تحولات العراق والشرق الأوسط! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
تشهد المنطقة أحداثاً كبرى وتغيرات جذرية تسير في مسارين متوازيين قد يقودان إلى إعادة رسم خرائط جديدة للشرق الأوسط، ويقع العراق في صميم هذه التحولات وأهدافها.
إن القراءة المتعمقة لما يجري، وما تؤسس له الوقائع على الأرض، توحي بوجود مسارين رئيسيين:
المسار الأول يتمثل في استمرار الصراعات العسكرية وإعادة تشكيل موازين القوى، بما يشمل إضعاف أو تفكيك البنى التقليدية في إيران ولبنان واليمن، واستهداف الفصائل والتنظيمات المسلحة بمختلف مسمياتها، مع السعي إلى تحييد أي قوة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية تتعارض مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، أي فرض الهيمنة العسكرية الأمريكية دون منافس.
أما المسار الثاني، فيتعلق بإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية لطرق نقل الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، بوصفها عصب الاقتصاد العالمي.
فإذا أُنجزت مشاريع تطوير الحقول العراقية، وتوسعت الاستثمارات فيها، وأُنشئت خطوط جديدة لنقل النفط والغاز تربط العراق بسوريا وتركيا، مع إمكان إدراج الغاز القطري ضمن مشروع يصل عبر العراق إلى سواحل البحر المتوسط، ثم إلى أوروبا عبر المنافذ السورية والتركية، وربما بمشاركة الكويت في مثل هذا المشروع، فإن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز قد تتراجع بصورة كبيرة. كما قد تتجه دول كبرى، مثل الصين وكوريا الجنوبية ودول شرق آسيا، إلى الاستفادة من الممرات التجارية الجديدة، وفي مقدمتها مشروع الهند – السعودية -الشرق الأوسط – أوروبا الذي يربط الهند بالسعودية ثم بأوروبا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية.
وعلى هذا الأساس، قد يصبح مستقبل الشرق الأوسط، بل وجزء مهم من الاقتصاد العالمي، مرتبطاً بالسيطرة على مسارات نقل الطاقة أكثر من ارتباطه بالسيطرة على مصادر الطاقة نفسها، وهي خلاصة يرى كثير من المحللين أن أزمة مضيق هرمز أعادت تأكيدها.
وفي ضوء هذا التصور، قد تصبح التنمية الاقتصادية والتكنولوجيا السمتين الأبرز في المرحلة المقبلة لدول مثل العراق وسوريا ولبنان وتركيا، مع ضغوط أمريكية متزايدة للحد من بؤر الصراع الإقليمي، بما في ذلك احتواء السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ودول الجوار، انطلاقاً من أن استقرار مشاريع الطاقة والاقتصاد يتطلب بيئة إقليمية أكثر هدوءاً.
كما أن دول الطاقة مرشحة لأن تبقى في مركز الاهتمام الدولي، فيما سيغدو الأداء الاقتصادي معياراً أساسياً لنجاح الدول، بما يضيق هامش الفشل والفساد، ومن هذا المنطلق، قد تواجه منظومات المحاصصة السياسية، وأحزاب الإسلام السياسي، والقوى التي ارتبطت بملفات الفساد ونهب المال العام، ضغوطاً متزايدة تدفع نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي عراقيا مع اسدال الستار كاملاً على المرحلة السابقة وعناوينها.
وإذا سارت هذه المسارات وفق ما هو مخطط لها، فإن ملامحها الأولية قد تبدأ بالظهور خلال الأشهر المقبلة، لتتبلور تدريجياً خلال العامين التاليين. ووفق هذه القراءة الاستشرافية، فإن المشروع الأمريكي لإعادة ترتيب الشرق الأوسط يبدو أنه دخل بالفعل مرحلة التنفيذ، ويتولى متابعة عدد من ملفاته المبعوث الأمريكي توم باراك، ضمن رؤية الإدارة الأمريكية.

اترك رد