منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الشأن السياسي…
منذ أن حمل الإنسان الحجر والسيف والرمح والقوس، لم تتوقف الحرب عن تغيير أدواتها. ظهرت الخيل والعربات والمنجنيق والتحصينات، ثم البندقية والمدفع والدبابة والطائرة والغواصة والصاروخ. وكان لكل مرحلة سلاحها، ولكل سلاح أثره في تغيير شكل المعركة.
في الحروب القديمة كانت الجبال والسهول والوديان والتحصينات جزءاً من الحسابات العسكرية، وكان الجاسوس والمخبر والرسول أدوات أساسية للحصول على معلومة قد تحسم معركة. وكان عدد الجنود ومهارة القائد في الالتفاف والمباغتة والمراوغة من عناصر القوة الأساسية.
ثم جاءت الثورة الصناعية، فتحولت الحرب إلى منظومة إنتاج ضخمة للسلاح والذخيرة، وأصبحت القوة مرتبطة بقدرة الدولة على تصنيع الدبابات والطائرات والصواريخ بكميات كبيرة. لكن العالم يدخل اليوم مرحلة مختلفة؛ فالحرب لم تعد محصورة في الأرض والبحر والجو، وإنما امتدت إلى الفضاء والفضاء السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات البيولوجية.
الحرب لم تنتهِ، لكن مركز القوة داخلها بدأ يتغير.
يكفي أن ننظر إلى أصغر طائرة مسيّرة وأكبرها لفهم حجم التحول. هناك Black Hornet 4، وهي طائرة نانوية للاستطلاع لا يتجاوز وزنها 70 غراماً، تستطيع الطيران لأكثر من 30 دقيقة وعلى مسافة تتجاوز ثلاثة كيلومترات، ومزودة بكاميرا نهارية ومستشعر حراري. وفي الطرف الآخر توجد منصات مثل MQ-9A Reaper التي يبلغ طولها نحو 11 متراً، وباع جناحها نحو 20 متراً، ويصل وزن إقلاعها الأقصى إلى نحو 4.8 أطنان.
بين عشرات الغرامات وأطنان عدة، أصبحت الطائرة غير المأهولة عيناً في السماء، وجزءاً من منظومة أوسع للاستطلاع والاتصال والاستهداف.
ثم ظهرت Loitering Munitions، أو الذخائر الجوالة، التي تستطيع التحليق في منطقة معينة والبحث عن هدف قبل مهاجمته، وتطورت الفكرة إلى Drone Swarms، حيث تعمل مجموعات من المسيّرات ضمن منظومة واحدة، بما يفرض تحديات جديدة على الدفاع الجوي.
وكلما ظهرت تقنية هجومية، ظهرت تقنية مضادة لها. لذلك تطورت منظومات Counter-UAS التي تجمع الرادارات والمستشعرات والتشويش ووسائل الاعتراض. ووصل التطور إلى أسلحة الطاقة الموجهة؛ ففي سبتمبر 2026 منح الجيش الأميركي أول عقد إنتاج لنظام E-HEL، وهو ليزر عالي الطاقة مصمم لمواجهة الطائرات غير المأهولة، مع كلفة اشتباك منخفضة مقارنة ببعض الوسائل الحركية.
لكن التطور الأهم ربما لا يوجد في جسم السلاح، بل في العقل الموجود داخله.
الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى الطائرات المقاتلة نفسها. ففي برنامج VENOM تُستخدم طائرات F-16 معدلة لاختبار وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على التحكم بالطائرة، فيما يبقى الطيار داخل المقصورة لمراقبة الاختبارات. وفي يونيو ويوليو 2026 بدأت الطائرات تنفيذ اختبارات طيران حقيقية للاستقلالية.
المعنى ليس أن الطيار اختفى، وإنما أن الطائرة بدأت تتحول من آلة تنتظر كل أمر من الإنسان إلى منصة تستطيع تنفيذ بعض المهام اعتماداً على البرمجيات والخوارزميات.
وفي البر ظهرت UGV – Unmanned Ground Vehicles، أي المركبات الأرضية غير المأهولة، التي يمكن استخدامها في الاستطلاع ونقل الإمدادات وإجلاء الجرحى وتنفيذ مهام في المناطق الخطرة.
وهنا تأتي أوكرانيا بوصفها مختبراً عملياً لهذا التحول. فقد وثقت رويترز انتشار الروبوتات الأرضية في وحدات أوكرانية، حيث تعمل إلى جانب المسيّرات الجوية في نقل الذخائر والإمدادات وإخلاء الجرحى وتنفيذ مهام قتالية. ولم تعد الفكرة مجرد تجربة مستقبلية؛ بل أصبحت جزءاً من العمليات اليومية في بعض القطاعات.
وهكذا يمكن للجندي أن يرسل أمامه روبوتاً أرضياً، وفوقه طائرة مسيّرة، بينما تصل المعلومات من الاثنين إلى منظومة واحدة.
وهنا تتغير وظيفة الجندي نفسه: من شخص يبحث عن المعلومة في الميدان إلى شخص يدير منظومة من المستشعرات والآلات والبيانات.
وهذا هو التحول الأعمق: الحرب لم تعد بالضرورة مواجهة بين دبابة ودبابة أو طائرة وطائرة، بل بدأت تتحول إلى مواجهة بين شبكات.
فالدرون يحتاج إلى مستشعر، والمستشعر ينتج بيانات، والبيانات تحتاج إلى خوارزمية، والخوارزمية تدعم القرار، والقرار يصل إلى منصة قادرة على تنفيذ المهمة.
وتظهر أهمية هذا التحول بوضوح أكبر في الذكاء الاصطناعي. فقد كشفت تحليلات حديثة للحرب في أوكرانيا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت تختصر الزمن بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة من دقائق طويلة إلى ثوانٍ أو أقل في بعض الحالات، بينما تستخدم الخوارزميات أيضاً لمعالجة كميات ضخمة من المعلومات وتحسين الوعي بالميدان. لكن التجربة نفسها أظهرت حدود الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في التمييز بين الأهداف وتحديد السياق البشري المعقد.
وهنا يصبح الزمن نفسه سلاحاً. فالدولة التي ترى أولاً، وتحلل أولاً، وتنقل المعلومة أولاً، قد تحصل على أفضلية قبل أن يبدأ السلاح التقليدي بالعمل.
لكن السماء والأرض ليستا سوى جزء من الحرب الجديدة.
هناك Cyber Warfare، حيث يمكن استهداف شبكات الاتصالات والبنية التحتية وأنظمة التحكم والخدمات الرقمية من دون عبور دبابة واحدة للحدود. وفي هذا النوع من الصراع تتحول البيانات نفسها إلى هدف عسكري.
وما حدث في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024 قدم مثالاً بالغ الدلالة على أن سلسلة التكنولوجيا نفسها يمكن أن تصبح ساحة للصراع، بعد انفجار آلاف أجهزة الاتصال التي استخدمها عناصر من حزب الله، في عملية نسبت تقارير وتحقيقات دولية مسؤوليتها إلى إسرائيل، من دون إعلان إسرائيلي رسمي عنها.
ثم يأتي المجال البيولوجي، حيث تتقاطع البيولوجيا التركيبية والذكاء الاصطناعي وأتمتة المختبرات، ما يخلق فوائد علمية كبيرة، لكنه يفرض أيضاً تحديات جديدة في الأمن البيولوجي، خصوصاً مع التقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
كل ذلك يقود إلى سؤال أكبر: هل انتهت الحرب التقليدية؟
الجواب ليس كذلك. الدبابات والمشاة والمدفعية والصواريخ ما زالت حاضرة، لكن داخل منظومة مختلفة. الحرب الحديثة تجمع بين السلاح التقليدي والمسيّرات والأقمار الصناعية والروبوتات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والسيبرانية.
ولهذا ربما لا تكون حرب المستقبل حرباً بلا جنود، وإنما حرباً يكون فيها الجندي جزءاً من شبكة أكبر بكثير.
ومع تسارع هذه الشبكة تظهر مشكلة أخرى: من يظل صاحب القرار؟
في منتدى شيانغشان الأمني في بكين هذا الشهر، حذر مشاركون من أن الذكاء الاصطناعي يضغط الزمن المتاح أمام الحكومات والجيوش لاتخاذ القرار، وشددوا على أهمية الحفاظ على الحكم والسيطرة البشريين عند استخدام القوة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يجب أن يشغل الدول التي ما زالت تبني قوتها بعقلية عسكرية قديمة:
هل يكفي أن تشتري الدولة السلاح، أم عليها أن تمتلك العلم الذي يصنع السلاح ويطوره؟
شراء طائرة أسهل من بناء منظومة علمية تطور عقلها الإلكتروني. وشراء درون أسهل من صناعة المستشعر والخوارزمية ونظام الاتصال الذي يجعله أكثر قدرة على العمل. وشراء روبوت أسهل من امتلاك العلماء القادرين على تطوير استقلاليته.
في القرن العشرين كانت الدولة القوية هي التي تستطيع إنتاج الدبابة والطائرة والصاروخ بكميات كبيرة.
أما في القرن الحادي والعشرين، فإن جزءاً متزايداً من القوة يرتبط بالقدرة على جمع المعلومات وتحليلها بسرعة، وربط المستشعرات بالمنصات، وتطوير البرمجيات والرقائق والاتصالات، وتحويل المعرفة العلمية إلى قدرة ميدانية.
لقد بدأت قصة الحرب بالحجر، ثم السيف، ثم المدفع والدبابة والطائرة والصاروخ.
واليوم تدخل الخوارزمية إلى قلب المعركة.
لم تعد المسألة فقط: كم جندياً تملك الدولة؟ بل كم معلومة تستطيع جمعها، وكم ثانية تحتاج لتحليلها، وكم آلة تستطيع تشغيلها، وكم من التكنولوجيا تستطيع أن تصنعها بنفسها؟
ذلك هو التحول الحقيقي في حروب القرن الحادي والعشرين: لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة في يد القوة، بل أصبحت جزءاً من تعريف القوة نفسها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر