مِنْ مَحَاْرَاْتِي …… ميساء علي دكدوك

منبر العراق الحر :
١ — سُوقُ الْوُجُوهِ
…………….
فِي هَذَا السُّوقِ لَا يَسْأَلُونَكَ مَنْ أَنْتَ
بَلْ كَمْ تُسَاوِي
يَزِنُونَ ظِلَّكَ بِمِيزَانٍ مِنْ ذَهَبٍ
وَيُفَتِّشُونَ فِي جَيْبِكَ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ لِاحْتِرَامِكَ.
هُنَا لِلْمَجْدِ فَاتُورَةٌ
لِلْوَجَاهَةِ سِعْرٌ وَلِلْفَقْرِ تُهْمَةٌ لَا تَحْتَاجُ
إِلَى مُحَاكَمَةٍ.
حَتَّى الْمَرَايَا لَمْ تَعُدْ تَرُدُّ إِلَيْنَا وُجُوهَنَا
إِنَّهَا تَسْأَلُنَا : مَاذَا تَمْلِكُ؟
……………
٢— عِنْدَمَا يَبِيعُ الظِّلُّ صَاحِبَهُ
………………
كَانَ الرَّجُلُ يَمْشِي بِظِلِّهِ كَالْعَادَةِ
حَتَّى جَاءَ يَوْمٌ
اِشْتَرَى فِيهِ أَحَدُهُمْ ظِلَّهُ
مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَارَ يَمْشِي أَخَفَّ
لَا لِأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْ هُمُومِهِ
بَلْ لِأَنَّهُ فَقَدَ جُزْءًا مِنْ نَفْسِهِ
وَفِي آخِرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ الْمَرَايَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ
وَلَا تَعْرِفُهُ
فَقَدْ كَانَ قَدْ بَاعَ الْجُزْءَ الَّذِي كَانَ يَجْعَلُهُ
إِنْسَانًا.
……………
٣ — مُزَادُ الْكَرَامَةِ
فِي سَاحَةِ الْمَدِينَةِ أَقَامُوا مَزَادًا كَبِيرًا
عَرَضُوا فِيهِ أَسْمَاءً، وَمَنَاصِبَ، وَأَلْقَابًا لَامِعَةً
وَ عَرضُوا قَلِيلًا مِنَ الضَّمَائِرِ الْمُسْتَعْمَلَةِ
كَانَتِ الْمُزَايَدَةُ صَاخِبَةً إِلَّا عَلَى الْكَرَامَةِ
لَمْ يَشْتَرِهَا أَحَدٌ
فَقَدْ كَانَتْ غَالِيَةً جِدًّا
عَلَى مَنْ يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسَهُ
…………….
٤ — الْمِيزَانُ الْأَعْمَى
………………..
فِي آخِرِ الْقَاعَةِ كَانَ هُنَاكَ مِيزَانٌ قَدِيمٌ
وَضَعُوا فِي كَفَّتِهِ
الذَّهَبَ وَالْمَنْصِبَ وَالاسْمَ
وَوَضَعُوا فِي الْكَفَّةِ الْأُخْرَى رَجُلًا فَقِيرًا
لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا كَلِمَةً صَادِقَةً
اِنْحَنَتْ كَفَّةُ الْمَالِ
ضَحِكَ الْحَاضِرُونَ.
ثُمَّ هَبَّتْ رِيحٌ صَغِيرَةٌ
حَرَّكَتِ الْمِيزَانَ وَكَأَنَّ الْحَدِيدَ نَفْسَهُ
كَانَ يَخْجَلُ مِنْ حُكْمِهِ.
……………..
٥ — صُورَةٌ بِدُونِ إِنْسَانٍ
………………
نَلْتَقِطُ الصُّوَرَ كَثِيرًا
نَبْتَسِمُ لِلْكَامِيرَا
نَرَتِّبُ وُجُوهَنَا
كَمَنْ يَرْتِّبُ الْأَثَاثَ فِي بَيْتٍ مُؤَقَّتٍ
ثُمَّ نَحْفَظُ الصُّورَ فِي هَوَاتِفِنَا
وَنَنْسَى أَنْ نَحْفَظَ أَصْحَابَهَا فِي قُلُوبِنَا
مَا أَكْثَرَ الصُّوَرَ الَّتِي بَقِيَتْ
وَمَا أَقَلَّ الْأَعْمَارَ الَّتِي عَرَفَتْ كَيْفَ تَبْقَى
وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنْ الْكَامِيرَا تَسْرِقُ وَقْتَنَا
بَلْ كُنَّا نَحْنُ…
نُسَلِّمُهَا أَعْمَارَنَا بِكُلِّ امتِنَان.
……………
٦ — مَرْآةُ الْفَقِيرِ
…………..
كَانَ يَمْلِكُ مِرْآةً صَغِيرَةً
مُعَلَّقَةً فَوْقَ جِدَارٍ مُتْعَبٍ
كُلَّ صَبَاحٍ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ
فَيَرَى رَجُلًا لَمْ تَسْتَطِعِ الْأَيَّامُ
أَنْ تَشْتَرِيَهُ
كَانَ فَقِيرًا، نَعَمْ
لَكِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ
شَيْئًا لَا يُعْرَضُ فِي الْمَزَادَاتِ:
نَفْسًا لَمْ تُبَعْ
وَكَانَتْ مِرْآتُهُ أَكْثَرَ غِنًى مِنْ قَصْرٍ
مُمْتَلِئٍ بِالذَّهَبِ وَفَارِغٍ مِنَ الْوَجْهِ.
……………..
٧ — خَارِجَ الْإِطَارِ
……………..
فِي آخِرِ الصُّورَةِ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ
لَمْ تَلْتَقِطْهُ الْكَامِيرَا
كَانَتْ يَدُ أُمٍّ
تَرْبِتُ عَلَى كَتِفِ ابْنِهَا
وَعَيْنُ رَجُلٍ
تُخْفِي دَمْعَةً كَيْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ
وَفَقِيرٌ يُقَاسِمُ رَغِيفَهُ مَعَ غَرِيبٍ
هُنَا
كَانَتِ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
لَمْ تَكُنْ لَهَا لَافِتَةٌ، وَلَا سِعْرٌ، وَلَا مُزَادٌ
فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ حِينَ تُقَدَّرُ بِالْمَالِ
تَفْقِدُ قِيمَتَهَا
وَبَعْضُ الْأَرْوَاحِ تَظَلُّ غَالِيَةً
لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلِ السُّوقَ أَصْلًا
عِنْدَمَا أَغْلَقْنَا الْكَامِيرَا
وَانْطَفَأَتْ أَضْوَاءُ الْقَاعَةِ
بَقِيَتْ مِرْآةٌ وَاحِدَةٌ لَا تُبَاعُ:
مِرْآةُ الضَّمِيرِ.

اترك رد