منبر العراق الحر :
مَهْلًا…
لا تضعِ الإنسانَ
في جملةٍ واحدة.
فالعمرُ أطولُ من خطأ،
والروحُ أوسعُ من ذنب،
والقلبُ الذي أوجعكَ يومًا
قد يكونُ هو نفسه
الذي أوجعتهُ الحياةُ
قبلَ أن يعرفَ كيفَ يردُّ عليها.
مَهْلًا…
فأنتَ لا ترى
إلّا ما أظهرتهُ اللحظة،
ولا تعرفُ كم حربًا
انتهتْ في صدره
دونَ أن يسمعَ بها أحد.
رأيتَهُ قاسيًا،
ولم ترَ كم مرّةً
كانَ عليهِ أن يكونَ قاسيًا
كي لا ينهار.
رأيتَهُ صامتًا،
ولم تسمعْ الكلماتِ
التي ماتتْ على شفتيهِ
لأنَّهُ تعلّمَ مبكرًا
أنَّ بعضَ البوحِ
لا يجدُ صدرًا أمينًا.
ورأيتَهُ يخطئ،
فأسرعتَ
إلى اسمِ الخطأ،
ونسيتَ اسمَ الإنسان.
⸻
يا هذا…
ليسَ العدلُ
أن تعرفَ أينَ أخطأ الآخر،
ثمَّ تنامَ مطمئنًا
إلى صوابِك.
فالعدلُ أصعب:
أن تقفَ في المسافةِ الضيّقة
بينَ ما فعلهُ
وما دفعهُ إلى فعله.
أن تقول:
نعم، لقد أخطأ…
لكنَّني لا أعرفُ
كم كانَ وحيدًا
وهو يخطئ.
لا أعرفُ
كم مرّةً طلبَ النجاة،
فجاءتهُ الحياةُ
ببابٍ آخرَ مغلق.
ولا أعرفُ
أيَّ نسخةٍ من نفسه
كانَ يحاولُ أن ينجو منها.
⸻
نحنُ عجيبون…
نغفرُ لأنفسنا
أعقدَ الأخطاء،
ونضعُ للآخرين
ميزانًا دقيقًا
لا يرحمُ ذرة.
إذا أخطأنا
قلنا:
«كنتُ متعبًا.»
وإذا أخطأ غيرنا
قلنا:
«هذهِ طبيعته.»
نطلبُ لأنفسنا
سياقًا كاملًا،
ثمَّ نمنحُ الآخرين
مشهدًا واحدًا
ونُصدرُ الحكم.
كأننا نقرأُ الكتابَ كلَّهُ لأنفسنا،
ثمَّ نحكمُ على الآخرين
من سطرٍ مبتور.
⸻
وليسَ الإنسانُ
ما فعلهُ حينَ ضاقتْ بهِ الدنيا.
الإنسانُ أيضًا
ما حاولَ أن يكونَهُ
بعدَ ذلك.
فلا تجعلْ عثرتهُ
وطنَهُ الأخير.
فالذينَ سقطوا
ليسوا جميعًا
قد أحبّوا السقوط.
بعضُهم
ظلَّ طوالَ الليل
يحاولُ أن يجدَ
في داخلهِ
مكانًا يقفُ فيه.
وبعضُهم
لم يكنْ شريرًا…
كانَ فقط
مُتعبًا إلى الحدِّ
الذي جعلَ دفاعَهُ
يبدو كعدوان.
⸻
وما أكثرَ الذينَ
نحاكمهم
لأنهم لم يعرفوا
كيفَ يشرحونَ جراحهم.
كم شخصًا
قلنا عنه:
«بارد.»
وكانَ داخلهُ
بحرٌ كامل
يخشى أن يفيض.
وكم امرأةٍ
سمّينا صمتَها غرورًا،
وكانَ الصمتُ
آخرَ ما بقيَ لها
من كرامة.
وكم رجلٍ
حسبناهُ متكبّرًا،
وكانَ يخفي
تحتَ كتفيهِ
طفلًا لم يتعلّم
أن يطلبَ العون.
⸻
لهذا…
إذا لم تفهمْ أحدًا،
اتركْ للحقيقةِ وقتَها.
فبعضُ الأشياء
لا تُفهمُ بالنظر،
بل بالانتظار.
وبعضُ القلوب
لا تفتحُ أبوابَها
لمن يطرقُها بالحكم.
اقتربْ إن استطعت،
واسألْ إن كانَ السؤالُ رحيمًا،
واصمتْ إن كانَ الصمتُ أرحم.
لكنْ لا تجعلْ جهلَكَ بحقيقةِ إنسان
دليلًا على سوء إنسان.
⸻
ثمَّ انظرْ إلى المرآة…
لا تلكَ التي تُريكَ وجهَك،
بل تلكَ التي لا تكذب.
تأمّلْ كم نسخةً منك
مرّتْ بك
ولم تعدْ تعرفُها.
ذلكَ الذي كنتَهُ حينَ غضبت،
والذي كنتَهُ حينَ خفت،
والذي كذبتَ فيهِ
كي تحمي شيئًا تحبُّه.
ذلكَ الذي قلتَ لهُ بعدَ سنوات:
«كيفَ فعلتُ هذا؟»
ومع ذلك…
لم تُسقطْ اسمَك
عن كلِّ ما فعلت.
فلماذا تفعلُها بغيرك؟
⸻
أنا لا أقولُ:
سامحْ كلَّ شيء.
فالرحمةُ ليستْ غباء،
والعفوُ ليسَ إذنًا بالتكرار،
والقلبُ الذي يحبُّ
يحقُّ لهُ أن يضعَ حدودًا.
ارحلْ عن الأذى
إن كانَ بقاؤكَ يؤذيكَ.
أغلقِ الباب
إن صارَ مفتوحًا للجرح.
قلْ «لا»
حينَ تكونُ «لا»
أصدقَ ما فيكَ.
لكنْ حينَ ترحل،
لا تُحوّلِ الرحيلَ
إلى محكمة.
وحينَ تضعُ حدًّا،
لا تجعلْ من الحدِّ سيفًا.
يمكنكَ أن تنقذَ نفسك
دونَ أن تُهينَ من تركت.
يمكنكَ أن تقولَ:
«لقد آذيتني،
ولذلك سأمضي.»
دونَ أن تقول:
«أنتَ لا تستحقُّ
أن تكونَ إنسانًا.»
فثمةَ فرقٌ
بينَ أن تحمي قلبَك
وأن تقتلَ قلبَ الآخر.
⸻
ولستُ أدعو إلى الضعف.
أنا أدعو إلى
ذلكَ النوعِ النادر
من القوة:
أن تستطيعَ الانتقام
ثمَّ لا تفعل.
أن تملكَ الحقيقة
ولا تلوّحَ بها
فوقَ رأسِ من أخطأ.
أن تعرفَ موضعَ الجرح
ثمَّ لا تضغطَ عليه.
أن تقولَ:
«أستطيعُ أن أؤذيكَ
كما آذيتني،
لكنني لن أسمحَ
لألمِكَ أن يختارَ لي
من أكون.»
تلكَ هيَ النجاة.
⸻
فلا تُكثرْ من اليقين
في عالمٍ
يُخفي نصفَهُ في الظلام.
حينَ ترى إنسانًا
في أسوأِ حالاته،
تذكّرْ أنَّكَ
لم تصلْ إليهِ
في بدايةِ الحكاية.
ولستَ تعرفُ
كم صفحةً
مزّقتها الأيامُ منه.
قد تكونُ أنتَ
اللقطةَ الأخيرة
التي رآها العالمُ فيه،
لكنَّ اللهَ وحدَهُ
يعرفُ الحكايةَ كلَّها.
نحنُ نرى الأبواب،
ولا نعرفُ ما خلفَها.
نرى الدموع،
ولا نعرفُ
أيَّ موتٍ صغيرٍ
سبقَها.
نرى الغضب،
ولا نرى
الخوفَ الذي أنجبه.
نرى اليدَ حينَ تدفع،
ولا نرى القلبَ
حينَ كانَ يستغيث.
⸻
ولعلَّ أجملَ ما في الإنسان
أنَّهُ قابلٌ للتبدّل.
فالذي أخطأ أمس
قد يحملُ غدًا
وردتَهُ الأولى.
والذي ضلَّ
قد يصبحُ
أكثرَ الناسِ معرفةً بالطريق.
والندمُ
ليسَ دائمًا ضعفًا؛
أحيانًا
هوَ أولُ شكلٍ
من أشكالِ النور.
فلا تغلقِ البابَ
في وجهِ إنسان
بدأ أخيرًا
يفهمُ نفسه.
⸻
وفي آخرِ العمر…
حينَ تهدأُ الخصومات،
وتصغرُ أسماءُ الأشياء،
وتعودُ كلُّ المعارك
إلى حجمِها الحقيقي،
لن تسألَ روحُكَ:
كم مرّةً كنتُ على حق؟
بل ربما تسأل:
كم قلبًا
مرَّ بي
ولم أزدْهُ انكسارًا؟
كم مرّةً
كانَ بإمكاني
أن أكونَ قاسيًا
واخترتُ ألّا أكون؟
كم إنسانًا
عرفَ بعدَ لقائي
أنَّ الرحمةَ
ما زالتْ ممكنة؟
⸻
لهذا…
مَهْلًا.
قبلَ أن تُسمّيَهُ خائنًا،
اسألْ عن الجرح.
قبلَ أن تُسمّيَها باردة،
اسألْ عمّا أطفأها.
وقبلَ أن تقولَ:
«هذا إنسانٌ سيّئ.»
اتركْ في حكمكَ
مكانًا صغيرًا
لاحتمالِ أنَّكَ
لم تعرفْ حكايتهُ بعد.
فالإنسانُ
ليسَ ما فعلَهُ فقط.
الإنسانُ
ما فعله،
وما ندمَ عليه،
وما تعلّمه،
وما قاومَهُ في داخله،
وما أصبحَهُ
بعدَ أن عرفَ
أنَّهُ كانَ مخطئًا.
⸻
مَهْلًا…
فقد يأتي يومٌ
تحتاجُ فيهِ
إلى الرحمةِ نفسها
التي منعتَها عن غيرك.
وقد تجلسُ
في الجهةِ الأخرى
منَ الميزان.
وحينها
لن تتمنى
قاضيًا أعمى،
ولا قلبًا ساذجًا…
بل إنسانًا
يرى خطأكَ كاملًا،
ثمَّ يرى إنسانيتكَ أيضًا.
إنسانًا يقول:
«نعم، لقد أخطأتَ…
لكنَّ الخطأَ
ليسَ اسمَك الأخير.»
⸻
فأشدُّ ما يختبرُ الإنسانَ
ليسَ حينَ يُظلم،
بل حينَ تُعطى لهُ
فرصةُ أن يظلمَ
ولا يُحاسَب.
ومعرفةُ جرحِ إنسان
ليستْ رخصةً
للمسِّ عليه.
وإذا لم تستطعْ
أن تُنقذْ أحدًا،
فلا تكنْ أنتَ الغرق.
وإذا لم تستطعْ
أن تُحبَّه،
فلا تكرهه.
وإذا لم تستطعْ
أن تفهمه،
فلا تُهِنْه.
وإذا كانَ لا بدَّ
أن ترحل…
فارحلْ
دونَ أن تُطفئَ
آخرَ نافذةٍ
في قلبه.
⸻
لأنَّنا، في النهاية،
لسنا سوى عابرين
في حياةِ بعضنا.
نتركُ كلمة،
نظرة،
جرحًا،
يدًا،
أو نجاة.
وقد لا نتذكّر
ما قلناهُ ذاتَ يوم،
لكنَّ قلبًا ما
قد يحملُهُ
سنوات.
فاخترْ ما تترك.
فالناسُ ينسونَ وجوهَنا،
وينسونَ أصواتَنا،
وينسونَ كثيرًا
من تفاصيلِنا…
لكنهم لا ينسونَ
كيفَ جعلناهم
يشعرونَ بأنفسهم.
⸻
وأنا…
لا أريدُ أن أكونَ
امرأةً تعرفُ كيفَ تحكم.
أريدُ أن أكونَ
قلبًا يعرفُ
متى يتوقّفُ عن الحكم.
أن أرى الخطأَ
ولا أعبدَه.
أن أرى الجرحَ
ولا أستعملَه.
أن أعرفَ الحقيقةَ
ولا أفقدَ الرحمة.
أن أضعَ حدودي
دونَ أن أبنيَ سجنًا
في قلبي.
أن أمضي
حينَ يجبُ أن أمضي،
وأغفرَ حينَ أستطيع،
وأتركَ لكلِّ إنسان
مساحةً صغيرةً
بينَ ماضيه
وبينَ ما يمكنُ أن يصبحَهُ.
فربما…
لم تكنِ الرحمةُ
أن نبرّئَ أحدًا.
ربما كانتْ
أن نرفضَ اختصارَهُ
في ذنبه.
وربما كانَ النضجُ
أن نصلَ، بعدَ عمرٍ منَ الأحكام،
إلى هذهِ الجملة:
«أنا لا أعرفُ
الحكايةَ كلَّها.»
ولهذا…
سأتمهّل.
ولهذا…
لن أُدينَ أوّلًا.
وحينَ أضعُ
الميزانَ بينَ يدي،
سأتركُ فيهِ
مكانًا للعدل…
ومكانًا أوسعَ
للرحمة.
— رانية مرجية
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر