منبر العراق الحر :…. باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم….
منذ إعلان الوثيقة القادريةِ، والتي أصدرها الخليفةُ القادر بالله، وتضمنت «استتابة المعتزلة»، وإلا سيتم التنكيلُ بهم، وبالفعل تم تشريدُ المعتزلة ومطاردتهم بعد هذه الحقبة وتقتيلهم، وأمَرَ بعضُ الأمراء بلعْن المعتزلة على المنابر(١)، وتم حرْق كثير من مؤلفاتهم، واختفى كثير منها أيضًا، وبالتالي خَلَت الساحةُ لكل مَن أراد الكذب عليهم، ونسبة أشياء إليهم لا يمكن التحقق منها؛ فأصبح بذلك خصوم المعتزلة هم المتحدثين الرسميين بمذهب المعتزلة! فيفترون في حقهم كما يحلو لهم(٢)، إلى أن استطاعت البعثةُ المصرية، التي أُوفِدَتْ إلى اليمن، من الوقوف على عددٍ مِن مخطوطات المعتزلة، كبعض كتب القاضي عبد الجبار، وعلى رأسهم: موسوعة «المُغني»، أقولُ: منذ ذلك الحين الذي تم اضطهاد المعتزلة فيه؛ والعقل الإسلامي في تدهور شديد؛ بسبب مطاردة أكبر ممثليه: المعتزلة.
ولقد صادفَ اضطهادُ المعتزلة حاجةً في نفس الدَّهْماء، الذين لا يستطيعون إلا الاتباع، ومِن ثَمَّ كانت دعوةُ المعتزلة إلى التحرر العقلي، واستخدام التفكير العقلاني، شديدةً عليهم، وتَجْدُر بنا في هذا المقام، الإشارة إلى ما قاله غوستاف لوبون في كتابِهِ الشهير «سيكولوجية الجماهير»، إذ يقول:
إن الجماهيرَ غيرُ ميَّالةٍ كثيرًا للتأمُّل، وغير مؤهلةٍ للمحاكمةِ العقلية، ولكنها مؤهَّلة جدًّا للانخراط في العمل…ففي بعض الأحيان، يمكن لتكتُّلٍ ما من البشر أن يمتلك خصائصَ جديدةً، مختلفة تمامًا عن خصائصِ الفردِ عندما كان وحده وبمفرده بعيدًا عن جماعة ما، فعندئذ تُطمَس الشخصيةُ الواعية للفرد، وتصبح عواطف الجماهير هي المسيطرة والمُتَحَكِّمة والموجِّهة له(٣).
وهذا النص، قد يرشدنا إلى انجرافِ الأتباع خلْفَ الخطاب السائد، فكأن كل شخصٍ -على الغالب لا التعميم- فقدَ شخصيتَه، وأصبح يردد ما يُقال عن المعتزلة دون بينة، والعجيب أن بعضهم لا يستنكِفُ الأخْذَ عن ألَدِّ خصومِ المعتزلة، ثم بعد ذلك يزْعُم أن هذا هو مذهب المعتزلة بلا أدنى ريبٍ.
وإذا أردنا تحليلَ الأمر من منظورٍ اجتماعي، فيتضح لنا أنه ما مِن مذهبٍ -غالبًا- يستطيعُ البقاء والتوسع والتمدد، والسيطرة على العقل الجمعي لفترات تتجاوز القرون، إلا ويَغْلُبُ على الظنِّ أن هذا المذهب، أو الاتجاه الفكري، يَحمِلُ معه مسوِّغات بقائه(٤)، ولكن هل كلامي هذا مدحٌ للاتجاه والخطاب السائد؟ لم أُرِد ذلك؛ وإنما أعني بأنه «يَحمِلُ معه مسوِّغات بقائه» أي أنه -في الغالب- لابد أن تكون نظرياتُه لا تتضاد مع السُّلطات السياسية، خاصة الاستبدادية منها، لأنه من غير المعقول أن تكون نظريات هذا الاتجاه مناقِضَةً لمصالح السُّلطات السياسية، ثم يُنتظَر بعد ذلك أن تَسمحَ له هذه السلطاتُ بالبقاء والتمدد لهذا الخطاب المناقض لمصالحها.
ولو أردنا اختبارَ هذا المعيار الذي اصطلحتُ عليه، فالواقع هو أقوى اختبارٍ له، فلْننظُر: ما المذهبُ والاتجاهُ الفكري السائد حاليًا وعلى مدى قرونٍ مَضَتْ؟ سَنَجِدْ أن الاتجاهَ «الأشعري» والسلفي هو المسيطرُ على مدى القرون الماضية إلى الآن، ولو نَظَرْنا إلى لَمحةٍ على كُنْهِ هذا المذهب، على سبيل المثال، بأخْذِ قضيةٍ ونظريةٍ من نظرياته، لنطبِّق عليها ما قلناه، ولْيكن مثالنا عن:
قضية الجبْر والاختيار، أو القضاء والقدر، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، ما موقف الاتجاه الأشعري من هذه القضية؟ يتبلور الموقفُ الأشعريُّ في هذه القضية بالتبني الواضح للفكر الجبْري، الذي يرى أن الإنسان ليس له تأثير في أفعالِه، وإنما هي تَجري عليه بقدر الله؛ ومِن ثَمَّ فهو مُجبرٌ عليها، وأن هذا الجبْرَ لا محيصَ عنه(٥).
وإذا عَلِمنا أن هذا هو الموقف الأشعري من قضية الجبر والاختيار، ننتقلُ إلى السؤال عن «المستفيد» الأكبر من هذا القول، ففي تاريخنا، يذهبُ بعضهم إلى أن أولَ مَن قال بالجبْرِ وأظهره هو معاويةُ بن أبي سفيان، وقال إن ما يقوم به من أفعال إنما هي بقضاء الله وقدره، لِيَجعلَ هذا عذرًا له فيما يأتيه من أفعال، وأنه مصيبٌ فيه، وأن الله هو الذي اختاره إمامًا للناس!(٦).
وهنا نَعْلَمُ مِن أين يستمد المذهبُ الأشعريُّ فكرَه ومسوِّغاتِ وجوده، ولا أريد هنا أن أعمِّمَ تعميمًا شاملًا على أن «كل» مَن يقول بالجبر إنما هو داعمٌ للاستبداد ومستفيدٌ من ذلك، ولكننا نعيد قراءة النظريات بربطها بأبعادها الاجتماعية والسياسية، التي تُفسِّرُ لنا قدرًا كبيرًا من بقاء مذهب ما وأفول غيره -كمذهب متكامل- واضطهاده، وأعودُ وأقولُ: أعلِمْنا مع أي اتجاهٍ يتطابق الفكر الأشعري الجبري؟ إنه مِن المتوقع إذًا أن تميل الاتجاهاتُ الاستبدادية إلى الارتكان إلى نظريات هذا المذهب، وأنه من المفهوم أن طول عُمر هذا المذهب وبقائه، إنما يصب بشكل واضحٍ في مصلحة هذه الاتجاهات الاستبدادية، بينما على النقيض: هل يصلُح مذهبُ المعتزلة مع مثل هذا الاستبداد؟ إن مذهبَ المعتزلة يدعو إلى القول بحرية الإنسان، وأنه مختار لأفعاله، ومسؤول عنها، وبالتالي يُعَدُّ هذا القول حجرًا وعقبةً رئيسةً في طريق كثير من السُّلُطات، لأن مذهب المعتزلة سيحمِّلهم حينئذ المسؤوليةَ عما يصدر عنهم من أفعال وظلم وتجاوزات، وبهذا يشكِّلُ مذهبُ المعتزلة قلقًا واضطرابًا لهؤلاء، بينما المذهب الأشعري يُعَد «المُسكِّن» لهم، والمبرر لِما يصدر عنهم، وحينها يكون من المفهوم احتضان مثل هذه البيئة للأشعرية على نطاق واسع، وتشريد المعتزلة واضطهادهم بسبب نظرياتهم المُقلِقة من الناحية الاجتماعية.
ولا أدَّعي أن هذا المعيار «وحده» كفيلٌ بأن يفسرَ لنا كل شيء من هذا القبيل؛ وإنما هو معيار وعامل من ضمن العوامل التي نستصحبها في إعادة قراءة التراث وصلته بالحاضر والمستقبل، فهناك أيضًا «الطبيعة الجماهيرية»، كما أشرنا سابقًا إلى نص غوستاف لوبون، وقوله بأن الجماهير غير ميالةٍ إلى التأمل ولا المحاكمة العقلية، وإنما سِمة أغلب الجماهير: الاندفاع والميل إلى الشعارات المُلهِبة، حتى وإن كانت فارغة من المضمون والمعقولية والمنطق، وبهذا يمكن أن نَعُد ذلك الأمر عائقًا أيضًا من العوائق التي واجهت الفكر الاعتزالي، فهذا الفكر بطبيعته يرفع شعار العقلانية وتقديم العقل، وبناء على نص غوستاف لوبون، فإن هذه العقلانية لا تتناسب مع الجماهير، التي عادة ما يستهويها الركون إلى الاستقرار النفسي، وإبعاد القلق الذي يَنتجُ عن العقلانية وتوتراتها.
ثم هناك عامل ومعيار «الواقع والنهضة»، فأين موقع البلاد التي ساد فيها الفكر الأشعري بين الأمم؟ هل أدَّى انتشارُ هذا الخطابِ إلى تطور بلاده؟ هل نظرياته ساهمتْ في حل أزمات الواقع المُعاش؟ أو أنها ساهمت في النقيض، وتكريس الظلم والتبرير له وشَرْعَنَته، وبقاء الأوضاع كما هي عليه؟ ومحاولة إيجاد المستند الشرعي لتبرير الواقع المأزوم؟ إن كل هذه يُعَد مؤشرات على ما جناه الخطابُ السائد على الأمةِ، خاصة وأن هذا الخطاب يكرِّس لمبدأ التقديس، فلا يمكنك بعد هذا أن تقترب منه، أو من أعلامه خاصة «النجوم» منهم، بأي نقْد أو تفنيد لأطروحاته، لأنه حينها سيتهمك بالطعن في الدين، والتعدي على مقدساته، وبهذا يقطعون كلَّ الحبالِ التي يمكن أن نَنْفُذَ من خلالها إلى نهضة مرجوَّةٍ للأمة؛ فالسؤال يكاد يكون محرَّمًا طالما لا يتفق مع الطرح السائد، والثوابت في تنامي، حتى جعلوا الأشخاصَ أنفسهم -الذين يمثلون هذا الاتجاه- مُقدَّسين من الناحية العملية، حتى إذا أنكروا ذلك من الناحية النظرية، وكثرة الثوابت وتناميها سلاحٌ يُشهَرُ في وجه كل مَن أراد النقد للسائد، وبهذه العوامل مجتمِعَة، وغيرها، يمكن أن نستنتجَ ولو جزءًا من أسباب تخلفنا، والركود الذي حل على أمتنا.
ويمكننا كذلك الربْط بين التخلف الذي نحن فيه وبين أفول الفكر الاعتزالي، كاتجاه متكامل وقوي، مِن شأنه أن يَدْفَعَ عجلةَ التقدمِ والازدهار والحِراك الاجتماعي والفكري، وتشجيع العقول على الإبداع، لا تخويفها من التفكير، هذا الإبداع هو الذي مِن شأنه أنْ ينتشلنا من حالةِ الركود التي نعاني منها على كافة المستويات.
ـــــــ
هوامش المقالة:
ــــــــ
(١) ابن كثير، «البداية والنهاية»، (ط١، بيروت، مكتبة المعارف، ١٩٩٠م)، ١٢/٦.
(٢) عبد القاهر البغدادي، «الفَرْق بين الفِرَق»، تحقيق: د. محمد عثمان الخشت، (ط١، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ط)، ص ١٠٤: ١٠٦.
(٣) غوستاف لوبون، «سيكولوجية الجماهير»، ترجمة وتقديم: د. هاشم صالح، (ط١، بيروت، دار الساقي، ١٩٩١م)، ص ٤٥.
(٤) ولا أعني بذلك أن هذا الأمر حتميٌّ لا فرارَ منه؛ وإنما أردتُ إبرازَ عامل من العوامل المؤثرة على سير تاريخنا وسبب تراجعنا، ويمكننا التخلص من ذلك بالعمل على نشر الوعي، وأحياء الفلسفة وجعْلها منهجًا للحياة والتفكير، لا حصْرها في الدراسة الأكاديمية فقط، والصبر على النتيجة؛ فعقول الناس من العسير أن تتغير بين ليلة وضحاها؛ ولنا في أوروبا خير دليل على ذلك، وعلى إمكانية التخلص من الجمود والتحجر الفكري والتخلف، وقد أنفقَت أوروبا في ذلك وقتًا كبيرًا في مواجهة رجال الدين؛ حتى استتبَّ لها الأمرُ على ما هو عليه الآن.
(٥) الفخر الرازي، «مفاتيح الغيب»، (ط١، بيروت، دار الفكر، ١٩٨١م)، ١٥/٦٧.
(٦) القاضي عبد الجبار، «المغني في أبواب التوحيد والعدل»، تحقيق: د. توفيق الطويل ـ سعيد زايد، (ط١، القاهرة، المؤسسة المصرية للتأليف والترجمة والنشر)، ٨/٤.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر