«الخليج ما بعد الحياد»..كيف أعادت الحرب الأميركية-الإيرانية رسم العقيدة العسكرية الخليجية؟ د. ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي….

التقرير الاستراتيجي رقم (36): «ما بعد الحياد»

27 تموز / يوليو 2026

⏺️ تمهيد ومقاربة المفهوم

طوال عقود، قامت العقيدة الأمنية الخليجية على معادلة دقيقة: حماية الدولة من تداعيات الصراعات الإقليمية، مع تجنب التحول إلى طرف عسكري مباشر فيها. كانت الأولوية للدفاع عن الحدود والمنشآت الحيوية، وتأمين تدفقات الطاقة والممرات البحرية، والإبقاء على قنوات الاتصال السياسية حتى في أشد مراحل التوتر.

غير أن الحرب الأميركية–الإيرانية لعام 2026 فرضت معادلة مختلفة. فحين انتقلت الصواريخ والطائرات المسيّرة من مجال التهديد النظري إلى استهداف المطارات والمنشآت الاقتصادية والقواعد العسكرية داخل دول الخليج، لم يعد الحياد وحده قادراً على توفير الحماية، ولم يعد ضبط النفس كافياً لمنع انتقال الحرب إلى الجغرافيا الخليجية.

ومن هنا، لم يعد السؤال: هل تشارك دول الخليج في الحرب؟

بل أصبح: كيف تدير دول الخليج انخراطها العسكري، وتحمي أمنها القومي، من دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لحرب استنزاف طويلة؟

إن مرحلة «ما بعد الحياد» لا تعني تخلي الخليج عن الدبلوماسية، ولا اندفاعه نحو حرب هجومية شاملة، بل تعني أن بعض دوله بدأت ترى استخدام القوة امتداداً مباشراً للدفاع عن السيادة، بعد أن فشلت سياسة النأي بالنفس في منع استهدافها.

◾️خريطة المشاركة الخليجية… انخراط مباشر وحياد متباين

لم تكن المشاركة الخليجية في الحرب الأميركية–الإيرانية موحدة، كما لم تكن مجرد امتداد آلي للقرار الأميركي. فقد انقسمت دول مجلس التعاون، وفق طبيعة الاستهداف وحسابات الأمن القومي، إلى ثلاث جبهات مختلفة: جبهة انخرطت عسكرياً في ضرب العمق الإيراني، وجبهة جمعت بين التسهيلات الدفاعية والوساطة، وجبهة تمسكت بالحياد ورفضت المشاركة الهجومية.

1️⃣ جبهة الانخراط العسكري المباشر

البحرين والكويت والإمارات والمملكة العربية السعودية

اضطرت هذه الدول إلى الانتقال من سياسة ضبط النفس إلى استخدام القوة بعد أن تحولت أراضيها وقواعدها ومطاراتها ومنشآتها الحيوية إلى أهداف للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. ولم يعد الرد مقتصراً على اعتراض الهجمات داخل الأجواء الخليجية، بل امتد إلى ضرب مصادر التهديد في العمق الإيراني، واستهداف بعض المنصات المرتبطة به خارج الحدود.

◾️البحرين والكويت

أفادت تقارير صحفية موثوقة بأن الطيران الحربي لكل من البحرين والكويت نفّذ، مطلع تموز / يوليو 2026، غارات مباشرة استهدفت مستودعات صواريخ ومسيّرات ومواقع عسكرية داخل الأراضي الإيرانية.

ومثّلت هذه العمليات تحولاً تاريخياً في العقيدة العسكرية للدولتين، وانتقالاً من الدفاع الجوي الموضعي إلى الرد المباشر داخل العمق الإيراني، بعد أسابيع من استهداف منشآت حيوية، من بينها موقع الدعم البحري الأميركي في البحرين ومطار الكويت الدولي.

ولم يصدر إعلان حكومي رسمي مفصل عن هذه العمليات، وهو ما يمكن تفسيره ضمن سياسة الغموض العملياتي: تنفيذ الضربة، وإيصال رسالة الردع، وتجنب إعلان قد يفرض التزامات سياسية وقانونية إضافية أو يفتح الطريق أمام تصعيد غير محسوب.

فعدم الإعلان الرسمي لا ينفي وقوع المشاركة، لكنه يكشف طبيعة المرحلة التي تتحرك فيها بعض العواصم الخليجية بين ضرورة الرد وحسابات منع توسع الحرب.

◾️الإمارات العربية المتحدة

تبنت الإمارات الموقف الخليجي الأكثر حزماً تجاه الاستهداف الإيراني، وانتقلت في مرحلة مبكرة إلى المشاركة في ضرب أهداف داخل إيران، فضلاً عن توفير غطاء دفاعي ودعم استخباراتي وعملياتي لضربات البحرين والكويت.

ومثّلت الإمارات مركز الثقل في جبهة الانخراط الخليجي، ليس فقط بسبب ما تمتلكه من قوة جوية متطورة، بل لقدرتها على دمج الاستطلاع والإنذار المبكر والدفاع الجوي والضربات الدقيقة ضمن صورة عملياتية واحدة.

وقد عبّر الموقف الإماراتي عن تحول جوهري في إدراك التهديد: لم يعد اعتراض الصاروخ بعد إطلاقه كافياً، بل أصبح تعطيل منصة الإطلاق ومستودعات السلاح ومراكز القيادة جزءاً من مفهوم الدفاع عن الأمن القومي.

◾️المملكة العربية السعودية

شاركت المملكة العربية السعودية في مراحل من الحرب بضرب أهداف داخل إيران ومواقع تابعة لوكلائها في العراق، لكنها تبنت لاحقاً مقاربة أكثر تركيباً يمكن وصفها بـ «التحوط المسلح».

فقد دعمت الرياض المجهود العسكري والدفاعي، ورفعت جاهزية منظوماتها الصاروخية، وأسهمت في تأمين الأجواء والعمق اللوجستي، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقنوات اتصال مفتوحة مع طهران، بهدف منع تحول المشاركة العسكرية المحدودة إلى حرب استنزاف شاملة.

وبذلك لم يكن الموقف السعودي حياداً تقليدياً، ولا انخراطاً هجومياً مفتوحاً، بل محاولة للجمع بين الردع العسكري وتقليل المخاطر السياسية والاقتصادية للحرب.

وتشكل البحرين والكويت والإمارات والسعودية، رغم اختلاف مستويات المشاركة والعلنية، جبهة عسكرية خليجية عملية انتقلت من اعتراض التهديد إلى ضرب مصادره، من دون أن تتحول إلى تحالف هجومي موحد لإسقاط النظام في طهران.

2️⃣ جبهة السياسة المزدوجة : دولة قطر

اتبعت قطر مساراً يبدو متناقضاً في ظاهره، لكنه يعكس طبيعة موقعها ودورها الإقليمي.

فمن جهة، استمرت قاعدة العديد الجوية في أداء وظائفها داخل البنية العملياتية الأميركية، بما يشمل القيادة والإنذار المبكر والدعم اللوجستي وإدارة جانب من التحركات العسكرية.

ومن جهة أخرى، رفضت الدوحة الانخراط العسكري الوطني المباشر، وحافظت على دورها بوصفها وسيطاً سياسياً، وسعت إلى فتح قنوات التفاوض وتثبيت هدن مؤقتة بين واشنطن وطهران.

وبهذا حاولت قطر الفصل بين وجود قاعدة أميركية على أراضيها وبين قرار الدولة القطرية بالمشاركة في الحرب. غير أن هذا الفصل، مهما بدا واضحاً من الناحية السياسية الخليجية، لا تعترف به طهران بالضرورة، التي تنظر إلى القواعد الأميركية والمنشآت الداعمة لها بوصفها جزءاً من مسرح العمليات.

إن المعادلة القطرية تقوم على الجمع بين الالتزام الأمني القائم والاستقلال السياسي في قرار الحرب، وبين احتضان بنية عسكرية أميركية كبرى والاحتفاظ في الوقت نفسه بقنوات اتصال يمكن استخدامها عندما تصل المواجهة إلى طريق مسدود.

3️⃣ جبهة الحياد والرفض العسكري: سلطنة عُمان

تمسكت سلطنة عُمان بعقيدتها التقليدية القائمة على الحياد الإيجابي، ورفضت تقديم تسهيلات عسكرية هجومية أو السماح باستخدام أراضيها وأجوائها في ضرب إيران.

وحافظت مسقط على دورها بوصفها قناة خلفية موثوقة لنقل الرسائل السياسية والأمنية بين واشنطن وطهران، وسعت إلى احتواء التصعيد والإبقاء على نافذة دبلوماسية مفتوحة في لحظة أُغلقت فيها معظم قنوات التواصل المباشر.

ولم يكن الحياد العُماني انسحاباً من الأزمة أو تجاهلاً لمخاطرها، بل شكلاً مختلفاً من المشاركة يقوم على منع اتساع الحرب، وحماية المجال العُماني، وتوفير المساحة السياسية التي قد تحتاج إليها الأطراف عندما تعجز العمليات العسكرية عن إنتاج تسوية.

وبذلك ظلت عُمان تمثل آخر خطوط الوساطة، في مقابل دول اختارت الرد العسكري أو التحوط الدفاعي.

4️⃣ الخلاصة الموضوعية

ثلاث عقائد خليجية في حرب واحدة

تكشف خريطة المواقف أن الخليج لم يدخل الحرب بوصفه كتلة سياسية وعسكرية موحدة، كما أنه لم يبقَ كله خارجها.

فقد تشكلت جبهة تضم البحرين والكويت والإمارات، وبدرجة أكثر تحوطاً المملكة العربية السعودية، وجدت نفسها مضطرة إلى الرد وضرب العمق الإيراني أو مصادر التهديد المرتبطة به بعد استهداف أراضيها ومنشآتها.

وفي المقابل، حافظت قطر على معادلة تجمع بين وجود القاعدة العسكرية الأميركية والوساطة السياسية، بينما تمسكت سلطنة عُمان بالحياد ورفض الاستخدام الهجومي لجغرافيتها.

وعليه، فإن الأدق ليس القول إن الخليج دخل الحرب كله، ولا إنه بقي محايداً كله، بل إن الحرب أنتجت داخل مجلس التعاون ثلاث عقائد متجاورة:

الرد العسكري، والتحوط الدبلوماسي، والحياد الوسيط.

ولا يمثل هذا التباين بالضرورة انقساماً في الهدف الاستراتيجي، بقدر ما يعكس اختلاف الأدوات والظروف الجغرافية وحجم التهديد الذي واجهته كل دولة.

فالغاية المشتركة بقيت حماية أمن الخليج ومنع تدمير بنيته الاقتصادية، حتى وإن اختلفت الوسائل بين الضربة العسكرية، والردع الدفاعي، والوساطة، وإدارة قنوات الاتصال.

5️⃣ من «الحياد» إلى «الدفاع المتقدم»

لا يعني التحول الذي شهدته الحرب أن دول الخليج تخلت عن أولوياتها الدبلوماسية، وإنما يعني أن مفهوم الدفاع نفسه بدأ يتغير.

فبعد أن كان الدفاع الخليجي يقوم أساساً على انتظار وصول التهديد ثم اعتراضه داخل المجال الجوي الوطني، بدأ يتجه نحو تعطيل مصادر التهديد قبل إطلاقها، عبر الضربات المحدودة، والتكامل الاستخباراتي، والإنذار المبكر، والدفاعات الشبكية، والعمليات الوقائية المحسوبة.

وبذلك لم تعد الحرب تُدار عند الحدود وحدها، بل امتدت إلى عمق مسرح العمليات الإقليمي.

وهذه النقلة لا تعني تبني عقيدة الحرب الاستباقية المفتوحة، بل الانتقال إلى مفهوم «الدفاع المتقدم»؛ أي منع الخصم من امتلاك حرية ضرب المنشآت الخليجية ثم العودة إلى قواعده من دون كلفة.

ومن هنا، فإن «ما بعد الحياد» ليس إعلاناً عن عسكرة الخليج، بل إعادة تعريف للخط الفاصل بين ضبط النفس والعجز، وبين الدبلوماسية والردع، وبين حماية الحدود وضرب مصادر الخطر قبل وصولها.

⏺️ خاتمة استشرافية

كشفت حرب عام 2026 أن الحياد الخليجي، بصيغته التقليدية، لم يعد ضمانة كافية لمنع انتقال الصراع إلى أراضي المنطقة. فالدولة التي تتعرض مطاراتها ومنشآتها وقواعدها للهجوم لا تستطيع الاستمرار في التعامل مع الحرب بوصفها مواجهة بعيدة بين واشنطن وطهران.

ومع ذلك، فإن المشاركة الخليجية لم تتحول إلى حرب موحدة ولا إلى انخراط مفتوح في مشروع أميركي–إسرائيلي لتغيير النظام الإيراني. لقد كانت، في معظم صورها، استجابة اضطرارية لمخاطر مباشرة، ومحاولة لإعادة بناء الردع بعد أن أثبتت الهجمات أن الصمت لا يضمن الحماية، وأن النأي بالنفس لا يمنع الخصم من توسيع ساحة الحرب.

وربما يكون التحول الأهم الذي كشفت عنه الحرب أن الخليج لم يعد مجرد مساحة جغرافية تحتمي بالموازنات الدولية، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى فاعل أمني يمتلك إرادة الردع وقرار استخدام القوة عندما يرى أن أمنه القومي بات مهدداً بصورة مباشرة.

كما أن مفهوم الحياد في الخليج لم يعد يعني الوقوف خارج الصراع، بل القدرة على إدارة الانخراط فيه بأقل كلفة ممكنة؛ فالدولة التي تحافظ على قرارها السيادي، وتوازن بين الردع والدبلوماسية، وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحة حرب مفتوحة، هي الدولة التي ستملك زمام المبادرة في مرحلة ما بعد الحرب، لا مجرد النجاة منها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي سيواجه المنطقة في السنوات المقبلة لن يكون:

هل يشارك الخليج في الحروب؟

بل:

كيف سيعيد الخليج تعريف دوره الأمني في شرق أوسط تتغير خرائط القوة فيه بوتيرة غير مسبوقة؟

اترك رد