بغداد… «هيبة المركز».. بين قسد والفصائل والبيشمركة … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

حين دخل مظلوم عبدي قصر دمشق مستشارًا بعد أن كان قائدًا لقوة عسكرية تسيطر على مساحة واسعة من سوريا، لم تكن الحكاية في الرجل، بل في انتقال القرار من الخريطة إلى الدولة. ذابت قسد كقوة مستقلة، وبقي الكرد وبقيت السياسة. لم تنتصر دمشق لأنها ألغت مكوّنًا، بل لأنها استعادت وظيفة لا تكتمل الدولة من دونها: أن يكون قرار السلاح واحدًا.

ليس العراق سوريا، وليست الفصائل قسد، وليست البيشمركة أيًّا منهما. لكل بندقية تاريخها وشرعيتها وقانونها. لكن اختلاف الولادات لا يلغي السؤال الذي تصل إليه البنادق جميعًا: مَن يملك قرار الحرب والسلم؟ فالتاريخ يستطيع أن يمنح البندقية شرعية ولادتها؛ لكنه لا يمنحها حق الخلود خارج الأمر الوطني.

لهذا تبدو النقاط العشر التي طرحها أبو آلاء الولائي أهم من كونها شروطًا لتنظيم السلاح. إنها، من حيث أرادت أو لم ترد، تعيد تعريف المشكلة بلغة الدولة: خروج القوات الأجنبية، ضبط الحدود والمنافذ، حماية الأجواء، تعزيز الدفاع الجوي، وإنهاء مصادر التهديد عبر الحدود. ثم جاء هادي العامري ليؤكد أن تنظيم السلاح شأن عراقي، وأن الصدام بين الدولة و«المقاومة» ليس طريق الحل. وهنا يصبح السؤال أدق: إذا اكتملت السيادة التي تطالب بها البندقية، فهل تقبل البندقية أن تصبح السيادة بديلًا عنها؟

والأكثر دلالة أن بعض هذه الشروط حمل الجيش العراقي شمالًا، إلى حدود إقليم كردستان مع إيران، لضمان ألا تصبح الأرض العراقية منطلقًا للاعتداء على «الجارة إيران». وهذه ليست تفصيلة حدودية؛ إنها اعتراف بمبدأ بالغ الثقل: أن بغداد هي التي ينبغي أن تضمن أمن الحدود وتقرر ما ينطلق منها. لكن السيادة لا تعمل باتجاه واحد. إذا كان من حق الدولة أن تمنع بندقيةً من الانطلاق من كردستان نحو إيران، فمن واجبها أن تمنع أي بندقية من الانطلاق من أي مكان في العراق نحو أي دولة من دون قرارها. السيادة التي تتغير باختلاف الجهة ليست سيادة؛ إنها توزيع انتقائي لحق الدولة.

ومن هنا تدخل البيشمركة إلى الصورة، لا بوصفها قسد عراقية ولا فصيلًا مسلحًا آخر. لها وضعها القانوني داخل النظام الاتحادي، لكن الشرعية القانونية لا تلغي سؤال وحدة الأمر. لهذا تعمل أربيل نفسها على إنهاء ازدواج القوات الحزبية وتوحيد البيشمركة تحت وزارة واحدة؛ لأن المؤسسة لا تصبح وطنية بمجرد الاعتراف بها، بل حين يصبح أمرها المؤسسي أعلى من أمر الحزب. وقد يكون انتهاء برنامج الرواتب الأميركي المباشر، مع استمرار التدريب والتجهيز، إشارة إلى انتقال أثقل: الخارج يستطيع أن يمول وظيفة أمنية، لكنه لا يستطيع أن يكون سند ملكية لها.

وفي الخلفية يقترب انتهاء المهمة المتبقية للتحالف الذي استدعاه العراق أصلًا عام 2014 عندما اجتاح داعش أرضه. لذلك لا يحتاج الثلاثون من أيلول إلى أسطورة «تحرير» جديدة؛ قيمته أعمق من ذلك. الدولة التي طلبت العون حين احتاجته هي نفسها التي يفترض أن تستعيد اليوم كامل مسؤولية أمنها. خروج الوظيفة الأجنبية لا يصنع السيادة وحده؛ إنما يزيل آخر الأعذار أمام اكتمالها.

وهنا تصل الشرائط كلها إلى بغداد. لا بغداد المحاصصة والطائفة والحزب، بل بغداد الدولة المدنية الديمقراطية التي تتسع للعربي والكردي، للمسلم والمسيحي، ولتعدد العراق كله. فـ«هيبة المركز» ليست أن ينتصر المركز على أطرافه، ولا أن تستبدل البلاد تعدد البنادق ببندقية سلطة متغولة. هيبة المركز أن تصبح الدولة أقوى من الحاجة إلى مركز آخر خارجها.

قسد تضع أمام العراق مرآة، لا نموذجًا. والفصائل تواجه سؤال ما بعد شرعية الضرورة، والبيشمركة تواجه سؤال ما بعد ازدواج القيادة، وبغداد تواجه السؤال الأصعب: هل أصبحت دولةً تستحق أن يُسلَّم إليها القرار؟

فالدولة لا تكتمل حين تجمع البنادق في مخزن واحد، بل حين تجمع أسباب حملها تحت إرادة واحدة. ولا تُقاس هيبة المركز بعدد البنادق التي ينتزعها من أيدي أصحابها، بل بعدد البنادق التي لم يعد أصحابها يجدون سببًا لبقائها خارجه.

هناك فقط تصبح بغداد عاصمةً للجميع… ويصبح السلاح عراقيًا لأنه لا يحتاج إلى صفة أخرى.

اترك رد