رادارية معقدة تحت مظلة (CENTCOM). هذا “الحياد المسلح” سيبقى صمام الأمان لمنع استغلال العتبة الخليجية كساحة لتصفية الحسابات المباشرة بين إيران وإسرائيل.
3. معضلة استدامة المخزون اللوجستي: في أي سيناريو صدام شامل، لن تكون المعركة معركة “كفاءة تكنولوجية” (فالمنظومات الخليجية أثبتت تفوقها)، بل ستكون معركة “استدامة لوجستية”. إن قدرة الحرس الثوري على إنتاج مسيرات رخيصة وبأعداد هائلة تفرض على العواصم الخليجية تسريع وتيرة تصنيع مقذوفات اعتراضية محلياً ومنخفضة التكلفة، لكسر استراتيجية “الإغراق واستنزاف المخزون” التي يراهن عليها الفكر العسكري الإيراني.
4. اتساع مفهوم «الدفاع الأمامي» وعسكرة العتبة الخليجية : تشير المؤشرات الاستراتيجية إلى أن الحرس الثوري الإيراني يتجه تدريجياً نحو توسيع مفهوم «الدفاع الأمامي» المنبثق من نظرية «أم القرى»، بحيث لا يقتصر على بناء أحزمة ردع خارجية، بل يمتد إلى تحويل العتبة الخليجية نفسها إلى خط الاشتباك الأول في أي مواجهة مقبلة. فكلما تقلصت المسافة الزمنية والعملياتية بين الخليج والعمق الإيراني في الحسابات العسكرية الغربية، سعت طهران إلى تعظيم أدواتها البحرية والسيبرانية واللوجستية، لضمان بقاء الصراع بعيداً عن أراضيها المباشرة ونقل كلفته إلى الجغرافيا المحيطة بها
التوصية النهائية: بناءً على ما تقدم، فإن تحصين العتبة الخليجية يتطلب الانتقال من عقيدة «الدفاع النقطي لحماية المنشآت» إلى عقيدة «الدفاع الشبكي السيبراني والمعلوماتي الشامل»…
منبر العراق الحر منبر العراق الحر