“امرأةٌ لا يعرفُها الرماد”….كتب د. عبدالكريم بعلبكي

منبر العراق الحر :
الجهةُ التي نسيتْ اسمَها
لا أعرفُ…
هل فتحتِ نافذةً في دمي،
أم أنَّ دمي
كان جدارًا طويلًا
ينتظرُ أن يتذكّرَ جهةَ الضوء.
جئتِ…
لا من بابٍ،
ولا من طريق،
بل من ذلك الفراغِ
الذي تركتهُ الأشياءُ
حين غادرتْ أسماءَها.
كان الليلُ قبلكِ
يمشي بعينين مغمضتين،
وكانتِ النجومُ
معلّقةً في السماءِ
كحروفٍ نسيَ الحبرُ
معناها الأول.
ثم رفعتِ عينيكِ…
فانحنتِ المسافاتُ قليلًا،
وتراجعتِ الجهاتُ
لتفسحَ مكانًا
لشيءٍ لا أعرفُ كيف أسمّيه.
لم أقل:
امرأة.
فالكلماتُ الصغيرة
تضيقُ بما لا يُحاط.
قلتُ:
شيءٌ ما
عادَ إلى مكانه
بعد غيابٍ طويل.
شيءٌ يشبهُ المطرَ
حين يتذكّرُ الطريقَ إلى التراب.
وشيءٌ يشبهُ النارَ
حين تكتشفُ أنها لم تُخلقْ للحرق،
بل لتكشفَ ما أخفاهُ الرماد.
كنتُ أحملُ في صدري
خرابَ أعوامٍ كثيرة،
قلبًا أغلقَ نوافذهُ
حتى نسيَ شكلَ السماء.
وحين مررتِ به…
لم تفتحي الباب.
بل جعلتِ الجدارَ
يتذكّرُ أنه كان شجرة.
ومنذ تلك اللحظة،
لم أعدْ أبحثُ عنكِ.
فالذي يبحثُ
يظنُّ أنَّ المسافةَ تفصلُهُ عن الشيء،
وأنتِ…
كنتِ المسافةَ نفسها
حين قررتْ أن تصبحَ قربًا.
كلُّ طريقٍ ضللتُهُ
كان يقودني إليكِ.
وكلُّ انكسارٍ
كان ينحتُ في داخلي
مكانًا لكِ.
حتى الخساراتُ
التي ظننتُها قبورًا،
كانتْ تحفرُ سرًّا
ممرًّا إلى حضوركِ.
وفيكِ…
اجتمعتْ طقوسٌ
لم تعرفِ الأرضُ أسماءها.
كان اسمكِ
حين يمرُّ على شفتي
يوقظُ الهواءَ من نومه.
وكان صمتكِ
أغنيةً لا تحتاجُ إلى صوت.
كنتُ أطوفُ حولَ أثركِ،
لا كمن يعبدُ ظلًّا،
بل كمن يحاولُ أن يفهمَ
كيف تستطيعُ قطرةٌ واحدة
أن تحملَ ذاكرةَ البحر.
ولم أفهمْ يومًا
كيف يمكنُ لامرأةٍ
أن تحملَ في خطوتها
ذاكرةَ الجبال.
كان فيكِ شيءٌ
من الصخرِ
حين يرفضُ أن يكونَ حائطًا،
وشيءٌ من الماءِ
حين يشقُّ قلبَ الحجر
لا ليهزمهُ…
بل ليعلّمهُ معنى الليونة.
وشيءٌ من شجرةٍ
وقفتْ وحيدةً
بعد أن مرَّتِ النارُ من هنا،
لا لأنها نجتْ،
بل لأنها أرادتْ
أن تقولَ للرماد:
كنتَ طريقًا آخرَ للحياة.
كنتُ ألمسُ حضوركِ
فتنهضُ الأشياءُ
من نومها القديم.
الكفُّ التي ظننتُها
تبحثُ عن دفءِ امرأة،
كانت تستعيدُ
ذاكرةَ التراب.
والقلبُ الذي أقسمَ
أن لا يفتحَ نوافذهُ ثانية،
كان ينتظرُ سرًّا
لا حبًّا فقط.
كان ينتظرُ
ذلك الشهيقَ الأول
الذي يعيدُ للمكانِ صوتَه.
كنتِ العشقَ
الذي لم تأتِ به المصادفات،
بل خبّأتهُ الأيامُ
في الجهةِ التي لم أصلْ إليها.
كلُّ ما قبلكِ
كان تدريبًا على الغياب.
وكلُّ ما بعدكِ
صارَ سؤالًا
لا يكتملُ إلا بكِ.
فيكِ
لم تكنِ الطقوسُ
طقوسَ عاشقٍ وعاشقة،
بل طقوسَ عالمٍ
يعيدُ ترتيبَ نفسه.
إذا ضحكتِ
أخفى الربيعُ
أوراقَهُ القديمة
ليتعلّمَ لونًا جديدًا.
وإذا صمتِّ
جلسَ الليلُ قربَ نافذتي
كأنه ينتظرُ اعترافًا
من القمر.
لم أكنْ أقول:
أحبكِ…
فالكلمةُ
أصغرُ من هذا الامتلاء.
كنتُ أقولها،
فتتراجعُ الحروفُ خجلةً
وتبحثُ عن معنى أوسع.
كيف أشرحُ لهم
أنني لم أرَ امرأةً تمشي،
بل رأيتُ جهةً
تعلّمتْ المشي.
وأنني لم ألمسْ يدًا،
بل لمستُ طريقًا
كان ضائعًا
وعادَ إلى نفسه.
قالوا:
إنها امرأة.
فابتسمتُ.
فالذين لا يعرفونَ لغةَ التراب
يسمّونَ المعجزةَ
بأسماءٍ صغيرة.
وحين كتبتُ اسمكِ ذاتَ ليل،
لم يخرجْ من الحبرِ حرفٌ…
خرجَ رملٌ قديم،
كأنَّ الورقةَ كانتْ تخبّئُ تحتَ بياضها
صحراءَ لم تجدْ بعدُ
من يناديها.
تساقطتْ من السطورِ
خطى العائدين،
وانبعثتْ من بين الكلمات
رائحةُ خبزٍ
نسيَتهُ البيوتُ
على عتبةِ الانتظار.
فتحتُ النافذةَ…
لا التي في الجدار،
بل التي كانتْ مطمورةً
في أعماقي.
فرأيتُ السنابلَ
ترفعُ رؤوسَها
كما لو أنها تتعرّفُ إلى وجهها الأول.
ورأيتُ الطرقاتِ
تخلعُ غبارَ الغياب،
والحجارةَ
تستعيدُ أسماءها
بعد أن بدّلتها الأقدامُ
بأسماءٍ لا تشبهها.
حتى المعابرُ…
تراجعتْ قليلًا،
وشعرتْ بالخجلِ
من أسئلتها القديمة.
فلا بابَ يستطيعُ
أن يحرسَ روحًا
اختارتْ أن تكونَ سماء.
عندها فهمتُ…
أنني لم أكنْ أكتبُ امرأةً.
كنتُ أبحثُ عن الشيءِ
الذي أخفتهُ النارُ
ولم تستطعْ الوصولَ إليه.
كنتُ أكتبُ أثرَ الحياة
حين تمرُّ من بين أصابعِ الموت.
كنتُ أكتبُ وجهًا
اختارَ أن يسكنَ الجسدَ
كي لا تنتبهَ العيونُ
إلى اتساعه.
وفي آخرِ الليل…
حين ظننتُ
أنني وصلتُ إليكِ،
اكتشفتُ
أنني كنتُ أمشي
نحو الجزءِ المفقودِ مني.
لم تكوني الطريق…
كنتِ الذاكرةَ
التي جعلتِ الطريقَ ممكنًا.
لم تكوني النار…
كنتِ السرَّ
الذي علّمَ النارَ
أن تُنجبَ لا أن تُفني.
وحين التفتُّ خلفي،
لم أجدْ آثارَ خطايَ.
وجدتُ سنبلةً
تحتفظُ بشكلِ قدمي،
ونافذةً
تفتحُها الريحُ
كلما مرَّ اسمُكِ.
وجدتُ الجدارَ
الذي خفتُ أن يبقى طويلًا…
قد تعلّمَ الطيران.
وعرفتُ عندها…
أنني لم أكتبْ امرأةً
خرجتْ من اللهب،
بل كتبتُ اللهبَ
حين حلمَ للمرةِ الأولى
أن يكونَ امرأة.
ومنذ ذلك الحين…
كلّما سألني الليلُ
عن جهةِ النجاة،
أشيرُ إلى الفراغ…
فثمّةَ شيءٌ لا يُرى
يمشي هناك،
يحملُ قلبَ الأرضِ بين يديه،
ويتركُ خلفهُ
أثرَ وردةٍ…
لا يعرفُ أحدٌ
هل نبتتْ من التراب،
أم سقطتْ من السماء.

اترك رد