هدم البيوت ومطاردة السكان: من يحمي أبناء الأغلبية العراقية؟! رياض سعد

منبر العراق الحر :

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وإلى هذه اللحظة، لم تنفك سياسات التوريط عن جميع الحكومات العراقية المتعاقبة؛ إذ اعتمدت تلك الحكومات سياسات إفقار وتوريط بحق المواطنين، ومن أبرز مصاديق هذه السياسات حرمان أبناء الأغلبية العراقية من حقهم الطبيعي في الحصول على قطعة أرض سكنية من الدولة، بينما وزّعت الحكومات المتعاقبة – التي هيمنت عليها فئات محدودة – الأراضي الزراعية الشاسعة والمساحات السكنية الواسعة على أبناء طائفة دون أخرى ( الاقلية السنية ) ، كما عالج المسؤولون الأكراد أزمة السكن عبر تشييد العمارات الكبيرة والمجمعات السكنية الحديثة، فضلاً عن توزيع الأراضي بأسعار رمزية وتكاليف بناء منخفضة.

أما في مناطق الأغلبية العراقية، فالصورة مختلفة تماماً، وكأنك تعيش في دولة أخرى؛ فلم توزّع الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003 قطع أراضٍ على أبناء تلك المناطق، ولم تبنِ لهم مجمعات سكنية بأسعار مناسبة، فعاشوا أزمة سكن حادة، بينما وقفت الحكومات موقف المتفرج، دون أن تتحرك لتوزيع شبر واحد على فقراء الأغلبية ومحتاجي الأمة العراقية. ولجأ المواطنون إلى شراء الأراضي الزراعية والعامة من عصابات ومافيات مرتبطة بأحزاب سياسية وفصائل مسلحة، وبأسعار خيالية، وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل بناء بيوتهم وتشييدها، مع علم الحكومات يقيناً بهذا الواقع، ومعرفة من يقف وراء بيع تلك الأراضي، لكنها تفرجت، بل وعد بعض الساسة والمسؤولين المواطنين بتمليك الأراضي كذباً وزوراً.

وما إن أكمل المواطنون البناء، وتعاونوا فيما بينهم على تزويد مناطقهم بالخدمات العامة – كالمجاري، وتبليط الشوارع، وإنشاء الأرصفة، ونصب أعمدة الكهرباء – واستقروا فيها وتنفسوا الصعداء، حتى انهالت عليهم الشفلات الصفراء التابعة لأمانة بغداد والمجالس البلدية في المحافظات التي يسكنها أبناء الأغلبية العراقية، فتم تدمير تلك المناطق وتهديم البيوت التي كلّفت المواطنين المليارات والاموال الطائلة والجهود الكبيرة .

وبينما تنهمر دموع النساء والأطفال والشيوخ، وتتسرب آهات الرجال المتعبين من بين الأنقاض، تخرج علينا صفحات إعلامية رسمية وشبه رسمية تصوّر مشاهد التهديم، مصحوبة بأناشيد وأغاني حماسية دينية ووطنية، وكأنهم يقاتلون أعداءً خارجيين، أو يحققون نصراً مؤزراً على دول تعتدي على سيادة العراق وتنهب ثرواته!

وتظهر تلك المشاهد مسؤولي الأمانة والمجالس البلدية وهم يتبخترون في مشيتهم، ويستعرضون قوتهم على الناس الضعفاء والبسطاء، ويطلقون كلمات عنصرية نابية وتهديدات فجة، وكأنهم يمارسون طقساً من طقوس الانتصار على عدو وهمي.

عندما تشاهد تلك المشاهد، تشعر وكأن الناس في العراق لا ينتمون إلى دولة واحدة، ولا تجمعهم وشيجة الأمة العراقية؛ فبعض المسؤولين والقادة والساسة لا يمتون بصلة للعراق والعراقيين، بل هم أبناء فئات هجينة أو أتباع خط منكوس، لذا تراهم يفرحون بتوريط العراقيين وإيقاعهم في أفدح الخسائر.

إن هذه الصور ليست مجرد وثائق هدم، بل هي مرايا تعكس تشظي الهوية العراقية، وانكسار عقد المواطنة، وتحول السلطة إلى أداة إقصاء، والمكان إلى ساحة صراع.

ولا أدري ما الرسالة الإعلامية التي يتوخاها البعض من هذه البوستات والفيديوهات التي تظهر الشفلات الصفراء وهي تهدم بيوت المواطنين على رؤوسهم، بينما يحتفل المسؤول بذلك، ولا يوفر بديلاً لائقاً، بل ينشر اهازيج وأناشيد حماسية وكأنه يقاتل أعداءً؟!

أهي رسالة ترهيب؟!

أم إعلان هزيمة أخلاقية؟ أم مجرد مسرحية عبثية يدفع ثمنها الفقراء؟

إن ظاهرة تفليش البيوت السكنية في مناطق التجاوزات والمناطق الزراعية بعد اكتمال البناء، ليست مجرد إجراء إداري أو قانوني، بل هي أزمة وجودية تعكس علاقة الدولة بالمواطن، وتكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية.

إنها صرخة جدار في وجه المدينة الموعودة، حيث يتحول الحلم السكني إلى كابوس هدم، وتصبح الأنقاض شاهداً على غياب الدولة، أو حضورها بوجهها القمعي وحده.

في فلسفة المكان، يُعتبر البيت امتداداً للذات، ووعاءً للذاكرة، ومكاناً للطمأنينة… , حين يُهدم، لا يُهدم جدار فقط، بل يُهدم جزء من كرامة الإنسان، وتُشطب صفحة من ذاكرته، وتُسلب حيزه الوجودي… ؛ إنها جريمة ضد الزمان والمكان معاً، لأن البيت ليس مجرد مترات من الإسمنت، بل هو تاريخ عائلة، وأحلام أطفال، وتعاقب أجيال.. , وهدمه يعني محو هذا التاريخ بغفلة، أو بقسوة، أو بسياسة متعمدة.

أما البعد النفسي، فهو أعمق؛ فالبيت يمثل الملجأ الآمن، وهو رمز الاستقرار والهوية.. , حين يُهدم البيت، يشعر الإنسان بأنه طريد في وطنه، وأنه يعيش في منفاه الداخلي، مما يولّد مشاعر العجز والغضب والاغتراب، ويدفع إلى التمرد الصامت أو اليأس المدوي.

إن هدوء المشاهد المذعورة أمام الكاميرات لا يعكس سوى ذهول الصدمة، بينما الكاميرات تلتقط تفاصيل الهدم وكأنها توثّق انتصاراً لا مأساة.

أما على المستوى السياسي، فتكشف الظاهرة عن خلل جوهري في مفهوم العدالة الاجتماعية، وعن استمرار سياسة التهميش الممنهج، حيث تتغذى السلطة على ضعف المواطن، وتستثمر أزماته لتعزيز هيمنتها.

إن التهاون في توزيع الأراضي، والتواطؤ مع مافياتها، ثم الهدم العنيف، كلها حلقات في سلسلة واحدة من سياسة تهدف إلى إبقاء المواطن في حالة من التبعية والهشاشة.

وفي العمق الفلسفي، تطرح الظاهرة أسئلة كبرى: ما معنى المواطنة في دولة تُهدم بيوت مواطنيها بفرح؟

ما معنى السيادة حين تكون أدواتها موجّهة ضد أبناء الشعب؟

وأين دور العدالة إن كان القانون يُطبّق بشكل انتقائي؟

إنها أسئلة تفضي إلى أزمة شرعية، وإلى تساؤل عن غاية الدولة من وجودها، وعن حدود السلطة في مواجهة حقوق الإنسان الأساسية.

 

ختاماً، تبقى الشفلات الصفراء أيقونة مؤلمة في الذاكرة العراقية المعاصرة، أيقونة تجمع بين عبثية المشهد ووجع الإنسان، بين ضجيج الأناشيد وصمت الأنقاض، بين تبختر المسؤول وبكاء الثكالى.

إنها تستدعي وقفة جادة، ليس فقط لمراجعة السياسات الإسكانية، بل لإعادة النظر في علاقة الدولة بالمواطن، وفي مفهوم العدالة، وفي فلسفة المكان داخل الدولة الحديثة… ؛ فالمدينة لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالكرامة والثقة، والبيت لا يكون بيتاً إلا إذا كان سقفه يحمي، لا أن يكون سقفه يتهدّم فوق رؤوس أهله.

 

اترك رد