منبر العراق الحر :
هل تسقط الحضارات بفعل الهجمات الخارجية فقط ، أم أن عوامل التفكك تبدأ من داخلها قبل أن تتجسّد في صورة انهيار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي و عسكري ؟ .
إنّ حضارة الأمم لا تموت فجأة ، ولا تنهار الأمم في لحظة عابرة من الزمن ، بل تمرّ بمسار طويل من التآكل الداخلي يسبق السقوط الظاهر .
التاريخ الإنساني ، منذ حضارات بلاد الرافدين ووادي النيل وصولاً إلى الإمبراطوريات الحديثة ، يكشف أن الانهيار ليس حدثاً طارئاً بل نتيجة تراكمات فكرية وأخلاقية واقتصادية وسياسية تنخر جسد الأمة تدريجياً .
لقد شغلت مسألة سقوط الحضارات كبار المفكرين ، من ابن خلدون إلى أرنولد توينبي وأوزفالد شبنغلر ، الذين رأوا أن الحضارات تحمل في داخلها بذور ازدهارها و بذور فنائها في آن واحد .
إنّ الحضارات تبدأ بالانهيار عندما تفقد منظومتها الأخلاقية قدرتها على توجيه السلوك الفردي والجماعي .
ومن أبرز هذه المظاهر :
انتشار الفساد .
غياب النزاهة .
تراجع الشعور بالمسؤولية العامة .
تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية .
تفكك الروابط الاجتماعية .
يرى ابن خلدون أن العصبية الجامعة هي أساس قيام الدول ، وعندما تتحول إلى أنانية وفئوية تبدأ مرحلة الشيخوخة الحضارية .
فإذا لم نكن ندري فحوى المشكلات التي تواجهنا ، فإننا نبدأ بالانزلاق في سلوكياتٍ غير مقبولة .
لذا إنّ الوعي والمعرفة هي الأساس في مواجهة هذه التحديات ، ويجب أن نعيد صياغة منظومتنا التعليمية والتربوية والأخلاقية ، ونعمل على تطوير خطاباتنا لتواكب التغييرات السريعة في مجال السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والثقافة والأخلاق .
حيث لا يمكننا ولا بأي شكلٍ من الأشكال التحكّم في المجتمع إلاّ من خلال العلم والوعي والمعرفة .
إنّ السلوكيات والعلاقات الجيدة تتطلّب أساساً قوياً من القيم والمعرفة ، وتسليح أنفسنا بالعلم والمعرفة والوعي هو المفتاح الأساسي لخروجنا من الأزمات .
كما لا يمكن لأي أمّة أن تستمر في الإبداع وهي تحارب حرية التفكير .
حيث تقوم هذه الأمّة ب :
قمع الرأي الآخر .
تهميش المثقفين والعلماء .
احتكار الحقيقة .
تحويل المواطن إلى تابع لا شريك .
فعندما يغيب النقد تتضخم الأخطاء ، وعندما يُصادر العقل تتوقف القدرة على التجديد .
بالرغم من مظاهر الحداثة في العالم العربي ، إلا أنها تخفي انحداراً وسقوطاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً مرعباً ومدوّياً ، لأن التقنيات التي يستخدمها المواطن العربي ، هي أداة وظيفية منفصلة تماماً عن عقل المستخدم ، لذلك هذا التفاعل لم يؤسس لتقدم حقيقي ولا إبداع ذاتي ، وتحول الوطن العربي إلى أقوام مستهلكة لإنتاج الآخر .
السؤال الكبير الذي ينبثق هنا والذي طالما نردده ، لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب ؟.
ما زال الفكر العربي الحديث غارق في مستنقع أزمته ، بالرغم من المحاولات الجادة البحثية والنقدية والتأصيلية التي قام بها بعض المفكرين العرب ، لعل أبرزهم من وجهة نظري ، المشروع التحديثي النقدي الذي قاده المفكر المغربي “ محمد عابد الجابري ”، الذي حاول إعادة الاعتبار والمكانة للعقل العربي بعد أن هيمنت عليه الأيديولوجيات في القرن العشرين .
إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي ، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم ، أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ، والمشاركة في الحكم والتعددية ، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي ، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم ، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية ، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية ، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة ، ( جميعها إضافة إلى عوامل أخرى ) أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي ، وشكلت سداً منيعاً أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية أو الخلفية .
كل حضارة عظيمة قامت على المعرفة .
وعندما يصبح التعليم تلقيناً لا تفكيراً ، حفظاً لا إبداعاً ، شهادات لا كفاءات ،
تبدأ الأمة بفقدان قدرتها على المنافسة .
إن تراجع البحث العلمي ليس مجرد مشكلة تعليمية ، بل مؤشر على تراجع القدرة الحضارية ذاتها .
لا يختلف اليوم اثنان حول حقيقة أن مستوى التعليم في بلادنا قد تدنّى بشكل خطيرٍ خلال العقود الماضية ، وفي جميع المستويات :
الأساسي والثانوي والجامعي .
فاليوم ليس نادرا أن يكتشف ولي الأمر أن ابنه الذي أكمل المستوى السادس لا يعرف ماذا يقرأ وماذا يكتب ! .
وكثيرا ما نسمع أن مستوى خريج الثانوية في خمسينيات القرن الماضي يفوق مستوى خريج الجامعة اليوم .
لذلك علينا التسليم بأن هناك خللاً كبيراً في التعليم في بلادنا . وهناك عوامل عدة لهذه الظاهرة ، منها ما يرتبط بتخفيض الميزانية ونقص التمويل المخصص للتعليم ، وهو أمر فرضه اقتصاد العولمة الذي يحد من الإنفاق على التعليم المجاني .
وقد أدى غياب تمويل التعليم إلى نفور الطلبة الجيدين من اختيار الالتحاق بكليات التربية و الالتحاق بسلك التدريس ، وكذلك بروز ضعف كبير في تأهيل المعلمين القادرين على استخدام طرق تدريس الحديثة في هذا العالم ، الذي شهد تطوراً كبيراً في المناهج ووسائل الاتصال الرقمية .
ومن المؤكد أن المناهج الدراسية لم تعد مناسبة أو غير محدّثة، ولا تلبي احتياجات الطلاب ، إضافة إلى ضعف في البنية التحتية ، ونقص في التجهيزات .
ومن ناحية أخرى فاقمت الأزمات والحروب التي شهدتها بلادنا ، الظروف المادية لمعظم الأسر التي لم تعد قادرة على توفير متطلبات التعليم المتعددة ، ملابس ، أجهزة ، مواصلات ، كتب .. الخ .
وكذلك المتابعة اللازمة لأولادها الذين أصبحوا ضحية إدمان الإنترنت وألعاب الفيديو ، والقنوات الفضائية . وقد أدى طغيان ثقافة الصورة إلى إبعاد الكبار والصغار عن الكتاب والقراءة والكتابة والمعرفة .
كما تعدّ ظاهرة تفشي الغش من العوامل التي ساعدت على تدني المستوى التعليمي في بلادنا ، وهي ظاهرة تحتاج إلى اعتماد سياسات جديدة في تقييم التلاميذ والطلبة . ربما يكون أفضلها اعتماد النتائج التراكمية للمستويين الأساسي والثانوي لدخول الجامعات ، واعتماد النتائج التراكمية فقط في الجامعة .
ومن أهم التحديات التي تواجه التعليم اليوم ، طغيان السطحية وثقافة القشور ، وهي ظاهرة تفاقمت بسبب ظهور الكثير من المؤسسات التعليمية الافتراضية التي تمنح شهادات علمية مختلفة بمقابل ، وجزء كبير منها لا يقدم للطالب غير رؤوس أقلام حول التخصص ، وفي الحقيقة أن كثيراً من الكليات والجامعات في بلادنا ، تمارس نهج التسطيح ، وتشجع المدرسين على اعتماد ملازم المناهج بأي طريقة وفي أسابيع محدودة.
في عصرنا الحديث لم تعد السيطرة تتم بالسلاح فقط ، بل بالتحكم بالعقول ، كما تظهر ملامح الإنحدار عبر :
نشر المعلومات المضللة .
صناعة الرأي العام وفق مصالح النخب ، ومراكز القرار .
تسطيح الثقافة .
تحويل المواطن إلى مستهلك للصور والشعارات .
وهنا تصبح الأمة ضائعة وعاجزة عن إدراك أزماتها الحقيقية .
أن التضليل والتزييف في الإعلام أصبح من أكثر المشكلات الضاغطة على المستوى الدولي والإقليمي ، وذلك بسبب تأثيراتها السلبية في نشر المعلومات الزائفة الهادفة إلى التلاعب في الرأي العام ، وتزييف الحقائق ، والمواقف خدمة لأجندات أصحابها ، ولما تحدثه من تأثيرات في الصراعات السياسية ، والاجتماعية ، وتشويه حقيقة الأمور ، ونشر الشائعات لسهولة صناعتها ونشرها ، بعد الثورة الهائلة في وسائل الاتصال الإلكتروني ، ومنصات التواصل الاجتماعي ، والذكاء الصناعي .
إنّ الإعلام يواجه اليوم أزمة “ مصداقية ” كبيرة في ظل فوضى النشر والموجات التي لا تنقطع من المعلومات المزيفة والملفقة والمحرّفة والمضللة ، التي باتت تشكل تهديداً هائلاً كونها تدمّر ما يشكّل حجر الأساس في المعرفة و العمل الإعلامي .
هذه الآفة المستشرية، على وقع الانحياز الخبيث والتشويه المتعمد للحقائق في منصات اعلامية كثيرة ، تترك آثاراً مدمرة في العلاقة بين الإعلام والجمهور ، فهي تؤدي الى تآكل الثقة والتشكيك الافتراضي بكل ما يُنشر ، بكل الانعكاسات السلبية .
تبدأ المشكلة من ازدواجية المعايير في التغطية الإخبارية، حيث يتم تناول ذات الأحداث وتوصيفها بشكل متناقض كلياً حسب هوية الفاعل . فما يُسمى “ مقاومة ” في حالةٍ معينة ، يصبح “ إرهاباً ” في حالة أخرى ، والعكس صحيح . والفصائل المسلحة تشبه جيشاً وطنياً، وفي مكان آخر يصبح الجيش فصيلاً أو جماعةً ، وفق توصيفات المنصات المُكبّلة بسياسات مصادر تمويلها .
بل إن الأمر غالباً يتجاوز ذلك ، إلى التلاعب باللغة ذاتها ، حيث تُستخدم كلمات ناعمة لوصف أعمال عنيفة عندما يقوم بها الحلفاء ، مثل “ أضرار جانبية ” و ” عملية عسكرية ” ، بينما تُستخدم كلمات قاسية لوصف أعمال أقل عنفاً عندما يقوم بها الخصوم ، مثل “ مذبحة ” و ”إرهاب ” . اللغة هنا تتحول إلى سلاح إعلامي يُشكّل وعي المتلقي ويوجّه مشاعره ويحدد مواقفه .
هذه الممارسات منتشرة بكثرة في المؤسسات الإعلامية والصحفية في منطقتنا ، وهي توضح بجلاء أن لها ميولاً سياسية وحزبية وقومية ومذهبية وطائفية . هذا الواقع هو نتيجة طبيعية لطبيعة الملكية والتمويل في القطاع الإعلامي ، فأغلب القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية تملكها أو تموّلها حكومات أو أحزاب أو رجال أعمال مرتبطون بالسلطة أو بالتبعية ، مما يجعل استقلاليتها محدودة للغاية أو مفقودة ، خاصة إن أحزاب السلطة تلك تستطيع التهرب من قواعد التغطية المهنية والأسس الاخلاقية طالما هي من تضع قواعد المساءلة .
لذلك نرى أن هناك مؤسسات إعلامية تصرخ بأعلى صوتها منددة بالمخالفات والفساد والانتهاكات التي ترتكبها الجهات المعارضة لأصحاب تلك المؤسسات أو للجهة السياسية التي تديرها ، بينما تتحدث بحياءٍ شديد أو تصمت تماماً عن الأفعال ذاتها عندما يكون مرتكبوها من دائرة المقربين .
و عندما تتراجع الهوية الوطنية الجامعة ، تتقدم الهويات الفرعية .
ومن أبرز هذه المؤشرات:
التعصب الديني أو الطائفي .
الانقسام العرقي .
الصراعات المناطقية .
انتشار خطاب الكراهية .
وبكلِ تأكيد حين يصبح الانتماء للجماعة الصغيرة أقوى من الإنتماء للوطن وللأرض ، تدخل الأمة مرحلة التفكك لا محالة .
ففي مجتمعٍ مُثْقلٍ بسنواتٍ من الحروب والصراعات السياسيَّة، لا تنشأ الانقسامات دائماً من العنف المباشر ، بل كثيراً ما تبدأ من الكلمة ، فالخطاب الطائفيُّ بات يُعيد اليوم إنتاج هذه الانقسامات ويُهدِّد رأس المال الاجتماعيّ من خلال تآكل الثقة بين الأفراد وبالمؤسَّسات .
يقصد بانهيار الدولة تعطل أجهزتها وتفككها وضعف سلطتها وعجزها على القيام بمهامها تجاه مواطنيها ، ويكون الانهيار إمّا جزئياً مثل فقدان السيطرة على إقليم من الأقاليم أو انهياراً كلياً مع عجز أحد الأطراف المتصارعة على فرض سلطته كما هو الحال فى بعض الدول العربية . وأرى أنه من نتائج الصراعات الإثنية والطائفية ذوبان الهوية الوطنية والرباط الاجتماعي ، مما ينتج عنه محاولة تدويل القضايا الداخلية ، وهو ما يستغله المتربصون ، ممّا يترتب عليه إشعال نار القطيعة والفتنة ، واستدعاء البعد الديني والاعتبارات الدينية ، ممّا ينتج عنه تمزق الدولة فى الداخل وقد يؤدى إلى حروب أهلية .
يُعزز البناء الطائفي للدولة من تدخل المراكز الإقليمية مثل : إيران ، تركيا ، إسرائيل ، وبعض الدول العربية ، في الشؤون الداخلية لهذه الدولة ، وباتت دبلوماسية تلك الدول وأجهزتها المخابراتية تتدخل في الحياة السياسية أيضاً من خلال امتداداتها داخل الكتل السياسية المتنفّذة في الدولة . وهذا يؤدّي إلى بروز العامل الطائفي وتحكّمه في بناء الدولة ، وهذا يؤدّي بالتالي إلى سيادة الفكر الطائفي وما ينتج عنه من تراجع الفكر السياسي القومي والوطني الديمقراطي .
كما أنّ الأمم لا تنهار بسبب الفقر وحده، بل بسبب الظلم الاقتصادي أيضاً ، وتشمل مظاهره :
احتكار الثروة .
ضعف العدالة الاجتماعية .
تفشي البطالة .
استغلال النفوذ .
تركز الموارد في يد أقلّية محدودة .
حينها يفقد المواطن الإحساس بالعدالة ، و تتآكل شرعية المؤسسات .
إنّ ضعف التوجيه والتربية وعدم ترشيد وسائل الإعلام ، في مجالات التوجيه والإرشاد والتربية على الوجه المطلوب ، ساهمت في هدم القيم والمبادئ .
كما أنّ البطالة، وعدم تنظيم سوق العمل ، وقلة الأمانة والإخلاص ، وعدم إعطاء العامل أو الموظّف أجره بما يكافئ الجهد ، والاختلاس والتزوير ، و إنتشار الكذب والخيانة بين الناس ، والحرص على المصالح ، و ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب ، وما يشكله ذلك من ضغط على الدخل والأجور وسلوك الأفراد في المجتمع .
إنّ التفاوت الكبير في الأجور بين كبار الموظفين والعامة منهم ، في الدولة والمؤسسات المختلفة ، يُشكّلُ الحنق والغضب لدى البسطاء .
سياسة الخصخصة وتحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يرافق تلك العملية من مجاملات ومحاولات للحصول على أكبر قدر من المكاسب .
كما أنّ ضعف السلطتين القضائية والتشريعية وخضوعها للسلطة التنفيذية ،
و ضعف الحريات ، بل فقدانها ، وتطبيق نظم وقوانين لا تتواءم وحاجات المجتمع ، وتشبث الطبقة التي تحكم بالسلطة ، و انتشار الفساد بشكل أفقي في المؤسسات العامة والخاصة ، و استخدام المال السياسي في العمليات الانتخابية ، و قوة تلاحم وتكاتف الفاسدين والمفسدين ، ودقة التنظيم لديهم واتساع نطاقهم في المؤسسات كافة و ضعف المجتمع المدني وتهميش دور مؤسساته في التصدي ومواجهة الفساد ، حينها تبدأ الأوطان والأمم بالانهيار .
إنّ الأمم الحية تمتلك رؤية للمستقبل ، كما تملك مشروعها الحضاري ، أما الأمم المتراجعة فتعيش على أمجاد الماضي ، وتفتقد مشروعها الحضاري من خلال :
الاجترار المستمر للتاريخ ، والعودة إلى التراث .
العجز عن إنتاج أفكار جديدة .
غياب التخطيط الاستراتيجي .
الاكتفاء بردود الأفعال .
إنّ أي حضارة عندما تتوقف عن فكرها وعن حلمها ، تبدأ بالسقوط .
بعض المجتمعات تنقطع عن تراثها فتفقد جذورها، وأخرى تنغلق عليه فتعجز عن الانفتاح على العصر . كلا الموقفين يعيق القدرة على بناء مشروع حضاري متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة .
إنّ الاستبداد السياسي يشكل أكبر معوّق للنهضة . فحين تُصادر الحريات ، يُقمع الإبداع ، وتُجهض المبادرات ، تفقد المجتمعات القدرة على التقدم .
كما أنّ انتشار الفساد يُهدر الموارد ، ويزرع اليأس في النفوس ، ويحول دون توجيه الإمكانيات إلى مشاريع نهضوية حقيقية .
كثير من الدول ترتهن قراراتها السياسية والاقتصادية لإرادة قوى أجنبية، مما يجعلها عاجزة عن رسم مسار نهضوي مستقل، من خلال التبعية التي تمكّنت منها .
و المؤسسات السياسية الهشّة غير القادرة على صنع القرار أو مراقبة تنفيذه تترك فراغاً يعرقل النهوض ، ويتيح المجال لانتشار الفوضى والمحسوبيات ، بشكلٍ حتمي .
إنّ اعتماد الاقتصادات على استيراد السلع الأساسية والمنتجات التقنية يجعلها عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي، ويضعف قدرتها على النمو الذاتي.
الكفاءات العلمية التي تهاجر بسبب غياب البيئة الداعمة، تحرم الأوطان من أهم مواردها ” الإنسان المبدع ” .
الطائفية، القبلية، أو العرقية كلّها تمزّق المجتمعات، وتعيق تكوين هوية وطنية جامعة ، وغياب ثقافة المبادرة والتطوع يقلّل من طاقة المجتمع في دعم المشاريع النهضوية .
إنّ التفاعل مع الثقافات الأخرى ضرورة حضارية، لكن التقليد الأعمى يؤدي إلى فقدان الهوية أيضاً .
ويظهر ذلك من خلال:
احتقار الذات الحضارية .
استيراد النماذج دون نقد .
ضعف الإنتاج الثقافي المحلي .
الاغتراب الفكري .
فتتحول الأمة من منتجة للمعرفة إلى مجرد مستهلكة لها .
غير أنَّ آخرين يعتبرون أنَّ التحرُّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يبدأ من بوّابة التحرُّر الاقتصاديّ بالدَّرجة الأولى ، لأنَّها توفِّر الأسس الماديَّة لبناء منظومة ثقافيّة قادرة على حماية الموروث الثَّقافيّ وإنتاج حالة ثقافيّة واجتماعيّة متطوّرة ، وتطوير مؤسَّسات بحثيَّة وإبداعيَّة قادرة على مواجهة الغزو الثَّقافيّ الذي تتعرَّض له بلادنا .
إنَّ بناء الاقتصاد المتين الإنتاجيّ ، يَمُرُّ عبر إطلاق الحُرّيّات السِّياسيّة وفتح الطريق أمام تطوير النُّظم وقواعد الإنتاج ، دون التقوقع ضمن بنى اقتصاديّة قديمة ومتهالكة، وهذا يفترض الوصول إلى حالةسياسيّة ديمقراطيَّة ، تتجاوز السناريوهات المرسومة ، والتي تَحُدُّ قُدرة الفرد على الإبداع والتَّطوير ، ما تشكِّلُ سدّاً منيعاً أمام أيّ غزو ثقافيّ لبلادنا .
وللتحرّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يتطلّب أوَّلاً بناء حضارة علميّة من خلال :
“ صناعة وصياغة الذهنيَّة العلميَّة المعرفيَّة ، ونشر حيثياتها في قطّاعات المجتمع كافَّة ، ليصير العلم والمعرفة من سمات المجتمع ومن أوصافه ، ومن مواصفات الفئات المجتمعيّة ، وإن كانت بدرجات متفاوتة ” .
إنَّ قضيَّة التَّبعيَّة الثَّقافيّة غدت في عصرنا الحديث ، قضيَّة متشعّبة ومعقَّدة تواجهها شعوب منطقة الشَّرق الأوسط، في ظِلِّ سيادة ثقافة الهيمنة الثَّقافيّة عبر الأثير ، وغدا من الصعوبة بمكان إبداء أيّ نوع من المقاومة
الثَّقافيّة بالأدوات والأساليب السّابقة ، بل يجب على الشُّعوب التي أصبحت ترزح تحت تأثير الكمِّ الهائل من المعلومات والثَّقافات المتناقلة بسرعات خياليّة ، أن تطوِّرَ خياراتها وطرائق دفاعها عن هُويّاتها الثَّقافيّة ، ولا تَركُن إلى الأساليب البدائيَّة ، وتنبري لمحاربة كُلّ أنواع الغزو الثَّقافيّ ، عبر تطوير بنى ومؤسَّسات ثقافيّة إبداعيَّة ، قادرة على خلق بدائل متطوّرة ، غير مستَلَبة الإرادة ، أو خاضعة لسلطات الرَّقيب والحسيب ، عليها بالدَّرجة الأولى الانطلاق من المحلّيّ نحو العالميّ ، بأن تُحرِّرَ نفسها من القيود التي تُكبّلها ، وترسم سياقات إستراتيجيَّة لها ، تُشكِّلُ في النِّهاية قوَّةً ثقافيّة لها حضورها في السّاحة الثَّقافيّة العالميّة أيضاً .
رغم أهمية العوامل الخارجية ، إلا أن التاريخ يبين أن القوى الخارجية تنجح غالباً عندما تجد أمةً منهكة من الداخل .
لذلك فإن:
الاحتلال،
العقوبات،
الحروب،
الضغوط الاقتصادية،
تكون في كثير من الأحيان عوامل مُسرّعة للانهيار لا أسباباً أصليّة له .
الحضارات لا تُهزم أولاً في ميادين القتال ، بل تُهزم في ميادين الفكر والقيم والمعرفة . فالسقوط العسكري غالباً ما يكون الإعلان الرسمي عن انهيار بدأ قبل ذلك بسنوات أو عقود داخل العقل الجمعي للأمة .
إن أخطر ما يواجه أي حضارة ليس العدو الخارجي ، بل فقدانها القدرة على نقد ذاتها وتجديد نفسها . فالحضارة التي تتوقف عن إنتاج المعنى ، وتستبدل الحقيقة بالدعاية ، والمعرفة بالتلقين ، والمواطنة بالعصبية ، تكون قد بدأت بالفعل رحلة الأفول .
يمكن القول إن هدم الحضارات لا يحدث بفعل عامل واحد ، بل نتيجة تفاعل شبكة معقدة من الأزمات الأخلاقية والسياسية والثقافية والاقتصادية . فالفساد يضعف الدولة ، والاستبداد يقتل الإبداع ، والجهل يعيق التقدم ، والانقسام يمزق المجتمع ، والتبعية تسلب الإرادة .
والدرس الأكبر الذي يقدمه التاريخ هو أن الحضارات لا تسقط عندما تفتقر إلى الموارد ، بل عندما تفقد القدرة على تجديد ذاتها .
لذلك فإن حماية أي أمة لا تبدأ من تحصين الحدود فقط، بل من بناء الإنسان الحر والواعي ، القادر على التفكير والنقد والإبداع ، لأن الحضارة في جوهرها ليست حجارةً ومؤسسات ، بل وعيٌ حيّ يمتلك القدرة على الاستمرار والتجدد .
لا تقوم الأمم على الاقتصاد والسياسة وحدهما ، بل تقوم أيضاً على منظومة من الرموز والقدوات والشخصيات المؤسسة ، التي تمنح المجتمع شعوراً بالاستمرارية والانتماء . فالعلماء والمفكرون والمصلحون والقادة التاريخيين يشكلون جزءاً من الوعي الجمعي للأمة ، ومن خلالها تتحدد معايير النجاح والقيم العليا التي يسعى الناس إلى الاقتداء بها .
وعندما تبدأ عملية منهجية أو عفوية لتشويه الرموز والطعن في المنجزات التاريخية وإفراغ الشخصيات الوطنية أو الحضارية من قيمتها المعنوية ، تنشأ حالة من الفراغ الرمزي ، ويؤدي هذا الفراغ إلى فقدان الأجيال الجديدة لنماذج الإلهام والاقتداء ، فتضعف الثقة بالذات الحضارية، ويتراجع الشعور بالانتماء .
غير أن المسألة تحتاج إلى قدر من التوازن الفكري ، فالنقد العلمي للرموز ليس هدماً للحضارة ، بل قد يكون ضرورة لتصحيح الرواية التاريخية . أما الخطر الحقيقي يكمن في الانتقال من النقد الموضوعي إلى التشويه المتعمد ، ومن المراجعة العلمية إلى السخرية والازدراء ، ومن دراسة الأخطاء إلى نفي كل إنجاز أو قيم .
لقد أدرك العديد من المفكرين أن الأمم التي تفقد احترامها لعلمائها ومبدعيها وتاريخها تتحول تدريجياً إلى مجتمعات بلا مرجعيات أخلاقية أو ثقافية. وعندما يغيب النموذج الملهم ، تبرز نماذج بديلة قد تكون قائمة على الشهرة العابرة أو القوة أو المال وحدها ، فتختلّ منظومة القيم الاجتماعية من خلال :
التقليل من شأن العلماء والمفكرين والمبدعين .
تشويه الشخصيات التاريخية دون منهجية علمية .
إقصاء الرموز الوطنية والثقافية من الوعي العام .
تقديم نماذج سطحية بوصفها قدوات للأجيال .
القطيعة مع التراث الفكري والحضاري للأمة .
نشر ثقافة السخرية من كل ما هو تاريخي أو وطني أو معرفي .
إن الأمة التي تفقد القدوة والروّاد لا تفقد أفراداً فقط ، بل تفقد جزءاً من بوصلتها الأخلاقية والثقافية . فالرموز ليست أشخاصاً فحسب ، وإنما هي تجسيد للقيم التي قامت عليها الحضارة .
ليست قوة الأمم فيما تمتلكه من ثروات فحسب ، بل فيما تحتفظ به من معانٍ و رموز ، فحين يُهدم الرمز تُصاب الذاكرة الجماعية بالتصدع ، وحين تُمحى القدوة يضيع المعيار الذي يقيس به المجتمع فضائله وإنجازاته .
لذلك فإن أخطر أشكال الهدم الحضاري ليس تدمير الأبنية أو المؤسسات ، بل تدمير الثقة بالذات التاريخية للأمة حتى تنظر إلى ماضيها بازدراء ، وحاضرها بعجز ، ومستقبلها بيأس .
في العصر الرقمي ، أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية قادرة على صناعة القدوة أو إسقاطها في وقت قصير ، مما يفتح باباً فلسفياً واسعاً حول العلاقة بين السلطة والذاكرة والهوية الحضارية .
لم تعرف الحضارات المزدهرة مكانة أعلى من مكانة المعلم ، فهو الواسطة التي تنتقل عبرها المعرفة والقيم والخبرة من جيل إلى آخر . ولذلك كان احترام المعلم في مختلف الحضارات مؤشراً على احترام العلم نفسه .
غير أن من علامات التراجع الحضاري انحدار المكانة المعنوية للمعلم ، وتحوله من شخصية مرجعية تحظى بالتقدير إلى موظف هامشي أو مادة للسخرية والاستهزاء . وعندما يفقد المعلم هيبته الاجتماعية ، يفقد التعليم جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير والتربية .
إن الأمة التي تضع نجوم الترفيه أو أصحاب الشهرة العابرة في قمة السلم الاجتماعي ، بينما تهمّش المعلم والباحث والمفكر ، ترسل رسالة ضمنية إلى الأجيال مفادها أن المعرفة لم تعد قيمة عليا في المجتمع ، وهذا يظهر حينما نتابع ونرى :
ضعف التقدير الاجتماعي للمعلمين .
تراجع المكانة الاقتصادية للمهنة التعليمية .
تصوير المعلم في بعض الخطابات الإعلامية بصورة سلبية أو ساخرة .
تحميل المعلم وحده مسؤولية أزمات التعليم .
تراجع هيبة المدرسة كمؤسسة تربوية .
عزوف الكفاءات المتميزة عن مهنة التعليم .
والأخطر من ذلك أن احتقار المعلم لا ينعكس على شخصه فقط ، بل يمتد أثره إلى الطلاب أنفسهم . فالطالب الذي يرى معلمه موضع استهزاء سيفقد تدريجياً احترام المعرفة والانضباط والتعلّم الجاد .
لقد ارتبطت النهضات الكبرى تاريخياً بتعظيم دور المعلم ، في عصور الازدهار كانت مكانة العلماء والمعلمين تقترب من مكانة القادة وصناع القرار ، لأن الجميع كان يدرك أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة .
إن الحضارات لا تُبنى في القصور ولا في الثكنات العسكرية وحدها، بل تُبنى أولاً في الصفوف الدراسية . والمعلم ليس ناقلاً للمعلومات فحسب ، بل هو مهندس الوعي وصانع المستقبل . لذلك فإن الأمة التي تهين معلّمها إنما تضعف أحد أهم أسس بقائها وتجدّدها .
فإذا كان هدم الجسور يقطع الطرق بين المدن ، فإن هدم مكانة المعلم يقطع الطريق بين الأجيال والمعرفة ، ولهذا يمكن اعتبار تهميش المعلم أحد المؤشرات المبكرة على دخول المجتمع في أزمة ثقافية وحضارية عميقة ، لأن احترام المعلم ليس مجرد فضيلة أخلاقية ، بل شرط من شروط استمرار الحضارة نفسها .
فالأمم التي تكرّم معلميها تستثمر في مستقبلها، أما الأمم التي تسمح بازدرائهم فإنها تُضعف ، من حيث تدري أو لا تدري ، الركيزة التي تقوم عليها نهضتها القادمة .
إن الحضارات لا تُهدم أولاً من الخارج ، بل تبدأ عملية الهدم عندما تفقد الأمة احترام العلم ، وتستخف بالمعلم، وتشوه قدواتها ، وتستبدل المعرفة بالدعاية ، والنقد بالبغضاء ، والانتماء بالانقسام . وعندها يصبح السقوط الخارجي مجرد النتيجة الأخيرة لمسار طويل من التآكل الداخلي .
حيث أن هدم حضارة أي أمّة يبدأ من الإنسان وينتهي بالدولة و بالحضارة .
إن أخطر أشكال هدم الأمم ليس تدمير المدن ولا إسقاط الحكومات ، بل تدمير الإنسان في وعيه وقيمه وثقته بذاته .
فحين يُهان المعلم ، ويُغيَّب المفكر ، ويُشوَّه الرمز ، ويُحتقر العلم ، وتُزرع الفرقة بين أبناء المجتمع ، تكون معاول الهدم قد بدأت عملها بالفعل .
أمّا الحضارة الحية فهي التي تحمي ذاكرتها ، وتصون قدواتها، وتكرّم علمائها ، و تمنح الأجيال أسباب الإيمان بالمستقبل .
فالأمم لا تعيش بما تملك من ثروات فقط، بل بما تملك من وعيٍ وقدرةٍ دائمة على التجدد والنهوض .
في السبت، 25 يوليو 2026 في 2:18 م تمت كتابة ما يلي بواسطة As Asfari <asasfari@gmail.com>:
المثالية والواقعية بين أرسطو و أفلاطون
صراع الفكرة والواقع في تشكيل الفكر الإنساني .
د . أنور ساطع أصفري .
منذ أن بدأ الإنسان يرفع رأسه نحو السماء متسائلاً عن الحقيقة، نشأ الصراع الأبدي بين ما يجب أن يكون ، و ما هو كائن فعلاً .
ذلك الصراع لم يكن مجرّد اختلاف فكري عابر ، بل كان معركة فلسفية عميقة بين المثال والواقع ، بين الحلم والعالم الملموس ، بين الروح التي تبحث عن الكمال ، والعقل الذي يفتّش داخل المادة والتجربة والخبرة .
في قلب هذا الصراع وقف عملاقان من عمالقة الفكر الإنساني ” أرسطو وأفلاطون ” أحدهما رأى أن الحقيقة الكبرى تسكن في عالمٍ علويّ متعالٍ عن الحواس ، عالمٍ خالد من المُثُل المطلقة ، وأن الواقع الذي نعيشه ليس سوى ظلّ ناقص لتلك الحقيقة الكاملة .
أمّا الثاني ، فقد أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض ، واعتبر أن الحقيقة تُكتشف داخل العالم المحسوس ، وأن المعرفة لا تُبنى على التأمل المجرد وحده ، بل على الملاحظة والتجربة والعقل العملي .
ومن هنا، لم يكن الخلاف بينهما مجرد خلافٍ فلسفي، بل كان انقساماً جذرياً في رؤية الإنسان للعالم ولذاته ومصيره .
هل يعيش الإنسان من أجل المثال ؟ .
أم من أجل الواقع ؟ .
هل تُبنى الحضارات بالأحلام الكبرى أم بالمعرفة العملية ؟ .
وهل يمكن للإنسان أن يحقّق التوازن بين المثال الأخلاقي والواقع السياسي والاجتماعي ؟.
في القرن السادس قبل الميلاد ، تأسّست أو نشأت الفلسفة اليونانية ، وتناولت مجموعة واسعة من المواضيع بشكلٍ مُجمل ، بما في ذلك الأخلاق والسياسة ، والميتافيزيقيا والمنطق ، وعلم الوجود وعلم الأحياء ، والبلاغة وعلم الجمال .
ومرّت الفلسفة اليونانية بثلاثةِ مراحل هي :
مرحلة النشوء : ما قبل سقراط ، وتمتاز باتحادٍ وثيق بين العلم الطبيعي والفلسفة .
مرحلة النضوج : مرحلة أفلاطون وأرسطو ، حيث اشتغل أفلاطون بالمسائل الفلسفية ، ومزج الحقيقة بالخيال ، والبرهان بالقصّة ، وعندما جاء أرسطو ، عالج الأمور بالعقل الصرف ، وأعطاها وضعها النهائي .
مرحلة الذبول : حيثُ تمّ في هذه المرحلة تجديد المذاهب القديمة ، والعودة إلى الأخلاق والتأثّر بالشرق ، والميل إلى التصوّف والاهتمام بالعلوم الواقعية .
لقد تجاوز تأثير هذين الفيلسوفين حدود اليونان القديمة ، ليشكّل أساس الفكر الغربي والعالمي في السياسة والأخلاق والفن والعلم والدين . فما تزال الإنسانية حتى اليوم تتأرجح بين المثالية التي تبحث عن العدالة المطلقة ، والواقعية التي تفرض قوانين القوة والمصلحة والتجربة .
ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث، بوصفه محاولة فلسفية لتحليل العلاقة الجدلية بين المثالية والواقعية، عبر دراسة فلسفة أرسطو و أفلاطون ، والكشف عن أثرهما العميق في تشكيل الوعي الإنساني قديماً وحديثاً .
ظهرت الفلسفة اليونانية في مرحلة شهدت تحولات سياسية وثقافية كبيرة داخل المدن اليونانية ، وخاصة في أثينا . فبعد أن كان الإنسان يفسّر العالم عبر الأساطير والآلهة ، بدأ العقل اليوناني يبحث عن تفسير منطقي للوجود والطبيعة والإنسان .
وقد ساعدت الحياة الديمقراطية النسبية، والانفتاح التجاري والثقافي ، على نشوء بيئة فكرية سمحت بظهور الفلاسفة والمفكرين . وهنا بدأت الفلسفة تنتقل من مرحلة الأسطورة إلى مرحلة العقل ، ومن التفسير الغيبي إلى البحث المنهجي .
وفي هذا المناخ ظهر أفلاطون متأثراً بأستاذه سقراط ، ثم جاء تلميذه أرسطو ليؤسس لاحقاً اتجاهاً مختلفاً وأكثر التصاقاً بالعالم الواقعي .
الباحث الذي يُتابع آراء أفلاطون ، يستطيع أن يتبيّن بأنها تحمل في كوامنها جملة من الأفكار النقدية التي تبحث عن الحقيقة ، وأكّد أفلاطون أن الشعر هو رسالة أخلاقية ، وعلى الشاعر أن يلتزم بذلك ، وإلاّ أصبح فاسداً .
أفلاطون هو أهم تلامذة سقراط ، وتعلّم على يديه الكثير من الممارسات الفلسفية ، حيثُ أوجد فلسفة واسعة الملامح ، وجاءت أغلب فلسفته على شكلِ محاورات قدّم فيها منهجه الفلسفي الذي حاول الابتعاد عن الأسلوب المباشر لأُستاذه سقراط .
حيث سعى أفلاطون من خلال نظرياته الفلسفية في الأفكار ” نظرية المثل ” ، إلى إيجاد المأوى الحقيقي للروح ، فالحقيقة عنده هي الأفكار ، وإنّها المثل الأبدية الثابتة والقائمة في أساس الظواهر الطبيعية ، حيث توصّل أفلاطون إلى أن الطبيعة الإنسانية تتكوّن من العقل ” الروح ” ، والمادة ” الجسم ” ، والعقل عند أفلاطون بمعنى الروح ، والروح في نظره هي خالدة غير ماديّة ، أمّا الجسم الإنساني فإنّه يُولد وينمو ومن ثُمّ يذبل . ومن أهم القضايا التي عني بها الفكر المثالي فهي العقل والقيم ، المجتمع والخير والشر ، والحقيقة والمعرفة والعالم .
اعتقد أفلاطون أن العالم الحسي الذي نراه ليس الحقيقة الكاملة، بل مجرد انعكاس ناقص لعالم أعلى سماه “عالم المُثُل” .
ترتكز فلسفته على وجود حقائق مطلقة وثابتة وخالدة ، مثل الخير والجمال والعدالة ، وهذه الحقائق لا توجد في الواقع المادي ، بل في عالمٍ عقليّ متعالٍ .
الحقيقة عند أفلاطون → عالم المُثُل لا العالم الحسي .
وبحسب أفلاطون ، فإن الإنسان لا يدرك الحقيقة عبر الحواس ، لأن الحواس خادعة ومتغيرة ، بل يدركها بالعقل والتأمل الفلسفي .
في كتاب المدينة الفاضلة قدّم تصوراً لمدينة مثالية يحكمها الفلاسفة ، لأنهم وحدهم القادرون على معرفة الخير المطلق .
وقد قسّم المجتمع إلى :
طبقة الحكّام الفلاسفة .
طبقة الجنود .
طبقة العمّال والحرفيين .
ورأى أن العدالة تتحقق عندما يؤدي كل فرد وظيفته دون تعدٍ على وظائف الآخرين .
كان أفلاطون ينظر إلى الفن بشيء من الحذر ، لأنه يعتبره “ تقليداً للتقليد” ، أي ابتعاداً إضافياً عن الحقيقة . كما ربط الأخلاق بفكرة الخير المطلق ، معتبراً أن الفضيلة الحقيقية تنبع من معرفة الخير .
رؤية أرسطو الواقعية لم تكن بعيدة عن أخلاق و واقع المجتمع اليوناني بكافة تقاليده واعتقاداته ، وبنفس الوقت لم تغفل الواقع الحياتي والمعيشي والخارجي ، فكانت الواقعية الأخلاقية عند أرسطو تبحث في الفضائل الأخلاقية وفق رؤيةٍ واقعية .
إنّ الفضيلة عند أرسطو بمعناها الحقيقي هي الاستعداد التام والتنفيذ الكامل لعملٍ ما ، وهي الكيفية الأخلاقية التي تُحوّل الإنسان ليكون رجلاً خيّراً حين يؤدّي عمله الخاص على أكمل وجه .
والفضيلة عند أرسطو هي ” عقلي ” يكون بالطبع ، وينتج وينمو بالتعليم ، ويحتاج بالتالي إلى التجربة والزمان . و ” أخلاقي ” ، مكتسب ، ينتج ويتولد من العادات والشيم . أمّا الفضيلة الأخلاقية فهي حالة توازن طبيعي عقلاني وسطي بين الإفراط والتفريط
جاء أرسطو ليعترض على كثير من أفكار أستاذه، ويرى أن الحقيقة لا توجد خارج العالم ، بل داخله .
رفض أرسطو الفصل بين الفكرة والشيء ، واعتبر أن الأشياء الواقعية تحمل جوهرها في ذاتها ، ولا تحتاج إلى عالم منفصل لتفسيرها .
وأعطى أهمية كبرى للحواس والتجربة والملاحظة .
المعرفة عند أرسطو = ملاحظة + تجربة + عقل .
ولهذا يُعدّ أرسطو من أوائل المؤسسين للمنهج العلمي القائم على التصنيف والتحليل والاستنتاج .
أسّس أرسطو علم المنطق الصوري، ووضع قواعد الاستدلال العقلي التي أثرت في الفكر الإنساني لقرون طويلة .
كما كتب في:
السياسة .
الأخلاق .
الطبيعة .
الشعر .
علم الحيوان .
وكان يرى أن الفضيلة تقوم على “ الوسط الذهبي ”، أي التوازن بين الإفراط والتفريط .
أفلاطون وأرسطو كلاهما من أشهر فلاسفة اليونان القديمة ، ولقد تشكّلت الآراء والأفكار عندهما متأثّرة بالفلسفةِ الغربية ، ومع أنهما كانا من تلامذة ” سقراط ” ،إلاّ أن الفلسفة عندهما تختلف في جوانب عديدة ، حيث دعا أفلاطون إلى وجود عالمٍ من الألإكار الكاملة والأبدية ، بينما أكّد أرسطو معتقداً أنّ المعرفة تأتي من الملاحظة والتجربة الحسّية .
وبنفس الوقت تُبرز نظرياتهما في الأخلاق والسياسة ، ونظرية المعرفة والميتافيزيقيا اختلافات جوهرية فيما بينهما ، ممّا يجعلهما من الشخصيات الأساسية في دراسة الفلسفة وإدراكها .
يكمن أحد أهم الإختلافات بين أفلاطون وأرسطو في نظرتهما للواقع ، حيث اعتقد أفلاطون أنّ العالم المادي ليس سوى ظل ناقص لعالم الأفكار ، الذي هو الواقع الحقيقي .
أمّا أرسطو فقد أعتقد أن الواقع يكمن في العالم المادي ، وأن الأفكار المُجردة ليست سوى مفاهيم مُستمدّة من التجربة الحسّية .
وهنا فرق جوهري وأساسي آخر بينهما ، يتعلق بالأخلاق ، حيث دعا أفلاطون إلى فكرة أن الفضيلة هي معرفة الخير ، وأن الناس يتصرفون بشكلٍ صحيح عندما يدركون الصواب . أمّا أرسطو فقد آمن بأن الفضيلة تكتسب بالعادة والممارسة ، وعلى الناس السعي لتحقيق التوازن في كل شيء .
كما أن أفلاطون آمن بوجود روح خالدة موجودة قبل الحياة الأرضية وبعدها ، بينما رأى أرسطو أن الروح لا تنفصل عن الجسد والموت .
إن أفلاطون يرى أن العالم المحسوس ليس سوى نسخة ناقصة وزائلة من عالم الأفكار ، وهو العالم الحقيقي والواقعي والكامل .
أمّا أرسطو فقد رأى أن الأفكار لا توجد منفصلة عن الأشياء الملموسة ، بل هي الجوهر نفسه .
في المعرفة :
أفلاطون : المعرفة عقلية وتأملية .
أرسطو : المعرفة حسية وتجريبية .
في الوجود :
أفلاطون : الحقيقة في عالم المُثُل .
أرسطو : الحقيقة في العالم الواقعي .
في السياسة :
أفلاطون : الدولة المثالية يحكمها الفلاسفة .
أرسطو : الدولة الواقعية تقوم على دراسة المجتمع كما هو .
في الفن :
أفلاطون : الفن قد يضلّل الإنسان.
أرسطو : الفن وسيلة للتطهير والتعبير الإنساني .
لقد ركّزت الفلسفة المثالية على عنصر الروح ، وأغفلت عنصر الجسم ، فأدّى ذلك إلى إهماله واحتقاره ، بينما ركّزت الفلسفة الواقعية على جانب الجسم وأهملت جانب الروح ، حيث ذهبت الفلسفة المثالية إلى أن النفس الإنسانية عبارة عن أنفس متعددة ، في الوقت الذي اتفقت فيه الفلسفة الواقعية في أن النفس الإنسانية واحدة وليست أنفساً متعددة .
لقد ضيّقت الفلسفة المثالية فرصة الإنسان في الرقي والتطور ، ورأت أن كل إنسان له طبقة معينة لا يمكنه أن يخرج منها وعنها طوال عمره ، في الوقت الذي ترى فيه الفلسفة الواقعية أن النفس الإنسانية قابلة للتنمية والتطوير في جميع مراحل العمر ، وتؤمن بأن التطوير ليس حكراً على طبقة دون أخرى ، كما رأت الفلسفة المثالية .
لقد شكّلت العلاقة بين القيم والمصالح محوراً واضحاً لصراع فكري متشعب ومستمر بين مدرستين اساسيتين في الفكر الإنساني ، ” المثالية والواقعية ” .
فبينما تنطلق المدرسة المثالية من أولوية القيم الأخلاقية في توجيه السلوك الإنساني ، ترى المدرسة الواقعية أن المصلحة هي البوصلة الحقيقية والوحيدة التي يمكن أن تبرّر الأفعال ، بصرف النظر عن الاعتبارات الأخلاقية .
ففي الوقت الذي تستند فيه المدرسة المثالية إلى رؤية مفادها أن الإنسان كان أخلاقي بطبعه ، يسعى نحو العدالة والسلام والحق والحرية ، ممّا يجعل هذه القيم ليست مجرد شعاراتٍ وحسب ، بل معايير تحكم سلوك الأفراد والدول .
في المقابل تقوم المدرسة الواقعية على تصوّر مختلف للطبيعة البشرية ، إذ تنظر أن الإنسان بوصفه كائناً جامحاً مدفوعاً بغريزة البقاء والقوة والسيطرة ، وتحقيق المصالح الذاتية ، وهو يظهر تقديره للقيم ويتخذها شعاراً عندما تقدم تبريراً مناسباً لتحقيق مصالحه ، وعند التقاطع بين قيمه ومصالحه تكون الأولوية للمصالح على حساب القيم .
ولكن يجب على الإنسان تحقيق التوازن بين المسار الأخلاقي للقيم والحكمة للمصالح ، لجعل المصالح تسير في ركب القيم ، وهذا لا يتحقق إلاّ بالتخلّص من أنانيته وهيمنة قيمه ومعتقداته الخاصة والخاطئة ، وانفتاحه على ما هو جديد وصالح من القيم ، وترشيد المقاصد الإنسانية وحملها وتجسيدها على ؟أرض الواقع .
لقد أثرت فلسفة أفلاطون في الفكر الديني والروحي، وفي التصورات المثالية للعدالة والسياسة والأخلاق .
أما فلسفة أرسطو فقد شكّلت أساس العلوم الطبيعية والمنهج التجريبي والمنطق .
ولا يزال العالم الحديث يعيش هذا الصراع :
بين السياسة المثالية والسياسة الواقعية .
بين القيم والمصالح .
بين الحلم الإنساني والوقائع القاسية .
حتى الأدب والفن والإعلام الحديث يعكس هذا التوتر المستمر بين ما ينبغي أن يكون، وما هو موجود بالفعل .
تربّعت ثلاث مدارس أساسية على تفسير العلاقات الدولية ، وهي الواقعية وتفرعاتها ، والليبرالية وتفرعاتها ، والبنائية وامتدادها ، وإذا أردنا الدقّة والاختزال ، نستطيع أن نقول ثمّة توجهين اثنين ” الواقعية والمثالية ” .
حيث تُعتبر الواقعية هي الأقدم بحكم طبيعة النظام الدولي القديم ، ” حرب الكل ضد الكل ” .
يحكم المثاليون على السياسة الخارجية بناءً على المصالح الخاصّة لكل دولة ، وهي مصالح ليست ثابتة ، حيث ليس هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون ، ولكن المصالح هي التي تُسيّر الأمور .
ومع ذلك يدّعي المثاليون بوجود مبادئ عالمية مزعومة ، الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي ، والثقة بقدرة التغيير عن طريق التجارة والإقتصاد ، و وضع الحروب جانباً .
لكن تحولات المشهد الجيوسياسي اليوم ، وعودة الجيوبوليتيك ، ومناخ التنافس بين القوى الكبرى ، يجعل من حيث المبدأ التيار الواقعي هو الأقدر على تفسير عالمنا اليوم ، حيث ترتبط القرارات بعقلانية صُنّاع القرار ، وسعيهم لتحقيق المصلحة الوطنية كما يتصوّرونها .
لكن قد يُخطئ صانع القرار أيضاً ممّا يجعل العالم على حافة الهاوية .
في عالم اليوم ، تبدو الواقعية أكثر حضوراً في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية ، حيث تُبنى القرارات غالباً على المصلحة والقوة .
لكن الإنسان ، رغم ذلك ، لا يستطيع العيش بلا مثال أعلى . فكل الثورات الفكرية والإنسانية الكبرى انطلقت من حلمٍ مثالي بالعدالة والحرية والمساواة .
ومن هنا، فإن الحضارة الإنسانية لا تقوم على الواقعية وحدها ، ولا على المثالية وحدها ، بل على التوتر الخلّاق بينهما .
لقد أراد أفلاطون أن ينقذ الإنسان عبر المثال الأعلى، فرفع الحقيقة إلى عالمٍ خالدٍ لا تفسده المادة ولا تشوّهه المصالح .
بينما حاول أرسطو أن يفهم الإنسان كما هو ، داخل العالم الحقيقي ، بعقله وتجربته واحتكاكه بالحياة .
غير أن التاريخ أثبت أن الإنسانية تحتاج إلى الاثنين معاً ، تحتاج إلى المثالية كي لا تفقد روحها وقيمها ، وتحتاج إلى الواقعية كي لا تتحول الأحلام إلى أوهامٍ عاجزة عن الحياة .
فالحضارات التي تعيش على المثال وحده قد تسقط في الطوباوية والانفصال عن الواقع ، بينما الحضارات التي تعيش على الواقعية وحدها قد تتحول إلى أنظمة باردة تحكمها المصالح والقوة المجردة .
ومن هنا، تبقى القيمة الكبرى لفلسفة أفلاطون وأرسطو أنها لم تقدّم أجوبة نهائية فقط ، بل فتحت أمام العقل الإنساني أبواب الأسئلة الكبرى :
ما الحقيقة؟.
ما العدالة؟.
كيف يجب أن يعيش الإنسان؟.
وهل يمكن للعالم أن يجمع بين المثال والواقع دون أن يخسر أحدهما؟.
وربما كانت الفلسفة ، في جوهرها العميق ، ليست انتصاراً للمثالية أو الواقعية ، بل محاولة دائمة لصناعة الجسر الصعب بينهما .
لم ينتهِ الصراع بين المثالية والواقعية عند حدود الفلسفة اليونانية ، بل انتقل عبر القرون إلى الفلسفة الحديثة ، ثم إلى الفكر العربي المعاصر ، حيث ظلّ الإنسان يعيش الانقسام ذاته بين الحلم والواقع ، بين القيم والمصالح ، وبين العقل المجرّد والتجربة العملية .
وقد أعادت الفلسفات الحديثة إنتاج هذا الصراع بأشكال جديدة ، متأثرة بالتحولات العلمية والسياسية والاقتصادية التي عرفها العالم .
تطورت المثالية بعد أفلاطون لتأخذ أشكالاً فلسفية أكثر تعقيداً ، خاصة مع الفيلسوف الألماني ” إيمانويل كانت ” الذي رأى أن العقل لا يدرك الأشياء كما هي في ذاتها ، بل كما تظهر لنا عبر بنيتنا العقلية .
ثم جاء ” هيغل ” ليحوّل المثالية إلى فلسفة تاريخية كبرى ، معتبراً أن التاريخ نفسه هو تطور للعقل والروح .
وكان هيغل يرى أن :
الأفكار تحرّك التاريخ .
الوعي الإنساني يتطور جدلياً .
الدولة تمثل تجسيداً للعقل التاريخي .
وهنا أصبحت المثالية مرتبطة بمشروع فكري شامل يحاول تفسير حركة الحضارة الإنسانية .
في المقابل، تعزز الاتجاه الواقعي مع صعود العلوم الطبيعية والثورات الصناعية ، حيث أصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى التجربة والوقائع الملموسة .
وقد مثّل ” أوغست كونت ” النزعة الوضعية التي اعتبرت أن المعرفة الحقيقية هي المعرفة العلمية فقط .
كما ظهر ” ماركس ” ليقدّم واقعية مادية تقوم على تفسير التاريخ انطلاقاً من الاقتصاد والصراع الطبقي ، رافضاً التفسيرات المثالية المجردة .
التاريخ عند ماركس = صراع طبقي + بنية اقتصادية .
ورأى ماركس أن :
الواقع المادي هو الذي يصنع الأفكار .
الاقتصاد يحدد شكل السياسة والثقافة .
الإنسان يتغير عبر العمل والصراع الاجتماعي .
وهكذا انتقلت الواقعية من مجال المعرفة إلى تحليل المجتمع والتاريخ والسياسة .
ثانياً : المثالية والواقعية في الفكر العربي المعاصر .
عانى الفكر العربي الحديث من أزمة عميقة بين المثال والواقع ، خاصة بعد الاصطدام بالحداثة الغربية والاستعمار والتراجع الحضاري .
فبرز تياران أساسيان:
1- التيار المثالي :
وهو التيار الذي حاول بناء نهضة عربية قائمة على :
القيم الأخلاقية .
الهوية الثقافية .
الحلم القومي أو الديني .
استعادة “ المجد الحضاري ” .
وقد ظهر هذا الاتجاه لدى مفكرين رأوا أن أزمة الأمة ليست مادية فقط ، بل روحية وأخلاقية أيضاً .
ومن أبرز الأسئلة التي طرحها هذا التيار :
كيف نستعيد الإنسان العربي ؟.
كيف نبني مشروعاً حضارياً أخلاقياً ؟ .
كيف نواجه التفكك الثقافي والاغتراب ؟.
وكان هذا الخطاب يحمل نزعة مثالية واضحة ، تؤمن بأن النهضة تبدأ من الفكرة والقيم والوعي .
2- التيار الواقعي :
في المقابل، ظهر تيار آخر أكثر التصاقاً بالواقع السياسي والاجتماعي ، ركّز على :
البنية الاقتصادية .
أنظمة الحكم .
التخلف العلمي .
العلاقات الدولية .
تأثير الاستعمار والرأسمالية .
وقد تأثر هذا الاتجاه بالفكر الماركسي والوجودي والنقدي ، معتبراً أن التغيير لا يتم عبر الأحلام والشعارات فقط ، بل عبر فهم الواقع وتحليله مادياً وسياسياً .
يعيش الإنسان العربي المعاصر حالة انقسام شديدة بين :
خطاب مثالي مليء بالشعارات الكبرى .
وواقع سياسي واجتماعي واقتصادي مأزوم .
ففي الوقت الذي ترتفع فيه شعارات :
الحرية،
العدالة،
الوحدة،
الكرامة،
تصطدم المجتمعات العربية بواقع :
الاستبداد،
الفقر،
الانقسام،
التبعية،
والتراجع العلمي .
ومن هنا، تبدو الأزمة العربية الحديثة امتداداً جديداً للصراع القديم بين أفلاطون وأرسطو :
بين الحلم النظري والواقع العملي .
بين المثال الأخلاقي والحسابات السياسية .
بين الوعي الفكري والبنية المادية .
رابعاً : هل يمكن التوفيق بين المثالية والواقعية؟.
ربما تكمن المشكلة الحقيقية في تحويل المثالية إلى وهمٍ منفصل عن الحياة ، أو تحويل الواقعية إلى تبرير دائم للقوة والمصلحة .
فالمثالية دون واقع قد تتحول إلى خطابٍ عاجز ، بينما الواقعية دون قيم قد تتحول إلى قسوة سياسية وأخلاقية .
ولهذا فإن المجتمعات الحية هي التي تستطيع :
أن تحلم دون أن تنفصل عن الواقع ،
وأن تواجه الواقع دون أن تقتل الحلم .
إن العالم المعاصر، رغم كل تقدمه العلمي ، ما يزال يعيش داخل السؤال القديم نفسه :
هل الإنسان كائن تحرّكه الأفكار أم المصالح ؟.
هل تصنع الحضارات القيم أم القوة ؟.
وهل يمكن للإنسان أن يبني عالماً عادلاً دون أن يجمع بين مثالية الروح وواقعية العقل ؟.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تفقد المثال تموت أخلاقياً ، بينما الأمم التي تهرب من الواقع تنهار عملياً .
ومن هنا، فإن أعظم ما قدّمته الفلسفة، منذ أفلاطون وحتى الفكر المعاصر، ليس الحلول الجاهزة ، بل إبقاء العقل الإنساني في حالة سؤال دائم، لأن السؤال الفلسفي الحقيقي ليس ترفاً فكرياً ، بل محاولة مستمرة لإنقاذ الإنسان من السقوط في العمى ؛ عمى الحلم المطلق ، أو عمى الواقع المجرد .
إن الصراع بين المثالية والواقعية ليس مجرد فصلٍ قديم من تاريخ الفلسفة، بل هو صراع يسكن أعماق الإنسان نفسه.
فالإنسان كائن ممزّق دائماً بين ما يحلم به، وما تفرضه عليه الحياة؛ بين السماء والأرض، بين المثال والحقيقة، بين الرغبة في الكمال والاصطدام بحدود الواقع
، حيثُ تُضاءُ الأشجارُ بالمصابيحِ الملونةِ الجميلة . كم كان يحلو لهُ أن يكتبَ ذكرياتهِ على سيقانها ، يُداعبُ الأرضَ بأغصانها المتدلية ليُسجّلَ عليها أجملَ نشيدٍ للحرية .
أمّا أنا فلقد كنتُ أرسمُ الأشجار واحدةً إلى جانبِ الأخرى ، ومن ثُمّ أُلبسها سُندساً بهيّاً بالألوانِ التي أصبّها عليها ، نظرتُ إلى والدي الذي كان شارداً بمحطاتهِ التي يسافر معها ، فرأيتُ أن أقطعَ عليهِ شرودهُ هذا ، ففاجأتهُ بصوتٍ عالٍ وعلى غير انتظار :
– والدي ، هل أزرعُ إلى جانبِ الأشجار شيئاً من الأزهار أو الورود ؟ .
صمتَ والدي يفكّر ، وبعد لحظاتٍ خانقة ، أجابني بصوتٍ هادىٍ متهدج :
– دعها هكذا يا صلاح ، هُوية شعبٍ معذّب .
أجبتهُ وعلى الفور :
– إذاً ما دامت هذه هي رغبتك فدعني أرسمُ حولها سياجاً من حديد .
إنتفضَ كعصفورٍ جريحٍ ، لوّحَ بكلتا يديه ، تملّكتهُ حالةُ صراخ : – لا ….لا . تلاشت لاءاتهِ ، تابعَ بصوتٍ هادىءٍ تعب :
– لا ترسم هذا السياج يا ولدي .
داهمتني حالةٌ من العجبِ ، فلماذا أتى الجوابُ حاداً هذه المرّة ، هززتُ رأسي بغنجٍ ، إلتفتُ إلى والدي ، وبهدوءٍ وبرودٍ طفولي قلت :
– إذاً البستان سيعبث بهٍ الأشرار ويحيلونه خراباً .
قبل أن يُجيبني ، مسح على وجههِ مراتٍ بيديه ، تعوّذَ بالله ، صلّى على النبي ، أحنى رأسه قليلاً إلى الأمامِ وقال :
– الأشرار ، الورمُ الخبيث ، نعم لا بد أن تحميهِ منهم ، لكنهم دخلوه ، وقطّعوا أشجارهِ ، وكثيرون هم اللذين صمتوا ، فعجيبٌ يا ولدي أن نرى الجمعَ ينفضُّ قبل أن تنفضَّ الصلاة ، وأعجبُ منه أن نرى أناملهم تمتدُ خِلسةً لتمسحَ أثرَ السجودِ من فوقِ الجباه .
قام من مكانه ، أخذ يزرعُ الغرفةَ جيئةً وذهاباً ، تمتمَ :
– بل يجب عليكَ أن تحميهِ يا بُني .
دنا مني ، مسحَ على شعري ، حملَ اللوحةَ ، قرّبها من عينيه ، وقبل أن تزوغَ عيناهُ أكثر ، قلتُ على عجلٍ :
– هل أرسمُ سياجاً حجرياً ؟ .
بهدوءٍ وثقةٍ أجابني :
– لا … لا … ، أيقنتُ الآن أن السياجَ ضروريٌ ولا بُدَّ منه ، نعم أرسمهُ ياصلاح ، وليكن سياجاً بشرياً ، أرسم هنا فاطمة بضفائرها الحلوة ، هناكَ أبوها ، وهنا خالك وبجانبه عمك ، وفي هذه الناحية جَدُّكَ ، لا تنسى عقالهُ وجلبابهُ ، أرسمه باسماً ، إنساناً شامخاً يعانقُ الأشجار ، يبتسم لها وللشمسِ وللحياة ، أرسمه كشجرةِ سنديانٍ منتصبة تزرعُ الأملَ في نفوسِ القادمينَ على الدرب .
وضعَ اللوحةَ على الأرض ، رسم بإصبعهِ دائرةً حولَ الأشجارِ ، رسم عليها أُناساً يعرفون كيفَ يشتمُّ الإنسانُ رائحةَ الترابِ فيدمعُ لها .
قلتُ وبهدوءٍ خجول :
– ولكن اللوحة هكذا لن تنتهي بسرعة يا والدي .
أجابني وكله ثقة :
– لكنها ستكون عظيمة ، وإذا جفَّ الحبرُ لديك ، خُذ نبضي لترسم من جديد . بباطنِ كفّهِ داعبَ خدّي ، ربتَ على كتفي ، خرجَ إلى الفناءِ الخارجي للدار حيثُ توجد شجرةُ زيتونٍ فتيّة ، أخذَ يمسحُ الغبارَ عن أوراقها الصغيرة ، يشمّها وكأنها ريحانةٌ من رياحين الجنّةِ .
لقد كانت في حديقتهِ القديمة شُجيرةٌ مثلها ، عمرها بعمرِ فاطمة ، وكانت تكبرُ معها ، كان يوماً أسودَ قاسياً حفرَ أخاديدهُ في أعماقِ قلبهِ الجريح حينما أجبروهم على هجرِ بساتينِ الزيتون ، لقد كان المنظرُ رهيباً . وقف رجالُ وأطفالُ الحي ينظرون بأسى إلى الأشجار التي زُرعت بعُصارةِ الإنسان وهي تتهاوى من عليائها لتعانق التراب ، بعد أن تهدّمت البيوت واندثرت الصورُ والذكريات . في البدء كان بيتُ فاطمة التي تمنّت يوماً أن ترتدي فستانَ أجملَ عروسٍ شرقية ، تغار منها شجرة الدر ، وتحقد عليها بلقيس ، وتكرهها ياسمينة السندباد ، وتشيحُ عنها بوجهها سندريلا .
تذكّر أبا فاطمة ، وشهداء آخرين ، فكان كلما سقط شهيدٌ هناك كان يشعرُ بأنَ أباهُ يُستشهدُ من جديد . لقد هوت الأشجار ، غابت أوراقها في التاريخ ليسجّلَ الضياع ، وامتزجت الدموعُ مع بقايا الأوراقِ في التراب ، وعُجِنت جميعها بالهدف ، لن ينسى ذلكَ اليوم ، إنه محفورٌ في صفحاتِ الزمن ، وتعلّم من وقتها أن يكون صلباً ليُعيدَ الأشجار إلى كل مكانٍ أُقتلعت منه ، فكانت الحجارة أنيساً له في فاجعته ، فتبعتهُ الزيتونة كظلّهِ ورافقتهُ كأنفاسهِ ، فكانَ يسمع تأوّه أغصانها ، ويوخز أُذنيهِ نشيجَ التراب الباكي تدوسهُ الغربانُ والثعالب والكلاب التي لا تُجيدُ حتّى النباح . وتطفو الطحالب والمستنقعات ، تنتشرُ ، تتوسّع ، تضع بصماتها على كلِ شبرٍ من الرمالِ المتراميةِ الأطراف ، ثُقلُ الفاجعةِ يطحنُ أمانيه ، يُحيلها رماداً ، يُصهرهُ مع لهيبِ الشمسِ ، يُصليهِ بالضارياتِ من العذاب .
إستيقظت في قلبه ذكرياتٌ دامعة ، ذكرياتُ الأحبةِ الذين سقطوا أمثالَ أبي فاطمة ، وقاسم ، وسلمى ، وعز الدين والعباسِ وجعفر وعدنان ، الذين حملوا التراب مع الدماء ، خانتهُ دموعهُ ، التهمت أحاسيسهُ ، فسقطت قطراتها على أوراقِ الزيتونِ كالندى ، حدّقَ في دمعةٍ إستقرت على ورقةِ زيتونٍ ولم تسقط ، سافرَ في أبعادها ، فتراءت لهُ نداءاتٌ خرساءُ ، مآتمٌ ، ومن ثُمّ أعراسٌ جماعيةٌ تُبشّر ببدايةِ الغيث .
عندما عاد والدي كنتُ قد أنهيتُ لوحتي ، وقفَ بجانبي يتأملها ، زاغت عيناه ، غدرت به دمعةٌ سقطت من زاويةِ عينهِ اليسرى ، حمل اللوحةَ وعلّقها على الحائطِ بجانب صورةِ المسجد الأقصى ، طرتُ فرحاً ، عانقتُ والدي بجنون ، صرختُ بعنفٍ صادقَ المشاعر :
– أبتي ، متى سأرسمُ سياجاً بشرياً لمساحةٍ أكبر ؟ . فكر طويلاً قبل أن يُجيبني قائلاً :
– تمهّل يا ولدي ، غداً تنجلي الغيوم ، ويتردد في سمائنا الصافية صدى رسالة هارون الرشيد الموجهة إلى نكفور ” من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نكفور كلب الروم ، الجواب فيما ترى لا ما تقرأ ” ولكن أخشى ياولدي أن تكون الرسالة هذه المرة معكوسة الأطراف .
شَهقتُ ، تعالت شهقتي ، أحدثت صدىً لم أسمعهُ من قبل ، حدّقتُ كغيرِ عادتي في وجهِ والدي ، غضِبتُ ، صرختُ بعنفٍ ، بكيتُ بحرقةٍ ، تشنّجت أطرافي ، ذهبتُ في غيبوبةٍ دامعة ، حدّقت عيناي وشَخصَتْ في السياجِ البشري ، فتراءى لي أطفالٌ يولدونَ وفي يُمناهم غِراسٌ تُروى بالدم .
في الخميس، 9 يوليو 2026 في 7:29 م تمت كتابة ما يلي بواسطة As Asfari <asasfari@gmail.com>:
عزفٌ منفرد على ايقاع نقيق الضفادع .
د.أنور ساطع أصفري .
سرتُ تائهاً في أزقّةٍ ولهى ، تحنّ لبسمةٍ ، لوردةٍ جوريةٍ وهمسةً حب ، تخيّلتُ أمامي الأرض بمعطياتها ومطبّاتها ، وتراءت لي كمستنقعٍ بالجراحِ التي تحملها .
فكرةٌ حرةٌ أنا ، لزمنٍ مثقوب الرؤى ، لزمنٍ يتآكل كالمقالات في الجرائد ، ومثل بابٍ يُصدر أزيزاً قاسياً ومؤلماً أحياناً ، أحمل في قلبي وردة ، ويسكن روحي طير صغير ، أنا الأبجدية الهشّة التي لا وزن لها ولا قافية ، أنا اللوحة التي لا تزال في منتصف الطريق ، أنا البوصلة الشقيّة التي تاهت بين الشمال والجنوب .
الرحمة لنفوسٍ شوّهتها السياط ، أبحثُ عني ، فلا أجدني ، لقد هرست الأقدام عشرات السنين مجبولة بالأحلام .
فرشتُ درب القمر بالوردِ والنعناع ، بالزعتر البري والحبق والريحان ، فأزهر العشقُ كمواسم الزيتون وبيّارات الليمون .
ركضتُ وراء سرابً هش ، كاد أن يوصلني إلى ماهيّة الحياة عند البشر ، أو عند مخلوقات أخرى ، إبتسمتُ بسخريةٍ جادة ، فتراءى أمامي مستنقع مليٌ بالحياة وبالحركة رغم ركوده ، على الأقل هكذا يقول علماء البراكين والأحياء .
عدت إلى غرفتي اليتيمة ، جلستُ ، وضعتُ رأسي بين كفّي ، وأنا أُحاول أن أتحقق ممّا يدور في خلدي ، فالفقراء لهم نصيبٌ من الشمس والهواء ، من الرمال ، من الليل والغزل الخجول وأمواج البحر ، لهم نصيب من الأغنيات والإيقاع والفرح الذي قد يكون عابراً ، لهم نصيبٌ من الأبجدية والكلمة ، كما لهم نصيبٌ من الرصاص والموت المجاني الذي لا يشاركهم فيه أحد . شهقتُ ، تلعثمت كلماتي ، ذهبتُ بعيداً ، أيقنت أن المستنقعات هي بلاد الضفادع والبعوض والديدان والعصافير المتصيدة ، والجراثيم والبكتيريا ، إضافة إلى الأعشاب الشوكية المتسلّقة التي تسوّر هذا الوطن المستنقع العجيب .
فما يحدث هنا ، تماماً كما يحدث هناك ، فالأفاعي تتلذّذ بالتهام الضفادع ، وكلما وقع ضفدع صريعاً بين أنياب إحدى الأفاعي ، ترفع الضفادع صوتها لتخيف الأفاعي التي لا تسمع . وهكذا تستمر الأفاعي في التهام الضفادع ، بينما تُمارس الضفادع حقّها في الاحتجاج والنقيق ، وكأنها تطلب من كل أحياء المعمورة أن يضعوا حداً لهذه التعديات ، وأن يُلزموا الأفاعي باحترام حقوق المخلوقات بالعيش بسلامٍ وأمان .
ضحكتُ لأفكاري الإنسيابية ، هممتُ أن أغوص في العمق أكثر إلاّ أن صديقتي السمراء فاجأتني قائلة :
لعلكَ تأتي وأُقفل باب الرحيل .
نظرتُ إلى أعماق عينيها عبر مرآةٍ حزينةٍ ، فتحتُ نافذةً نحو ذاكرةٍ لا تُغلق ولا تصدأ ، تمتمتُ بصخبٍ :
لم أجد لعشقكِ حلاً ، إلاّ أن أعشقكِ أكثر .
تابعتُ :
هل تعلمي ياصديقتي إن التذوّق صعبٌ بل ومستحيل ، طعمٌ برائحةِ الجريمة ونكهة الكراهية ، وبمذاقِ الجريمة والصدمة ، نعم ، أحنّ إلى رائحةِ الكبريتِ والحطب المحترق ، فهذه الرائحة تُعيدني إلى بيت جدي ، إلى القرية ، تعيدني إلى العز الذي رحل ، بعد أن تشوّه وحمل معه رائحة الموت .
إرتجفتْ ، تغيّرت ملامح وجهها ، انفعلت ، انتفضت قائلةً :
عن ماذا تتحدث ؟ .
قلت :
لا ، لن يغتالني الصمت ، أرتدي حروف الأبجدية ، أُثني أطرافها الفضفاضة على كل جوانبي ومسامات جسدي ، وأتحدّث عن ما يحدث ، ولأنني كذلك إبتعدوا عني ، وأصبحتُ شبيهٍ بداءٍ معدٍ ، وعندما كنتُ أتابع المسير ، أشعر بأنني أشبه بمن يقود دراجة صدئة صريرها ينخرُ في الرأس والجسد .
انتابها الإنفعال أكثر ، كادت تصرخ ، أشارت بيدها ، ومن ثُمّ قالت :
أرجوك ، لا تراوغ معي ، هل أنت بخير ؟ ، عن ماذا تتحدث ؟ .
قلت :
ثقي يا صديقتي ، إن قلبي هو وطنٌ لصديق ، وأنتِ وطني ، طيلة هذا اليوم كنت أتحدث مع نفسي عن وطن المستنقعات ، والضفادع والأفاعي ، والبعوض والأعشاب المتسلقة .
صارحتها بأفكاري ، شرحت لها كل ما يدور في خلدي ، وما أحاول الوصول إليه .
ابتسمت إبتسامةً صاخبة ، ضحكت ، رقصت تعابير وجهها ، فاجأتني قائلةً وهي تتحسس صدرها :
ما ينتابك من مشاعر قلقة ، تنتابني أيضاً ، وثق إن هذه الضفادع شئنا أم أبينا هي تماماً كأجهزة إعلامٍ ناطقةٍ باسم مجتمع المستنقع ، ومن خلال صراخها تروي واقعها وتاريخ مستنقعها ، وكأن لسان حالها يقول :
إن مستنقعنا مليءٌ بالمياه الآسنة ، محكومٌ بأسرابِ البعوضِ الذي يمتصّ دماء مواطني المستنقع ، وبالأعشاب اللزجةِ المتسلّقة .
استدارت ، تراجعت ، تمتمت بكلماتٍ مبهمة ، إبتسمت ، ترددت ومن ثُمّ قالت :
لا ، لن يذيبوا شمعة الأمل من عيني ، ولن أدعهم ينامون على صدري كهمٍ ثقيل ، فالحياة وحدها تستحق طقوس مخاضٍ لولادةٍ جديدة ، لذا سأنسج من حنيني فرحاً جديداً ، ولن أمتطي قلقي بعد اليوم ، تأكّد يا صديقي أن المستنقع معرضٌ لفوراتٍ بركانية ، حيث تقذف حممها بعيداً ، كي تشيد الجبال والتلال والوديان ، وتعطي للّأرضِ خصوبتها ، وللطبيعةِ جمالها ورونقها ، وعندما يثور بركانٌ ما ، فإنه سيعيد كتابة التاريخ بشكلٍ آخر .
ضحكتْ ، التفتت إليّ بعيونٍ زائغةٍ لا هدف لها .
تمدد الوجع على خاصرتي ، ومن أعماقِ الصدر تدلّى حزنٌ أحمق ، داهمني صوت فيروز المُعتّقِ بعبقِ الياسمين ، مع ترابٍ أحمر ، ومع الزيتون والزعتر البري والزنبق ، كلهم في قلبي ، مثل التوحيد والكوثر .
إفتعلت حركةً مضحكةً بيدها ، تلاها ضحك هستيري من أعماق قلبها حتى علا صوتها بايقاعٍِ صاخبٍ مبعثر ، وفجأةً صمتتْ بشكلٍ عشوائي وقالت :
كي لا يفقد الطير صوابه ، هل تعرف ماذا تقول الضفادع في سرّها عندما تكفُّ عن النقيقِ وتصمت ؟ .
قلتُ دون تردد : لا .
ابتسمت إبتسامةً مفتعلة ، وقالت :
تدعو ربها أن لا يثور البركان من جديد .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر