منبر العراق الحر :
توفي قبل أعوام المطرب اليوناني الشهير – الإسكندراني المولد – ديميس روسوس، لكن الذكريات التي تلتصق بصوته ولحيته لم تمت، وبقيت عالقة في حدائق أيامنا، ممتنعٌ وردُها عن الذبول. ولم يزل حتى في محطات قطارات المهجر يثير فينا ما كانت تفعله قصائد يوناني آخر هو الشاعر قسطنطين كفافيس، حين يمازحنا الصوت الموسيقي القوي لروسوس في أغنيته الشهيرة (FAR AWAY). فيكون الجمع بين كلمات أغنية وصوت مطربها، وبين كلمات قصيدة وإحساس شاعرها، كمن يجمع كوميديا دانتي برقة التفاؤل في صباحات فراشات بساتين جدي في ناحية سديناوية.
كنا صبياناً في المدرسة المتوسطة نعيش حلم حياة الفقراء في مدينة جنوبية – سومرية تدعى الناصرية، عندما أتى مسجل الكاسيت الياباني (سانيو) إلى عالمنا، لنعيش رومانسية سماع أغنيات شامي كابور وراجيش خانا وفاجينتي مالا في الأفلام الهندية، لكن ديميس روسوس أتى كالبرق ليؤسس في بهجتنا الإصغائية نمطاً مثيراً من حب هذا الإيقاع السريع والصوت المتوتر، ولنطرب مع الأغنية كحدث جديد وتقليعة في حياتنا، حتى عندما كان بعضنا لا يفهم معنى كلماتها. لكن الصوت اليوناني لروسوس والإيقاع المتسارع مع نبض قلوبنا، وخفايا شرقٍ مدثرٍ بإغريقية لذيذة، حمل في طيات الذاكرة السر الغامض لانتشار هذه الأغنية في أوساط الشباب والصبيان.
لا أدري إن كان روسوس من قادني إلى كفافيس وقراءته أم العكس، لكني أعتقد أني سمعت المطرب قبل أن أقرأ الشاعر لأول مرة في كتاب ترجمه الشاعر العراقي سعدي يوسف بعنوان (كفافيس – 100 قصيدة).
دهشة الصوت الذي تتخيله في عمق ما ورثت من موهبة الإحساس، أنه صوت البحر، صوت الأشياء اللامعة في متغيرات حياتك الجديدة بعد أن غادرت الهلع الطفولي الذي يسكنك وأنت تسمع حكايات جدتك عن العفاريت والجن وعبد الشط والطنطل، لتدخلك مكتبة المدرسة الابتدائية إلى قصص محمد عطية الإبراشي وحكايات مجتزأة من ألف ليلة وليلة، ثم تتطور قراءاتك إلى الأبعد في مراحل عمرية قادمة، حيث يفاجئك عالم السينما وروايات دوستويفسكي وكولن ولسن و(الدون الهادئ) ونجيب محفوظ.
تتذكر الصوت اليوناني بانفعاله السريع وخشخشَته اللذيذة، فتعيش أحاسيس صباك المدثرة بمراهقة مبكرة، ويسكنك إحساس اللذة بمتعة الجديد الذي يسحرك وتحاول معه أن تمتلك ما ليس لك قدرة على امتلاكه، بسبب أنك تقع في قعر الحفرة الأزلية التي يسمونها الفقر.
تمزج الآن صوت ديميس روسوس بمفردة فقر، فلا تحصل سوى على أمنيات وحسرات وأحلام، وفي المحصلة تنال من تلك الذكريات ربح أنك أصبحت شاعراً أو روائياً، وأنك بفضل تلك النظرات الحزينة ومتعة العيش اللذيذ في أجواء أغنية (FAR AWAY) تستطيع أن تتمنى وأن تحقق أمانيك تلك في المستقبل القادم.
يموت ديميس روسوس، وقبله مات كفافيس، وبعدهما ستموت أجيال، ولكن صدى الجمال هو من يبقى خالداً، تلك أزلية الوجود التي وصل إليها جلجامش واقتنع بها بعد رحلته الأسطورية للبحث عن الحياة الأبدية. تعلمتها من دموع أبي ومن الحياة الجنوبية الهادئة والبسيطة والمسكينة لأهل مدينتي، وفي المحصلة اكتشفت في أول يوم لي وأنا أتأمل بعيون مشتهية وسعيدة شوارع العاصمة اليونانية أثينا، أن تلك الأغنيات التي تحمل متعتها الغامضة حتى دون أن نفهم معناها كانت تمثل الرغبة في الولوج إلى عالم الاكتشاف، وعرفت أيضاً في أول صباح لي في العاصمة اليونانية، أن الإلياذة وملحمة عوليس وخواطر سقراط الفلسفية وغراميات ليل حصان طروادة إنما هي امتداد بعيد لطقوس الموت الجنائزي في أقبية مقبرة أور المقدسة، وأناشيد مواسم الخصب والحصاد السومرية، وأن صوت المطرب اليوناني – الإسكندراني له تفاعلات حية وتاريخية مع قيثارة شبعاد أو حنجرة المطرب الريفي داخل حسن.
بين كفافيس وديميس روسوس والمدينة التي تعاشر الطين والمقاهي ونعوش شهداء الحروب ومتطوعي الحشد، أرسم جدلاً أسطورياً لمراثي موت الأشياء الجميلة.
يداهمني طيف الزمن البعيد، فأخيط لذهن البهجة في التمتع بسحر شريط الكاسيت ثوباً من متعة تلك اللذة الهيلينية التي كان كفافيس يعيشها في غرفة بضوء خافت، وحتماً هو كان يستمع إلى أناشيد جنود وربات عذريات، وجنود خُنث يحملون المتعتين معاً (الأنوثة والذكورة) وإيقاع سيف حرب اللذة التي يظن الشاعر أن أثينا والإسكندرية وحدهما من تصنعانها.
أسمع المطرب اليوناني الآن وأعيد في الوقت نفسه قراءة قصائد الشاعر، وبينهما أستعيد عطر مدينة بعيدة عني، فيسكنني هاجس التمني أن أحضر قداس وداعه الأخير، متذكراً قناع وجه الشاعر الشمعي في الليلة المتوسطية التي رحل فيها، وقد تحدث الروائي لورنس داريل صاحب (رباعية الإسكندرية) عن دهشة هذا الحزن الذي سكن ورافق أساطير عزلة الرجل الذي كتب (البرابرة، والمدينة) وهما ألذ قصيدتين في مسامع صباي، وربما قصيدة (المدينة) بخرابها المبكر في خواطرنا قد جمعت بطيف من متعة نسج الأحلام تلك الموسيقى السريعة لأغنية روسوس، فكان علينا أن نعيش ثقافتنا الجديدة بصورة أكثر اتساعاً في جغرافية التمني، فمن نراه في المقهى يحمل كتاباً لقصائد كفافيس ومسجل كاسيت يبث أغنية روسوس نقول عنه: سيكون مصيره في النهاية الرحيل إلى أثينا.
بين الناصرية وأثينا التي أجوب شوارعها الآن موسيقى مغنٍ برأس كبير ولحية كثيفة وقيثار ينفعل مع انفعالات التيار الكهربائي الذي يمر بين أوتار الآلات وحنجرة المغني.
بينهما شاعر آثر العزلة والكتابة عن مجد يفترضه بلذته الحسية، جمعٌ لذكورة مؤنثة ولكن بمجد حربي رائع، لأضع تفاصيل مشاعر حزن اليوم الذي أسمع فيه نبأ رحيل المطرب الذي صنع لنا أمنيات عبور جدران الطين إلى مدن الرخام والقمصان الشفافة لألف أفروديت وفينوس تصادفك في الساعة الواحدة أثناء نزهتك الصباحية الأثينية الأولى.
مات المطرب الساحر، لكن أسطورة (FAR AWAY) بقيت ترسم لذتها الغامضة فوق سطوح بيوت نسائم الهواء الآتي عبر بساط الريح وأجنحة الآلهة الثملة من الجهة التي تقع فيها دمعة أبي الذي عشق الناصرية ولم يسمع في حياته مرة أن هناك حرباً اسمها طروادة ومدينة تدعى أثينا…
لقد كانت الناصرية بالنسبة لأبي كما المدينة عند كفافيس: هي الخراب أينما حللت…!

منبر العراق الحر منبر العراق الحر