منبر العراق الحر :…..مدخل:
منذ قيامها، اعتاد المؤرخون ووسائل الإعلام، كلما حلت ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز، أن يستعرضوا آثارها السياسية والاقتصادية، وربما توقفوا عند بعض تحولاتها الاجتماعية. غير أن جانبا لا يقل أهمية، بل لعله الأكثر رسوخا في صناعة المستقبل، ظل خارج دائرة الاهتمام، وهو المشروع الثقافي والفني الذي تبنته الثورة بوصفه ركيزة لبناء العقل، وصيانة الذاكرة الوطنية، وترسيخ قيم النهضة والتنوير. فإذا تجاوزنا السجالات السياسية، واحتكمنا إلى الوقائع والمنجزات الموثقة، وجدنا أن ثورة 14 تموز أولت الثقافة والفنون عناية استثنائية لم يعرفها العراق من قبل، وجعلت من البعد الحضاري جزءا أصيلا من مشروع الدولة الحديثة، عبر مبادرات ومؤسسات وإنجازات تركت أثرا عميقا في الحياة الفكرية والإبداعية، وما زالت شواهدها حاضرة في الذاكرة الوطنية حتى اليوم.
لم يكن الرابع عشر من تموز عام 1958 مجرد حدث سياسي أنهى النظام الملكي، وأعلن قيام الجمهورية، بل كان لحظة مفصلية حملت معها مشروعا واسعا لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة. وبينما انصرفت الدراسات إلى الجوانب السياسية والاقتصادية للثورة، بقي جانبها الثقافي والحضاري واحدا من أبرز وجوهها التي تستحق التأمل؛ فقد أدركت القيادة الجديدة أن بناء الإنسان لا تقل أهمية عن بناء المؤسسات، وأن الثقافة ليست ترفا، بل ركيزة من ركائز النهضة الوطنية.
شهدت السنوات التي أعقبت الثورة حراكا ثقافيا غير مسبوق، اتسم باتساع هامش حرية التعبير، وازدياد الاهتمام بالمثقف بوصفه شريكا في صناعة الوعي. فانتعشت الصحافة الثقافية، وتوسعت حركة النشر، وظهرت مجلات ومنابر فكرية أتاحت للأدباء والباحثين والفنانين التعبير عن رؤاهم، كما شهدت الجامعات والمؤسسات العلمية نموا ملحوظا انعكس على حركة التأليف والترجمة والبحث الأكاديمي.
وفي الأدب، برزت أسماء عراقية كبيرة استطاعت أن تجد فضاءً أرحب للإبداع، فازدهر الشعر الحديث، وتقدمت حركة القصة والرواية، وتنوعت الاتجاهات النقدية والفكرية. ولم يعد الأدب معزولا عن هموم المجتمع، بل أصبح مرآة للتحولات الاجتماعية والسياسية، ومنبرا للحلم بمجتمع أكثر عدالة وتقدم. كما شهدت المؤسسات الثقافية نشاطا لافتا في إقامة الندوات والملتقيات وتشجيع المواهب الشابة، مما أسهم في ترسيخ مكانة العراق بوصفه أحد أهم المراكز الثقافية في العالم العربي.
أما الحركة الفنية، فقد دخلت مرحلة جديدة من النضج والانتشار. ففي الفن التشكيلي، واصل الرواد العراقيون تأسيس مدرسة تمتزج فيها الحداثة بجذور الحضارات الرافدينية، فبرزت أعمال تستلهم سومر وبابل وآشور بروح معاصرة، وأسهمت الجمعيات الفنية والمعارض في تقديم الفن العراقي إلى المحافل العربية والدولية. وفي المسرح، اتسعت دائرة الإنتاج والعروض، وظهرت نصوص تعالج قضايا المجتمع بلغة فنية رفيعة، بينما شهدت الموسيقى والغناء العراقيين رعاية أكبر للمواهب والمؤسسات الفنية، مما أسهم في ترسيخ الهوية الموسيقية العراقية.
ولعل من أبرز الإنجازات الحضارية لتلك المرحلة ما يتعلق بالعناية بالتراث والآثار. فقد تنامى الوعي الرسمي بأن العراق ليس مجرد دولة حديثة، بل وريثٌ لأقدم الحضارات الإنسانية. ومن هذا المنطلق، حظيت أعمال التنقيب الأثري بدعم ملحوظ، وتوسعت البعثات الأثرية العراقية والأجنبية في الكشف عن مواقع حضارية جديدة، كما جرى الاهتمام بتطوير المتحف العراقي وتعزيز مقتنياته، والعمل على حفظ اللقى الأثرية وصيانتها وفق الأساليب العلمية المتاحة آنذاك.
ولم يقتصر الاهتمام على التنقيب، بل امتد إلى حماية المواقع الأثرية من التجاوز والإهمال، وتشجيع الدراسات التاريخية والآثارية، وإبراز الإرث الحضاري العراقي في المعارض والمنشورات، بما عزز حضور العراق في الوعي الثقافي العالمي بوصفه مهدا للحضارات الإنسانية الأولى.
كما شهدت تلك المرحلة اهتماما بالتراث الشعبي بوصفه مكونا أصيلا من الهوية الوطنية، فبدأت جهودا أكثر تنظيما لجمع الحكايات الشعبية والأمثال والأغاني والفنون الفلكلورية، وتوثيقها بوصفها جزءا من الذاكرة الجمعية للشعب العراقي، وهو توجه أسهم في حماية جانب مهم من التراث غير المادي.
ورغم أن عمر ثورة الرابع عشر من تموز كان قصيرا، فإن أثرها الثقافي تجاوز سنواتها الفعلية. فقد أرست تقاليد جديدة في دعم الثقافة الوطنية، ورسخت قناعة بأن الإبداع والفن والمعرفة عناصر أساسية في مشروع بناء الدولة الحديثة. كما أسهمت في تعزيز الوعي بقيمة الإرث الحضاري العراقي، بوصفه ثروة وطنية وإنسانية ينبغي صيانتها للأجيال المقبلة.
إن تقييم تلك التجربة ينبغي أن يتم بمنهج تاريخي متوازن، يميز بين الجدل السياسي الذي أحاط بها، وبين المنجزات الثقافية والحضارية التي تركت بصمتها في تاريخ العراق الحديث. فالثقافة، بخلاف السياسة، تمتلك قدرة أطول على البقاء، وما أُنجز في ميادين الأدب والفنون والآثار خلال تلك السنوات ظل جزءا من الرصيد الحضاري الذي يعتز به العراقيون حتى اليوم، وشاهدا على مرحلة آمنت بأن نهضة الأمم تبدأ ببناء العقل، وصيانة الذاكرة، واحترام التراث.
حين نكتب تاريخ أمة، فإننا لا نكتفي بسرد الأحداث السياسية والتحولات الرسمية، لأن حياة الشعوب لا تختصر في القرارات والأنظمة وحدها، بل تظهر حقيقتها في ما تنتجه من فكر وفن وأدب. فالثقافة هي الذاكرة العميقة للمجتمع، وهي المساحة التي يعبر فيها الإنسان عن أحلامه ومخاوفه وأسئلته الكبرى. ومن خلالها نستطيع أن نقرأ روح العصر، وأن نفهم كيف كان الناس ينظرون إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم.
لقد كان العراق عبر تاريخه الطويل أرضا للحضارات والإبداع. فمن هذه الأرض انطلقت الكتابة الأولى، ونشأت تقاليد أدبية وفنية تركت أثرا في تاريخ الإنسانية. ولم ينقطع هذا الحضور، بل ظهر في أشكال جديدة عبر الصحافة والتعليم والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى في عهد الجمهورية العراقية الأولى، وأحدث تفاعلا بين إرث حضاري عميق ومتطلبات العصر الحديث ضمن هذه المسيرة بوصفها مرحلة ذات أهمية خاصة؛ ليس فقط بسبب ظروفها التاريخية، بل بسبب ما شهدته من نشاط ثقافي وفني، وظهور أسماء أصبحت لاحقًا علامات بارزة في تاريخ العراق والعالم العربي.
فشكرا لكل الذين آمنوا بأن الثقافة ليست ترفا، وأن الكلمة والصورة والموسيقى يمكن أن تصنع ذاكرة وطن. لكل رواد الفكر والأدب والفن، السينما، المسرح العراقي، الذين أكملوا مسيرة الإبداع حاملين أحلام مجتمعهم في عصر الجمهورية العراقية الأولى. وتركوا للأجيال القادمة أثرًا لا يغيب.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر