منبر العراق الحر :
أمر مُخجِل أن يتكرَّرَ وضعُ الثقةِ في المبرهنين مِن سنين أنهم لا علاقة لهم بتدبير شؤون عامة ألاف الصناع التقليديين المنضوين تحت لواء غرفتهم الجهوية تحديداً ، وكان المفروض أن تشملَ الغربلة كل هؤلاء الذين ساهموا في إبقاءِ مَن اعتبرَ الموقعَ الذي يشغله وُجِد على قياس جسمه بين العشرات الأكفأ منه وحيداً ، الذي تجاوزته قيادة قطار يتطلب تغييراً يتناسب وطموحات الصناع التقليديين في هذه الجهة (طنجة/تطوان/الحسيمة) التي طالتها التعاسة حتى في هذا المجال التمثيلي المرتبط بقطاع له أهميته من حيث اكتساب القوت اليومي لمتعاطيه الذين يُجْهَل كم هم تعدادا . وكلما استمر هذا الوضع تقلص أمل الصناع التقليديين في إيجاد الحلول الداعية إلى ضبط التسيير بما يتطلبه الثلاثي الأساس الانصاف والمساواة وإحضار الضمير المهني تأكيداً ، وقبل الولوج للكثير من التفاصيل ذات الارتباط نتمعن باهتمام بالغ ما نستفرئ مضمونة من لدن المختصين ومنهم السيد أحمد بو حدادة المصرح كتابة بما يلي :
“”تعيش فئة واسعة من الصناع التقليديين والتعاونيات الصغرى والمتوسطة بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة وضعًا مقلقًا ، عنوانه التهميش، الإقصاء وغياب تكافؤ الفرص، في وقت يفترض فيه أن تكون مؤسسات القطاع فضاءً للإنصاف والمواكبة والدفاع عن مصالح جميع المهنيين دون تمييز أو محاباة. فالصناعة التقليدية ليست قطاعًا هامشيًا يمكن التعامل معه بمنطق المناسبات والصور والبروتوكولات؛ إنها قطاع اقتصادي واجتماعي وثقافي يشكل مصدر رزق لملايين المغاربة، ويحمل جزءًا أساسيًا من الذاكرة والهوية الوطنية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة هو: هل يستفيد جميع الصناع والتعاونيات من فرص المشاركة والدعم والترويج على قدم المساواة، أم أن هذه الفرص أصبحت حكرًا على دائرة محدودة من المقربين والموالين؟
التظاهرات أصبحت امتيازًا بدل أن تكون حقًا…
تتحدث فعاليات مهنية بالجهة عن ممارسات تقوم، حسب إفاداتها، على الانتقائية في اختيار المستفيدين من المعارض والتظاهرات والأنشطة المرتبطة بالصناعة التقليدية، حيث يجد عدد من الصناع والتعاونيات أنفسهم أمام طلبات مرفوضة أو أبواب مغلقة، بينما تتكرر أسماء معينة في مختلف المناسبات.
إن الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف مهني عابر، وإنما يطرح سؤالًا جوهريًا حول معايير الاستفادة وشفافية الاختيار وتكافؤ الفرص.
فالمعرض ليس ملكًا لمسؤول، والدعم العمومي ليس منحة شخصية، والتظاهرات المهنية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لمكافأة القرب أو الولاء. إنما هي آليات يفترض أن تخدم القطاع بكل مكوناته، وأن تفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، والتعاونيات الناشئة، والصناع الذين يكافحون من أجل الاستمرار.
صناعة تقليدية تختنق بالجهة … وتعاونيات تبحث عن منفذ .
المفارقة أن الخطاب الرسمي يتحدث باستمرار عن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وعن تشجيع التعاونيات، وتمكين الشباب والنساء، وتسويق المنتوج الوطني، وإدماج الحرفيين في الاقتصاد العصري.
لكن الواقع الذي يصفه عدد من المهنيين يبدو مختلفًا.
تعاونيات صغيرة تكافح من أجل اقتناء المواد الأولية، وتطوير منتجاتها، والولوج إلى الأسواق، والتعريف بمنتوجاتها، ثم تجد نفسها عاجزة عن الوصول حتى إلى أبسط منصات الترويج.
وصانع تقليدي راكم سنوات من الخبرة يجد نفسه خارج المعارض والملتقيات، بينما يتمكن آخرون من الحضور المتكرر والاستفادة من فرص التسويق والترويج.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: على أي أساس يتم الاختيار؟ ومن يراقب هذه المعايير؟ وهل يتم الإعلان عنها بشكل واضح؟ وهل توجد لجان مستقلة وشفافة لتحديد المستفيدين؟
القانون لا يعرف “الموالاة”
إن فلسفة العمل التعاوني والاقتصاد الاجتماعي تقوم على التضامن والمشاركة وتكافؤ الفرص، وليس على بناء شبكات من المحظوظين والمقربين.
كما أن تدبير المرفق والمؤسسات المهنية المرتبطة بالقطاع يجب أن يخضع لمبادئ الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن تكون خدمة المهنيين هي الغاية، لا تكريس النفوذ أو صناعة الولاءات.
ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن استعمال فرص المشاركة في التظاهرات كأداة للمحاباة أو الإقصاء يستوجب التوضيح والمساءلة المؤسساتية، ليس بهدف تصفية الحسابات، وإنما حمايةً للقطاع ولثقة المهنيين في مؤسساتهم.
الأخطر من الإقصاء… هو انسداد الأفق…
الأخطر في هذه الوضعية ليس فقط حرمان صانع من معرض أو تعاونية من فرصة للتسويق، وإنما ما ينتج عن ذلك من إحباط وفقدان الثقة وانسداد للأفق.
فعندما يشعر شاب أو حرفي بأن أبواب المستقبل مغلقة أمامه، وأن الفرص لا توزع وفق الكفاءة والاجتهاد وإنما وفق العلاقات، فإن الإحباط يتحول إلى رغبة في البحث عن مستقبل آخر.
ومن المؤسف أن يرتبط هذا الشعور لدى بعض الشباب والمهنيين بما عرفته المنطقة مؤخرًا من محاولات للهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة.
ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في العامل الاقتصادي وحده، لكن من الخطأ أيضًا تجاهل أن الإحساس بالتهميش وانعدام تكافؤ الفرص يمكن أن يكون جزءًا من البيئة التي تدفع بعض الشباب إلى فقدان الثقة في المستقبل داخل وطنهم.
فعلا لا نريد معارض للصور… بل عدالة في الفرص…
القطاع لا يحتاج إلى مزيد من المناسبات الشكلية التي تنتهي بانتهاء الصور والتغطيات الإعلامية.
ما يحتاجه الصناع والتعاونيات هو سياسة عمومية حقيقية تقوم على التكوين المستمر، والمواكبة التقنية والإدارية، والرقمنة، والتسويق، والولوج إلى التمويل، وفتح الأسواق، وحماية المنتوج الوطني، وضمان المشاركة العادلة في المعارض والتظاهرات.
كما تحتاج الجهة إلى منصة شفافة تعلن مسبقًا عن فرص المشاركة، وشروط الاستفادة، ومعايير الاختيار، وعدد المستفيدين، مع إمكانية التظلم والطعن في حالة الإقصاء.
فليس مقبولًا أن تبقى التعاونية الصغيرة في قرية أو منطقة جبلية تنتظر سنوات من أجل فرصة واحدة، بينما تستفيد جهات أخرى من التظاهرات نفسها بشكل متكرر.
رسالة إلى مسؤولي القطاع وخصوصا رئيس الغرفة :
إن الصناع التقليديين ليسوا مجرد أرقام في التقارير الرسمية، والتعاونيات ليست ديكورًا لتزيين البرامج والمهرجانات.
هؤلاء هم منتجو الثروة، وحملة الحرف والمهارات، وحراس جزء من الذاكرة الثقافية المغربية، ومصدر دخل لأسر كثيرة.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم من مسؤولي القطاع بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة هو الخروج من منطق الصمت والتبرير، وفتح حوار حقيقي مع المهنيين، ونشر معايير الاستفادة من التظاهرات والبرامج، والكشف عن كيفية اختيار المستفيدين، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الصناع والتعاونيات.
أما الاستمرار في سياسة الانتقائية، إن ثبتت، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الاحتقان وتوسيع دائرة فقدان الثقة.
فالعدالة الاجتماعية تبدأ من أبسط الأشياء: أن يحصل المجتهد على فرصته، وأن لا يُقصى لأنه ليس من المقربين، وأن لا يتحول الدعم العمومي إلى امتياز لفئة على حساب أخرى.
إن جهة طنجة–تطوان–الحسيمة في حاجة إلى صناعة تقليدية قوية، وتعاونيات قادرة على الإنتاج والتسويق والمنافسة، لا إلى صناعة تقليدية تعيش على الهامش.
وإذا كان الوطن يريد من أبنائه أن يتمسكوا به وأن يبنوا مستقبلهم داخله، فعليه أن يمنحهم أولًا الإحساس بالإنصاف، والكرامة، وتكافؤ الفرص.
فالذي يغلق أبواب الأمل أمام الحرفي لا يخسر صانعًا فقط، بل يخسر جزءًا من اقتصاد الوطن، ومن هويته، ومن ثقته في المستقبل””
(الصورة : أحمد بوحدادة – عضو غرفة الصناعة التقليدية بجهة طنجة تطوان الحسيمة)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان
في سيدني – أستراليا
منبر العراق الحر منبر العراق الحر