هل يدرك الاطار التنسيقي الحاكم ذلك؟..د.عدنان طعمة

منبر العراق الحر :
بغداد لم تكن يوما خارج حركة التاريخ بل كانت أحد ميادينه الكبرى ومسرحا تعاقبت عليه أسماء وسلالات وسلطات، دخلت إليها وهي تظن أن مقامها طويل، وأن ما شيدته من قوة ونفوذ سيمنحها الخلود في الحاكمية والسلطة. بغداد مثلها مثل كل المدن العظيمة، كانت ولازالت تعرف الحقيقة التي لا يعرفها أصحاب السلطة إذ لا أحد يقيم في التاريخ إلى الأبد، وتلك هي الحتمية التاريخية التي لا مفر منها بالمطلق..
مرت على العراق دول وإمبراطوريات وسلالات وجيوش، من البابليين والفرس وإلى الأمويين والعباسيين والمغول والعثمانيين والانكليز ثم إلى أنظمة سياسية حديثة رفعت شعاراتها وأقامت مؤسساتها وأحاطت نفسها بمظاهر القوة والسلطة القاهرة.
اعتقد جميعهم أن سلطتهم ستطول وحكمهم يمتد إلى ما لا نهاية وأن الزمن سيعمل لصالحهم ويعزز نفوذهم فإذا بهم يتحولون بعد عقود أو قرون إلى أسماء في كتب التاريخ، صدام حسين نموذجا الذي اعتقد العراقيون ان ملكه لم ولن يزول وسيصل الى احفاد ابنته الصغرى (حلا) وان هناك سلالة صدامية ستحكم العراق إلى الإبد.
أعتقد أن سقوط الحضارات لا يبدأ دائما بسقوط أسوارها، فأحيانا يبدأ حين تتوهم السلطة أنها أكبر من الزمن وحركة التاريخ وأن قوتها قادرة على تعطيل قوانين هذا التاريخ وحتمياته. الحقيقة ان الدول والحضارات التي لم تستطع أن تتجدد نفسها بنفسها وأن تسمع أصوات مجتمعاتها ونداء عقلائها وحكمة مفكريها واساتذتها وعناوينها المفكرة، انتهت مهما بلغت من القوة والجبروت والبطش.
وهذا هو الدرس الذي لم يدركه الاطار التنسيقي الشيعي الحاكم فالملك عضوض ولا مجال ان افكر بفقدانه تحت أي ظرف كان..
يخبرنا التاريخ ان لا نتجادل على حقيقة ان السلطة مرحلة، أما العراق فهو المستمر. فالسياسي يرحل والحزب يتغير والنظام يسقط والشعارات تفقد بريقها لكن بغداد تبقى حاملة جروحها، وحاملة آثار الذين ظنوا أنهم باقون فيها إلى الأبد.
والمؤلم أن ثمن هذه الأوهام لا يدفعه أصحاب السلطة وحدهم بل يدفعه جيل كامل من العراقيين شباب تتآكل أعمارهم بين أزمة وأخرى، وحرب وأخرى، وانتظار طويل لمستقبل كان يمكن أن يكون أكثر رحابة، وشهداء صغار ما هم إلا وقودا لديمومة سترحل سلطة آجلا ام عاجلا..
لذلك فإن أعظم ما يمكن أن يفهمه صاحب السلطة في العراق هو أن التاريخ لا يسأل كم سنة بقيت في الحكم بل ماذا فعلت بالبلاد والإنسان خلال تلك السنوات. فبغداد ستفتح أبوابها غدا لأسماء جديدة كما فتحتها بالأمس لأسماء ظنت أن التاريخ كتب لها وحدها…
خلال زيارتي إلى السيد صفاء الوردي ابن عم الدكتور علي الوردي وتلبية لدعوته في بيته بمدينة الكاظمية، حدثني عن واقعة ظلت عالقة في ذاكرته، قال إن الوردي وما إن احتسى قليلا من البيرة مستأنسا بالمقولة اليسوعية المعروفة (قليل من الخمر يسر قلب الإنسان) حتى خرجنا نتمشى في شوارع المدينة. وكانت صور صدام حسين تملأ الشوارع آنذاك فراح الوردي يشير إليها ويصيح بصوت عال، فيقول :(شيدوا واملأوا الشوارع بالصور فسيأتي يوم تصبح فيه هذه الصور زريبة لبول الحمير)

اترك رد