ما قيمه الجنه اذا تركنا الأرض جحيما ؟؟ ***ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
لماذا لا نسمع شيخا أو فقيها يقول للناس: من شيد مدرسة، بنى الله له بيتا في الجنة؟
لماذا لا نسمع من يقول: من أنشأ مكتبة تفتح أبواب المعرفة أمام الفقراء، أو مستشفى يخفف وجع المرضى، أو مركزا للبحث العلمي، أو منح طفلا فرصة للتعلم، فله من الأجر ما يليق بعظمة ما صنع؟
أليس العلم صدقة؟
أليست إنقاذ حياة الإنسان من أعظم وجوه الرحمة؟
أليس تحرير العقل من الجهل عملا يستحق أن يكون له في ميزان الفضيلة مقام رفيع؟
المشكلة، في تقديري، ليست في الدين بقدر ما هي في أولويات الخطاب الديني حين يتحول إلى خطاب وعظي يختزل الخير في الشعائر، ويترك العمران الإنساني في الهامش. فحين يصبح التدين منفصلا عن الإنسان، يمكن أن ينشغل الناس كثيرا بما يفعلونه في علاقتهم بالسماء، وينسون ما يفعلونه في علاقتهم بمن يسيرون معهم على الأرض.
ما معنى أن تصلي كثيرا، بينما تترك إنسانا يتضور من الجوع؟
ما معنى أن تحفظ النصوص، بينما تعادي الآخر المختلف ؟
ما معنى أن تبحث عن طريق مختصر إلى الجنة، بينما تمر كل يوم بجوار إنسان يحتاج منك شيئا من الرحمة؟
نحن في حاجة إلى خطاب يقول للناس إن بناء مدرسة ليس أقل شرفا من بناء مسجد، وإن إنشاء مستشفى قد يكون في جوهره عبادة للرحمة، وإن تأسيس مكتبة قد يكون نوعا من بناء الإنسان، وإن تمويل بحث علمي قد يكون صدقة ممتدة الأثر؛ لأن المعرفة التي تمنحها لإنسان قد تنتقل منه إلى مئات وآلاف، كما تنتقل النار من شعلة إلى أخرى دون أن تنقص الأولى.
فالخير ليس فكرة معلقة في السماء؛ الخير أثر يحدث هنا، على الأرض، في جسد مريض، وفي عقل طفل، وفي حياة امرأة، وفي مستقبل مجتمع.
و في وجهه نظري. الطبيب الذي يسهر على مريض لا يعرفه، والباحث الذي يقضي سنوات في مختبر بحثا عن علاج، والمعلم الذي يوقظ في طفل فقير شهوة المعرفة، والمثقف الذي يحارب الخرافة بالفكرة، والإنسان الذي يمنح محتاجا كرامته قبل أن يمنحه ماله؛ هؤلاء جميعا يمارسون شكلا عميقا من العبادة الإنسانية
لكن ثمة سؤالا أكثر عمقا: لماذا نحتاج أصلا إلى وعد بالجنة حتى نفعل الخير؟
ألا ينبغي أن تكون حياة الإنسان نفسها جديرة بأن نخفف آلامها، ونوسع إمكاناتها، ونمنح أبناءها فرصة أفضل للحياة، حتى لو لم يكن وراء ذلك ثواب موعود؟
هنا تبدأ الأخلاق في الارتقاء من منطق المكافأة إلى منطق المسؤولية.
فالإنسان الذي يبني مستشفى لأنه يحب الإنسان، لا لأنه ينتظر قصرا في السماء، قد يكون قد بلغ درجة أكثر نضجا في الفعل الأخلاقي؛ لأنه لم يعد يسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟ بل يسأل: ماذا يستطيع وجودي أن يمنح لهذا العالم؟
فإذا كان الإنسان لا يتصدق إلا طمعا في الجنة، ولا يكف عن الظلم إلا خوفا من النار، فإن أخلاقه لا تزال واقفة على عتبة المصلحة؛ إنه لم يصل بعد إلى تلك المنطقة النادرة التي يصبح فيها الخير غاية في ذاته
إن أعظم صدقة قد لا تكون شيئا نضعه في يد فقير، بل شيئا نضعه في عقل إنسان.
وقد تكون أعظم عبادة أن تجعل الحياة أقل قسوة على الآخرين.
لماذا نبحث دائما عن طريق إلى السماء، بينما يمكن أن يكون أحد أكثر الطرق نبلا إليها هو أن نجعل الحياة على الأرض أقل بؤسا، وأكثر معرفة، وأوسع حرية، وأشد إنسانية. وربما لا يحتاج الله إلى بيوت إضافية في السماء بقدر ما يحتاج الإنسان إلى بيوت تحفظه من البرد، ومدارس تنقذه من الجهل، ومستشفيات تنقذه من الموت، ومكتبات تنقذه من العيش بعقل مستعار.
فإن كان ثمة جنة تستحق أن نبحث عنها، فلنبدأ ببنائها هنا…
على هذه الأرض التي تركناها طويلا للفقر والجهل والخوف، ثم رفعنا أعيننا إلى السماء نسألها النجاة.
فالسماء لا تحتاج إلى أيدينا كي تعمر… أما الأرض، فتنتظرنا.
أيها الإنسان…
يا من أفنيت عمرك تسأل عن الطريق إلى السماء، بينما نسيت الطريق إلى الإنسان.
يا من تحفظ أسماء أبواب الجنة، ولا تعرف اسم الجائع الذي مر بجوارك.
يا من تخشى أن تفوتك حسنة صغيرة، ولا يؤرقك أن يعيش إنسان في محيطك بلا علم، ولا كرامة، ولا فرصة.
أيها الإنسان، لا تجعل علاقتك بالله ذريعة لقسوتك على خلقه، ولا تجعل العبادة بديلا عن الرحمة، ولا تجعل التدين حجابا يحجب عنك أخيك الإنسان. مهما كانت عقيدته
إن كان الله قد خلقك حرا، فلا تحوّل نفسك إلى تابع.
وإن منحك عقلا، فلا تسلمه لأحد.
وإن منحك قلبا، فلا تجعله يعتاد رؤية الألم حتى يفقد قدرته على الارتجاف.
أيها الإنسان…
لا تجعل الخير صفقة بينك وبين السماء؛ اجعله موقفا أخلاقيا منك تجاه الحياة.
ابتهال عبدالوهاب.

اترك رد