«أكذوبة “الحرب الشيعية-الشيعية”» …. الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

منذ أسابيع، يكاد لا يمر صباح عراقي من دون ترديد أن «حربًا شيعية–شيعية» تقترب، كأنها قدر مؤجل ينتظر ساعة الصفر. لا أحد يستهين بالسلاح المنتشر أو بالتوتر بين الدولة والفصائل، لكن بين إمكان الصدام وادعاء حتمية الحرب مسافة كبيرة؛ وبين أن يكون المتقاتلون شيعة وأن تكون الحرب «شيعية–شيعية» مسافة أكبر. فاللغة لا تصف الواقع دائمًا؛ أحيانًا تختصره حتى تشوّهه.

أخبرونا أولًا: على ماذا سيتقاتلون؟ ومَن سيقاتل مَن؟ الفصائل شيعية، و«المقاومة العراقية» شيعية، والحشد الشعبي بغالبيته من البيئة الشيعية، وحتى الدولة التي يُقال إنها ستواجه هذا السلاح فإن معظم جنودها وقادتها وجمهورها من البيئة نفسها. فإذا كان الجميع شيعة، والدولة شيعية، والحاكمية شيعية كما تسمونها، فهل يكفي المذهب لتسمية الحرب؟ المذهب يخبرنا مَن يحمل البندقية؛ ولا يخبرنا لماذا يضغط على الزناد.

وهنا يقع بعض العقل التحليلي الغربي، ومعه كثير من إعلامنا، في غواية الصناديق الجاهزة: سني–شيعي، عربي–كردي، مسلم–مسيحي. تصلح هذه التصنيفات لمعرفة هوية الأطراف، لكنها تقصر عن تفسير الصراع. فإذا كان النزاع يدور حول احتكار الدولة للسلاح، ومَن يملك قرار الحرب والسلم، وحدود ارتباط القوة المسلحة بقرار خارج الدولة، فهذه أسئلة سلطة وسيادة ومصلحة قبل أن تكون أسئلة مذهب. قد يتقاتل شيعيان؛ لكن تشابه مذهبهما لا يخبرنا باسم المعركة.

وفي قلب العقدة يقف الإطار التنسيقي، لا متفرجًا ولا وسيطًا بريئًا؛ فهو جزء من الأداة والسيف اللذين أسهما في صناعة حكومة الزيدي، وداخله تتقاطع الدولة والحشد والفصائل والسياسة. لذلك، إذا جاءت ساعة الاختبار، فلن يكون السؤال: مع أي شيعة يقف الإطار؟ بل: لمن تكون الكلمة الأخيرة؛ للدولة أم للسلاح؟ فالمعركة التي يمكن إدارتها في الغرف المغلقة قد تصبح عصية إذا انتقلت من السلاح إلى لقمة الناس.

وهنا يظهر «البعبع الدولاري». ففوق المشهد تقف محطة 30 أيلول، وخلفها واشنطن التي لا تحتاج إلى دبابة كي تفرض كلفتها. لديها الدولار، والعقوبات الثانوية، و«المنبوذ الاقتصادي»، والقدرة على تضييق الشرايين المالية. والمعادلة بسيطة وقاسية: تضييق الدولار، اختناق مالي، تعثر رواتب، ثم غليان شارع. الرصاصة قد توحّد خصوم واشنطن ضدها؛ أما الدولار فينقل المعركة من الخزانة إلى الراتب، ومن الراتب إلى الشارع، ومن الشارع إلى شرعية السلطة.

ثم تأتي المفارقة الإيرانية. خلال أسابيع تعاقب على بغداد قاآني  وقاليباف  وقمي؛ ثلاثة أثقال أمام عقدة واحدة. ليس ذلك دليلًا على تخلي طهران عن نفوذها، بل ربما العكس: إنها تحاول إنقاذ النفوذ من أن يأكل نفسه. فمن العبث أن تبني إيران أوراقًا طوال سنوات ثم تراها تتبادل النار داخل العراق، خصوصًا وهي تواجه «المنبوذ الاقتصادي» وضغط الدولار. فالنفوذ يحتاج إلى أوراق؛ لكنه يحتاج أولًا إلى رقعة تبقى عليها الأوراق.

ويبقى فوق الحسابات السياسية خط آخر: الدم. فالمرجعية التي جعلت حقن الدماء والسلم الأهلي وحماية الدولة ثوابت لن تجعل اقتتالًا داخليًا مشروعًا لمجرد أن طرفيه يحملان الهوية نفسها. وهكذا تصبح الصورة واضحة: المرجعية تريد حقن الدماء، وإيران لا تريد إحراق نفوذها، والإطار يخشى انفجار الشارع، وواشنطن تمتلك الدولار قبل أن تحتاج إلى البندقية. فمَن بقي يحتاج فعلًا إلى حرب شيعية–شيعية؟

لا تخيفوا الشارع العراقي كل صباح بشبح «الحرب الشيعية–الشيعية»، ولا تصدّعوا رؤوسنا بادعاء أنها تقف خلف الباب. هذه ليست أمنية ولا رأيًا نطلب من أحد أن يتبناه؛ إنها قراءة لموازين المصالح كما هي على الأرض، كما يقرأها منطق المصلحة في العقل الاستراتيجي الغربي: المرجعية تريد حقن الدماء، وإيران لا تريد أن تحرق أوراق نفوذها بعضها ببعض، والإطار التنسيقي يخشى انفجار الشارع، و30 أيلول يضغط على الجميع، فيما تمتلك واشنطن سلاحًا أقل ضجيجًا وأشد إيلامًا من الرصاصة: «البعبع الدولاري» و«المنبوذ الاقتصادي».

هذه ليست أمنية، بل قراءة لموازين المصالح، كما يقرأها منطق المصلحة في العقل الاستراتيجي الغربي. فلماذا تفتح واشنطن باب حرب لا تعرف كيف تغلقه، وهي تستطيع رفع كلفة السلاح من دون إطلاق رصاصة؟

هذه ليست فرية مقابلة لفرية، ولا ضمانة بأن الرصاص لن ينطلق؛ إنها ببساطة قراءة للمصلحة. قد يقع صدام، وقد يكون طرفاه من الشيعة، لكن ذلك وحده لا يصنع «حربًا شيعية–شيعية». فمذهب البنادق يعرّف حامليها؛ أما سبب إطلاقها فهو الذي يسمّي الحرب. لذلك، إذا اندلع الصدام غدًا، فلا تسألوا أولًا عن مذهب من أطلق النار ومَن سقط بها؛ اسألوا: مَن كان يريد دولةً تحتكر السلاح، ومَن كان يريد سلاحًا يحتفظ بحق القرار خارج الدولة؟

عندها فقط سنعرف اسم الحرب الحقيقي.

اترك رد