عراق رومي شنايدر – رؤى وتواريخ ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
1
في صباي شاهدتُ لأول مرة فيلماً ساحراً للممثلة الألمانية ــ النمساوية رومي شنايدر… عملتُ يوماً كاملاً عاملاً في الطين لأكسب أربعين فلساً وأراها.
دخلتُ لأرى تلك الإلهة الجرمانية وفي ثوبي المقلم أربعون ثقباً وأربعون دمعة وأربعون جوعاً، وبالرغم من هذا شببتُ وأنا أُطِلُّ على عينيها لأجد نفسي تائهاً في ثمالة القصيدة، وإيماءةٌ منها تقول: تعالَ وتعرَّ في جسدي. ولأني لم أصل البلوغ سوى بأحلامي، لم أفعل شيئاً سوى أن ارتعشتُ وخفتُ وأغمضتُ عينيّ، لأصنع فيهما مسافةً للحلم بين عينيها وساقي النحيفين كسعفةِ نخلٍ تهزها ريحُ شهوةِ الغيوم في لذة المطر.
كانت رومي شنايدر ممثلةً هائلةً في صناعة إيماءة الحلم اللذيذ لفقراء من جنوب الله، وحتماً هي لا تعرف أين تقع مدنهم، وهل هي على الأرض أم في كوكب آخر. وبالرغم من هذا، غامرتُ لسرقة دجاجة أمي السوداء وبيعها والذهاب بثمنها لفيلم جديد لهذه الفاتنة مجنونة الجمال.
أدمنتُ أفلامها… وأدمنتُ انتظار لحظة بلوغي معها، وعندما أمسكتُ بسعادة البلوغ، كانت هي قد قررت الانتحار، فأكملتُ عُرْيَ شوقي الآتي مع عينيها، مع صورها وأفلامها وخواطر مراهقةٍ كتبتُها عنها أيام المتوسطة والإعدادية والجيش…
ماتت رومي شنايدر، ولكنها خالدةٌ في حلمٍ أبقته مرتعشاً على صدري.
2
احتفاءً برحيلها زرتُ قبرها… تخيلتُ أن فضاء الأنوثة دمعةٌ… ووقفتُ عند كلماتٍ لسانُ حالِ أمي يقول فيها: نحن نأتي إلى الحياة بعربةٍ من الهمس والقُبُلات بين ذكر وأنثى، ونرحل عنها بعربةٍ من الدموع فقط.
أضع باقة وردٍ على قبرها وأقرأ في شاهدةٍ كتبتُها أنا بأصابعي على رخام الضريح الأبيض: هنا ترقد امرأةٌ من عسل الذكريات نظرتُها، ومن شهوة الحروب وقسوة كل جنرالات الفقر. أتت لتجلس وسط الشاشة وتتعرى عطراً في طفولتنا ومراهقتنا وعاداتنا السرية.
هنا ترقد رومي شنايدر، الممثلة الحسناء والجيل الشهي والمرأة التي قال عنها العجوز سارتر: هي تغريني بألف ارتيابٍ وكتابٍ وتحطيمِ باب.
أنا حطمتُ المسافة من أور إلى مقبرةٍ تسكن فيها هذه الملكة السينمائية في منطقة بُواسي – سانزافور على بعد نحو 50 كيلومتراً غرب باريس…
أشرب من أحمر الأقحوان النابت قرب القبر مطر الذكريات. البلاد التي خلفتها ورائي. ورسائل حب مفترضة إلى كل واحدةٍ والدها يمتلك عجلة فورد، وأبي لا يمتلك حتى عجلةً يجرها حمار، وبالرغم من هذا كنتُ وكان الجميع يصنعون أناشيد أساطيرهم من ضوء اللالة والفانوس وسعال أمي وهي تزجرني: اترك التحديق في هذه المجلة وهذه المرأة الفاحشة واجلب لي دواء السعال.
لقد سعلنا المرارة ألف عام، وكنتِ أنتِ مصيبتنا لنهدأ. السينما وكتب الشعر ودمعة الحسين وخواطر لينين وأشياء أخرى مميزة حد الفضيحة…
الآن على قبركِ تُنشِد أحلامُ الأمس. تُنشِد آلهةُ بابل وسومر ومدن نهر الغرّاف…
تُنشِد كل الكاهنات الأكاديات والمندائيات والمعديات في أقضية مدن الأهوار وأمريكا اللاتينية وأسواق الجملة في نصف الكرة الأرضية الساكن في خاصرتي…
الجميع ينشدون لكِ لحن العشق المعجون بعطر البامية والياسمين وقُبلةٍ تحت اللسان يضعها بطل الفيلم، وأنا على أريكة السينما الخشبية أهز مشاعري زلزالَ الدموع والشهوة والثورات المسلحة…
احتفاءً برحيلها زرتُ قبرها وشربتُ من نظرة عينيها الساحرتين وارتويت…
ثم ماذا بعد…؟
عدتُ مثل إسكندر المقدوني منكسراً لأفتح التلفاز لأرى بلادي هل ما زالت تعيش ثمالة القلق من الحروب القائمة ونهب السُرّاق، فوجدتها كما تركتها، فنمتُ لأستريح من سفري.

اترك رد