منبر العراق الحر :
الإنسان أثر، والأثر إما نعمة وإما نقمة.
موت الجسد حقيقة لا يملك الإنسان دفعها، لكن وجوده لا ينتهي بالضرورة عند الموت؛ فما يتركه وراءه قد يواصل حضوره في حياة الآخرين. فالإنسان لا يرحل بجسده وحده، بل يترك شيئا من نفسه في أبنائه، وفيمن أحبهم، وفي القيم التي غرسها، والمواقف التي صنعها، والكلمات التي بقي صداها بعد غيابه.
لذلك، فإن الحكم على الإنسان لا يتشكل في مرحلة واحدة؛ ففي حياته يُقاس بسلوكه وأفعاله ومواقفه، وبعد موته يُنظر إلى ما تركه من أثر. ومن أبرز مواضع هذا الأثر أبناؤه، لا لأنهم نسخ منه، بل لأن التربية تكشف شيئا مما غرسه فيهم.
فالشجرة تعطي ثمرا من جنسها، وإن لم تكن كل ثمرة صورة مطابقة لأصلها. وما يغرسه الإنسان في أبنائه من قيم وسلوك ومبادئ قد يظل حيا فيهم بعد غيابه؛ فإن صلح الغرس، كان في الثمر ما يدل عليه، وإن فسد، ظهر من فساده شيء في الأثر.
وقد يكون الإنسان نعمة في أثره، فيترك وراءه أبناء يحملون من قيمه ما يرفع اسمه، أو يترك علما نافعا، وخلقا جميلا، وذكرا طيبا. وقد يكون نقمة، حين يورث من بعده جراحا أو انحرافا أو سلوكا يجعل أثره عبئا على من جاء بعده.
وربما أعاد الأثر بعد الموت تشكيل الحكم على حياة الإنسان قبله؛ فبعض ما يبدو في حياة المرء مستورا أو عابرا تكشفه نتائجه، وما يتركه في الآخرين قد يمنح سيرته معنى لم يكن ظاهرا، أو يكشف وجها لم يكن مرئيا.
ومع ذلك، فالأبناء ليسوا مسؤولين عن آبائهم، كما أن الآباء لا يتحملون كل ما يصدر عن أبنائهم؛ فلكل إنسان إرادته ومسؤوليته. لكن على الأبناء أن يدركوا أنهم قد يحملون، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، صورة آبائهم في أعين الناس، وأن سلوكهم قد يحفظ تلك الصورة أو يشوهها.
لذلك، على الأبناء أن يحذروا أن يكونوا لعنة على آبائهم وهم لا يشعرون؛ فليس أقسى على إنسان رحل أن يتحول اسمه، بسبب من تركهم خلفه، من موضع فخر إلى موضع أسى.
لهذا لا ينبغي أن نسأل فقط: كيف عاش الإنسان؟ بل نسأل أيضا: ماذا ترك؟ وكيف استمر أثره بعده؟
فالحياة امتحان للسلوك، والموت امتحان للأثر.
يموت الجسد، ويبقى الإنسان فيما غرسه؛ فإن كان أثره نعمة، امتد حضوره بعد موته، وإن كان نقمة، ظل غيابه حاضرا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر