منبر العراق الحر :
في القلبِ ثُقبٌ مُثخَنُ الأوزارِ
يَنعي المَدَى مِن كُـوَّةِ الأغوارِ
في ثُقبِهِ نـايٌ ، يَئِنُّ بنَزفِهِ
بدمي أَسالَ الروحَ مِن قيثاري
مِن نفسِهِ قَلِقٌ ، يُحَرّضُ نفسَهُ
مازالَ يُبدي جُرحَهُ و يُواري
أشقَى جَوادي في غُرورِ صهيلِهِ
في (كربلاءَ) صَداهُ ، في (ذي قَارِ)
نِصفي معي ، أَشقَيتُهُ في غُربَتي
و تَرَكتُ نصفي ذاوياً في الدارِ
في خَيطِ أشرعتي الجَبانةِ أَبحَرَتْ
سُفُني .. ليَشقَى البحرُ في البحّارِ
أمضي .. وفي جسدي مَواخِرُ رحلتي
مُتَوَثباً في اليَمِّ دونَ صَواري
في لُجّةِ البحرِ الخِضَمِّ تَقاذَفَتْ
بي كَفُّ أمواجٍ بلا أقدارِ
جُرحاً بجُرحٍ قد جَمَعتُ لآلئي
و الآنَ إن الجُرحَ جُرحُ مَحاري
أَستَلُّ كُنهَ العِهنِ مِن كينونَتي
مِني أنا المَذبوحُ في أشطارِ
ماذا بحَلقي غيرُ غُصّةِ غُربَةٍ
حَرّى ، أَلُـفُّ بها حَصيرَ دِثاري ؟
في جُعبَتي لم يَبقَ إلا جُعبتي
أفرَغتُها في النيلِ مِن أوطاري
رَهواً هُنا قلبي ، يُقَلّبُ حَظَّهُ
ما يُشبهُ العرجونَ في بَـازارِ
بيَدِ ( بنِ آوى ) خُنتُهُ في سُبحَةٍ
تَغبتْ من التسبيحِ في الأسحارِ
مازال في الغربالِ يَلهثُ ، يَغتَلي
و أنا بكَفِّ الريحِ مَحضُ غُبارِ
في مَقتِ عاصفةٍ أُلملِمُ بعضَهُ
و يدي ببعضِ يدي تَقُدُّ إزاري
في جَمعِهِ إني أَرَقتُ أصابعي
و ملأتُ مِن دمِهِ ظِماءَ جِراري
.
.
في داخلي وطنٌ ، إذا أقمارُهُ
دارتْ يَدورُ الشوقُ في أقماري
في عشقِهِ إني ابتهَلتُ .. كأنني
في كعبةٍ من دُملُجٍ و نُضارِ
بَسمَلتُ فوقَ ثراهُ أولَ سُورةٍ
مَكيةً في العشقِ مِلءَ مَداري
يَنسابُ ماءُ القلبِ في صلواتِهِ
يَندَى ، يَرُشُّ الطينَ في الأسوارِ
بقبابِهِ الدنيا تُؤوِبُ في دمي
شَجَناً ، يُرتّلُ في الذُّرى أخباري
في جُرحِهِ الدامي يُنكىءُ داخلي
جُرحاً بطَعمِ الموتِ في أسفاري
في ضَمّهِ مُتَعَطّشٌ في ضَمّهِ
في المشرقينِ أراهُ وهوَ جِواري
مالي كما الأغرابِ في شُرُفاتِهِ
و أنا بهِ كالعطرِ في الأزهارِ ؟
إني أُخاتِلُ عَوسجاً في كفّهِ
مازال يُدمي القلبَ دونَ قَرارِ
بَـرّاً بِـهِ إني خُلِقتُ ، ولم أَزَلْ
و بمعصمي أُبقيهِ طَوقَ سِوارِ
(يَمَنٌ) .. كأن اللهَ في أنفاسِهِ
لأقولَ : حسبُ النفسِ مِن أنصارِ
في أُحجياتِ السندبادِ قرأتُهُ
في زَهوِ ( أندلُسٍ ) وفي ( عمارِ )
في صَرحِ ( بلقيسٍ ) و رُقعَةِ هُدهُدٍ
و زئيرِ ( حِميَرَ ) مِن تُخُومِ الجَارِ
إني بثوبِ المَهدِ قد سَمّيتُهُ
يَمَناً ، فإن اليُمنَ مِن أخباري
مازالَ جُرحُ ( الطَفِّ ) يَنزفُني بهِ
و كأن في ( صنعاءَ ) طَـفَّ الثارِ
أَشقَيتُ ما أَشقَيتُ فيها كي أَرَى الـ
سَفاحَ في كَنَفِ المَسيحِ حَواري
عني ، عنِ النبأِ العظيمِ تَساءَلَتْ
( سَبأٌ ) ليَشقَى الردُّ في الأعذارِ
أَهُنا ( البُريقةُ ) ؟ أم صَدى مأساتِها
يَمتَدُّ مِن ( يَامٍ ) إلى ( الأنبارِ ) ؟
لم يَبقَ في ( الإكليلِ ) إلا جُرحُهُ
و لسانُهُ في الغيبِ دونَ مَزارِ
تَعِبَتْ سياطُ النارِ في أجزائِهِ
و رمادُهُ مازالَ يَهدي الساري
.
.
في الخُطوةِ الأُولى دروبي أَفرَغَتْ
بي قَيئَها كي تَنتَشي بِعِثاري
تَنعي معي في الأربعين مَواسمي
و دمُ المَنافي في ( الوَديعَةِ ) جَارِ
بخُطَى غريبٍ تَاهَ في ترحالِهِ
إني أَضَعتُ ( سُهَيلَ ) في آذارِ
كي تَطمئنَ خُطايَ أركَنتُ الخُطَى
في عُوديَ الآتي مِن الصبّارِ
مازلتُ أُومىءُ لي بضوءِ أصابعي
عَلّي سأُشرقُ مِن ثُقوبِ الغارِ
تَعِبَتْ عصاي من التَحَسُّسِ في الثرى
و أنا أَهُشُّ بها هَجيرَ مَساري
مُتأبطاً في العُمرِ مِديَةَ قاتلي
مُتوشحاً ما شاءَ في استغفاري
يَقتاتُ من جُوعي فُتاتَ رغيفَهِ
و يَلُوكُ ما استَبقَيتُ في مِنقاري
و يَداهُ مِن دُبُرٍ تَقُدُّ تَعَففي
ليَئِنَّ مِن قُبُلٍ أَسَى الأزرارِ
مازالَ يَضربُ في خيوطِ ربابَتي
و أنا أَجُسُّ الفأسَ في الأوتارِ
و بِحَمدِهِ إني أُسَبّحُ مُذ سَطا
و يدي تُقَلّمُ في يدي أظفاري
و من الخواءِ تَرَاهُ يملؤُ نفسَهُ
بخواءِ دهرٍ ، شَذَّ في الأدهارِ
في عُهرِ مُومِسَةٍ يواري سوءَةً
حتى يُقالَ لهُ : مِن الأطهارِ
بقناعِ قَيلٍ حَاكَهُ مِن جُثتي
مازالَ يُتقِنُ لُعبةَ الأدوارِ
.
.
.
عُد بي لذاكَ القيدِ رغمَ نُدوبِهِ
إني أموتُ على يَدِ الأحرارِ
في جُرحِهِ استَمسَكتُ بي ، بكرامَتي
فإلامَ أُذبَحُ في خِيامِ دياري !؟
لم تَنطفىءْ ناري بعَصفِ عُقودِهِ
و بنصفِ عقدٍ قد نَسيتُ نَهاري
لم يُشقِني في المُستَبِدِّ لصوصُهُ
و اليومَ أَشقَى الناسِ في الثوارِ
قالوا هُمُ الأسباطُ ، جاؤوا رحمةً
للناسِ في وطنٍ من الأشرارِ
كيف استباحَ السبطُ بي ما صانَهُ الـ
سفاحُ حتى كان من أخياري !؟
( و قَدارُ ) يَعقرُ ناقتي في هَودجٍ
و أنا أَخالُ الخَيرَ في الأبقارِ
(بشُباطَ) إني متُّ يومَ ولادتي
و نَتَفتُ مِن جِلدي رغيفُ صِغاري
دَوّى هِتافُ الشعبِ في أرقامِهِ
طَمَعاً ، فجاءَ صَداهُ في الأصفارِ
لم يَدرِ ( صيّادُ البُروقِ ) بأنهُ
أَغفَى لُمُوعَ البَرقِ في الفخّارِ
مِن ثورةٍ عرجاءَ كِدتُ لثورةٍ
عمياءَ ، حتى متُّ في إعصاري
و نَسيتُ طعمَ الخُبزِ رغمَ تَعَلُّقي
بِيَدِ الرّحَى .. فأنا مِن الأبرارِ
نَدَماً أَعُضُّ أناملي في خُلوتي
و أقولُ لي : ذُقْ نَشوةَ الدولارِ
.
.
.
ماءُ ( السعيدةِ ) آسِنٌ في صَفوِهِ
و متى اكفَهَرَّ الماءُ في الأنهارِ ؟
أَلهَى أُجاجُ الملحِ عَذبَ فُراتِهِ
فَأَزَلَّ ما بفمي بكأسِ مَرارِ
بيَدي فَقَأتُ عيونَها لأَرَى بها
بعضُ العمَى يَأتي مِن الإبصارِ
إني نَثَرتُ تُرابَها في كعبَتي
و أَرَحتُ لونَ البُنِّ في الأشجارِ
مُنذُ ارتَمَى التاريخُ في أحضانِها
و هيَ السنا في غُـرّةِ الأمصارِ
مَحسودةٌ في الأرضِ مِن أبنائِها
قُتِلَتْ بِـأُفٍٍّ مِن أَشَـرِّ ذَراري
في لعنةِ النفطِ اكتَويتُ ، و إنها
ــ خمسين عاماً ــ في صحيحِ بُخاري
يَبِسَتْ حقولي في لهيبِ حقولِهِ
جَفّتِ هُنا الآبارُ في الآبارِ
أَحرقتُ ــ بِسمِ النفطِ ــ وجهَ مآذني
مُستَعذباً في العارِ وَأدَ العارِ
و أَقَمتُ مأدُبةَ الغداءِ ، و لم تَكُن
إلا خطايا الشعبِ في الغَدّارِ
( بِخُزيمَةَ ) الرائي تَوَسَّدَ جُرحَهُ
و صَداهُ في (دَمتٍ ) يَقولُ : حَذاري
ليكونَ ( جَوّابَ العصورِ ) طَوَى المَدى
في كَفِّ أعمى ، جَادَ بالأسرارِ
عيناهُ أولُ سُورةٍ ، في مَتنِها
صلّى رواغُ الشمعِ في الأبصارِ
في قَبرِهِ جُمِعَتْ عظامُ قصيدتي
كي أَستَهِلَّ الضوءَ في الأقمارِ
إني وقفتُ على جَوانِبِ قَبرِهِ
في هُدهدٍ ــ يَهفو لهُ ــ و هِزارِ
.
.
لا تَعلُ في الدنيا ، و إنكَ تَحتَها
سَتَؤولُ مهما زِدتَ في الأعمارِ
بعضُ الرؤوسِ على الرؤوسِ عُلُوُّها
بِدُنُوّها الـ حَمَلَتْ نفوسَ صغارِ
كي تَشرئِبَّ تَبولُ في تيجانِها
أذنابُها اللاشيءَ في المقدارِ
في بعضِها رجسٌ رَبَـا في بعضِها
كي يُعشب الزنارُ في الزنارِ
في رغوةِ التيجانِ عندكَ يَستوي
ياقُوتُهُا بالطينِ في الأحجارِ
.
.
تَعِبَتْ ثُقُوبُ النايِ بينَ عواصفي
و أنا هُنا الذاوي بلا أنصارِ
وَحدي أَجُرُّ العُمرَ خَلفَ هزائمي
بأصابعٍ بُتِرَتْ بيومِ ( قَدارِ )
أَسعَى بِعُكازٍ تَفَتَّقَ مِن دمي
و أدورُ حِينَ أَدورُ خَلفَ مَداري
مَن يشتري وجعي بألفِ قصيدةٍ ؟
إني قُتِلتُ .. و في يدي أشعاري
ما قيمةُ الأشعارِ بَينَ أصابعي
إن لم تُعِلْ طفلاً و تَستُرَ عاري ؟
إن لم تَصُنْ نفسي إذا أَرخَصتُها
بسؤالِ كَفٍ .. خَمسُها في النارِ
مَن يشتري وجعي بذنبِ قصائدي ؟
إني رأيتُ الشِعرَ مِن أوزاري
بِدَواةِ روحي ــ إن كَتَبتُ ــ فإنني
لَأَحُسُّ وَقعَ الخوفِ في الأحبارِ
تَعِبَتْ خُطوطُ الأربعين على يدي
و أنا بُكاءُ الخَيطِ في القيثارِ
لم يَبقَ لي في الدهرِ غيرُ أصابعي
لأَعُضّها مِن فاقةِ الدينارِ
حتى القصائدُ لم تَعُد صلواتُها
تَجني من المحرابِ غيرَ النارِ
.
.
في كائناتِ الشوقِ شَوقٌ آخَرٌ
يَقفو الرؤى الخَرساءَ في أقطاري
كي يَطمئنَ السدُّ ( بالعَرِمِ ) التَقَى
و جَرَى ليُغرِقَ خَوفَهُ في الفارِ
في عُروَةِ الأقيالِ يُرجىءُ رُكنَهُ
كي يُبطِلَ الهَذَيانَ في الأسحارِ
( الأخضرُ المَغمورُ ) في ( العَودِ ) ارتَقَى
بفَمٍ يُجيدُ النفخَ في الآثارِ
(بلحافُ) لم تَخفُتْ ، و إني نَحوَها
آتٍ ، لأَشعِلَ أَلفَ ألفِ مَنارِ
سأَجوبُ في طُولِ البلادِ و عرضِها
حَسبُ المنايا أن تكونَ قِطاري
(صنعاءُ) لم تُوأَدْ ، و مِن سِردابِها
يوماً ستُولَدُ من أَسَى الأنوارِ
و من الفحيح كأنها قد دَوزَنَتْ
نَاياً خَجولاً ذَابَ في أسماري
……………….
عبد الحميد الرجوي
#الذكرى_السابعة_والعشرون
#البردوني ذاكرة اليمن

منبر العراق الحر منبر العراق الحر