تمثال الجواهري ونداء كاظم : حين تتحوّل الرموز إلى ساحة صراع بين الذاكرة والواقع…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ليس من السهل أن يتحوّل تمثال إلى قضية ولا أن تصبح كتلة من البرونز محور جدلٍ يمسّ الضمير الجمعي، لكن الأمر مع تمثال محمد مهدي الجواهري يتجاوز حدود الشكل إلى عمق المعنى، إذ لا نقف أمام حجرٍ صامت، بل أمام تاريخٍ كاملٍ يتنفس من خلال ملامح شاعرٍ كان العراقُ فيه قصيدةً، وكان هو لسانها الذي لا يهادن. وحين يُمسّ هذا التمثال بأي شكلٍ من أشكال العبث أو الإهمال أو التقليل، فإن الذي يُمسّ في الحقيقة هو تلك الهيبة التي صنعتها الكلمة، وذلك المجد الذي كتبه الشعر بدمٍ لا بالحبر.
لقد كان الجواهري صوتًا لا يُختزل، وصورةً لمرحلةٍ من أكثر مراحل العراق احتدامًا وصدقًا، حيث لم يكن الشاعر شاهدًا فقط بل كان طرفًا في المعادلة، يقاتل بالكلمة ويقف بوجه العواصف دون أن ينكسر. ومن هنا، فإن تمثاله لم يُنصب ليكون ديكورًا في فضاء المدينة، بل ليكون علامةً على أن هذا البلد أنجب من يليق به، وأن الذاكرة لا تزال قادرة على أن تحفظ رموزها مهما تعاقبت الأزمنة.
غير أن ما حدث، وما أُثير حول هذا التمثال أعاد طرح الأسئلة المؤجلة بقسوة، وفتح جرحًا قديمًا يتعلق بعلاقة المجتمع برموزه الثقافية، تلك العلاقة التي تبدو أحيانًا مضطربة، تتأرجح بين التقديس والنسيان بين الاحتفاء والإهمال. وفي خضم هذا المشهد، برز صوت نداء كاظم بوصفه صدىً لهذا القلق العميق، لا باعتباره مجرد تعليق على حادثة، بل باعتباره موقفًا من فكرة أكبر: كيف نتعامل مع رموزنا…؟
وكيف نحمي ذاكرتنا من التآكل…؟
إن نداء كاظم لم يكن يصرخ من فراغ، بل من إحساسٍ بأن ما يجري ليس حادثةً معزولة، بل هو عرضٌ لخللٍ أعمق في بنية الوعي، حيث لم تعد الثقافة في مركز المشهد كما ينبغي، وحيث باتت الرموز عرضةً للتأويل السطحي أو التجاهل أو حتى الإساءة. لقد كان صوته أشبه بمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تذكيرًا بأن الأمم التي تفقد احترامها لرموزها، تفقد تدريجيًا قدرتها على تعريف نفسها.
وإذا كان الجواهري قد وقف يومًا في وجه الزمن، فإن تمثاله اليوم يقف في وجه النسيان، لكن الفارق أن الشاعر كان يمتلك صوتًا يدوّي، أما التمثال فلا يملك سوى الصمت وهذا الصمت هو ما يجعل المسؤولية أثقل، لأن الدفاع عنه لم يعد مهمة شاعر، بل مهمة مجتمع بأكمله. إن ما جرى لم يكن مجرد فعلٍ عابر، بل لحظة اختبار حقيقية: هل ما زلنا نملك القدرة على صون ذاكرتنا، أم أننا نتركها تتآكل تحت وطأة اللامبالاة…؟
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الجواهري الذي كان يُشعل المدن بقصائده، أصبح اليوم موضوع نقاشٍ حول تمثاله، وكأن المسافة بين العظمة والنسيان أقصر مما نتصور. ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال قائمًا، ما دام هناك من يرفع صوته وما دام هناك من يرى في هذا التمثال أكثر من مجرد شكل بل يرى فيه مرآةً لروحٍ عراقيةٍ لا ينبغي أن تنكسر.
وهكذا، يبقى السؤال معلقًا في فضاء المدينة، لا يجيب عنه التمثال، بل نحن: هل نحفظ الجواهري لأنه شاعر عظيم، أم لأننا نخشى أن نفقد ما تبقى من أنفسنا…؟

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد