خصوصية السرد عن العالم الرقمي وإشكالية إخضاعه لمعايير السرد الواقعي…عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

حين يكتب الكاتب قصةً عن العالم الرقمي، فإنه لا يكتب عن تقنية مجردة، ولا يحوّل النص إلى شرح علمي، بل يحاول تمثيل عالم له بيئته الخاصة وقوانينه المختلفة. فالعالم الرقمي، حين يدخل في مجال التخييل السردي، يستند إلى واقع تقني قائم من خوارزميات وشبكات وذكاء اصطناعي ومعالجة للبيانات، ولذلك فإن فهم خصائصه يساعد على فهم الطريقة التي صاغ بها الكاتب عالمه الأدبي.
إن النقد هنا لا يدرس التكنولوجيا وتاريخ تطورها، ولا يحاكم التقنية بوصفها تقنية، بل يدرس كيفية تحويلها إلى تجربة أدبية. فالشيفرة، والخوارزمية، والضوء، والبيانات ليست مجرد مفردات تقنية، بل عناصر سردية يمكن أن تحمل أسئلة الإنسان عن الوعي والحرية والهوية والمصير.
ويمكن مقاربة السرد عن العالم الرقمي بالسرد الذي يتناول تجربة علمية داخل مختبر بأسلوب أدبي؛ فالكاتب لا يقدم تقريرًا عن التجربة ولا يشرح آلياتها بوصفها معلومات مجردة، بل يحولها إلى عالم سردي نابض بالأسئلة والصراعات. فالمختبر في القصة العلمية لا يبقى مكانًا للأجهزة والمعادلات فقط، بل يصبح فضاءً دراميًا، كما تصبح التقنية في السرد الرقمي وسيلة لبناء المعنى لا غاية مستقلة بذاتها.
ولهذا فإن القارئ لا ينبغي أن يقرأ عن العالم الرقمي فقط، بل ينبغي أن يشعر بأنه يعيش أجواءه: سرعة الاتصال، وتدفق المعلومات، وحضور الشبكات، وإيقاع الومضة، والعلاقة المتغيرة بين الإنسان والآلة. فالعالم الرقمي في الأدب لا يُقدَّم بوصفه قائمة من التقنيات، بل بوصفه فضاءً حيًا له إيقاعه وحسّه الخاص.
ومن هنا فإن الزمن في السرد عن العالم الرقمي يختلف عن الزمن في السرد الواقعي؛ لأنه يرتبط بسرعة المعالجة والاتصال الفوري. لذلك قد تحدث التحولات في لحظة تنفيذ أو بأمر واحد أو بضغطة زر. لكن خصوصية الزمن الرقمي لا تعني أن يكون كل سرد عنه سريعًا بالضرورة، بل تعني أن يكون إحساس الزمن منسجمًا مع طبيعة العالم الذي يبنيه النص.
كما أن التكثيف وسرعة الإيقاع لا يمثلان ضعفًا في البناء، بل قد يكونان اختيارين فنيين يعكسان طبيعة البيئة الرقمية، التي تقوم على الاختزال وسرعة انتقال المعلومات.
ومن هنا لا ينبغي إخضاع السرد عن العالم الرقمي لمعايير السرد الواقعي وحدها؛ لأن لكل عالم سردي منطقه الخاص. فنجاح القصة لا يُقاس بمدى تشابهها مع الحياة اليومية، بل بقدرتها على بناء عالم مقنع وفق قوانينه الداخلية، وتحويل هذا العالم إلى تجربة إنسانية وجمالية.
إن القصة عن العالم الرقمي لا يكتبها العالم الرقمي، بل يكتبها الإنسان عن هذا العالم، مستفيدًا من خصائصه التقنية ليعيد تشكيلها فنيًا. فالتقنية تمنح النص بيئته، لكن الأدب هو الذي يمنحها المعنى

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد