«من هو سيد هرمز؟».. وفق استراتيجية «الهيمنة بالتصعيد» … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

فلسفة السيادة فوق مياه الاختناق

في الجغرافيا السياسية المعاصرة، لا تُمثّل المضائق المائية مجرد ممرات فيزيائية لحركة التجارة، بل هي أرحام جيو-استراتيجية تولد منها معادلات القوة الدولية. مضيق هرمز، بوصفه الشريان الحيوي الأبرز للطاقة العالمية، يطرح سؤالاً فلسفياً أزلياً حول ماهية “السيادة”؛ فالسيد هنا ليس من يمتلك الجغرافيا بالضرورة، ولا من يحوز الترسانة الأقوى نظرياً، بل هو اللاعب القادر على تحويل القدرة على الهدم وعرقلة الملاحة إلى رافعة سياسية تفرض شروطه على النظام الدولي. بناءً على هذا المنظور، تصبح السيادة مفهوماً ديناميكياً متحولاً، يُعاد تعريفه مع كل عتبة تصعيد جديدة.

«السيادة في هرمز لا تعني أن تملك الماء؛ بل أن تملك القدرة على تحديد كلفة المرور فيه.»

ديناميكية الهيمنة بالتصعيد المتبادل

تستند استراتيجية «الهيمنة بالتصعيد» (Escalation Dominance) كلاسيكياً إلى قدرة أحد أطراف النزاع على رفع وتيرة المواجهة إلى مستوى يعجز خصمه عن مجاراته، مما يجبر الآخر على الانكفاء خوفاً من الحرب الشاملة. لكن في المشهد الراهن لمضيق هرمز، تشكّلت معادلة فريدة من «التصعيد المتناظر بالأدوات المختلفة»؛ حيث لم يعد التصعيد حكراً على طرف واحد، بل بات سلوكاً متبادلاً يمارسه القطبان: النظام الإيراني من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، ليدخلا معاً في لعبة “عض أصابع” غير مسبوقة على قمة الشجرة الاستراتيجية. طهران عبر توسيع الخطر البحري وتهديد الملاحة، وواشنطن عبر الضربات، والخنق الاقتصادي، وإعادة تأطير الملف سياسياً ودولياً. وهكذا لم يعد السؤال: من بدأ التصعيد؟ بل من يستطيع أن يصعد أكثر، ويحتمل أكثر، ويجبر خصمه على التراجع أولاً؟

«حين يمارس الطرفان الهيمنة بالتصعيد، تتحول المعركة من صراع على القوة إلى صراع على عتبة الألم.»

«العقيدة الصفرية» وكسر الخطوط الحمراء

لقد كسر الحرس الثوري الإيراني، المدفوع بعقيدته الأمنية المحكومة بنظرية «أم القرى»، الخطوط الحمر التقليدية للردع؛ فلم يعد تصعيده محصوراً باستهداف أو اعتراض السفن العابرة للمضيق، بل وسّع جغرافية التهديد لتطال الناقلات الراسية في موانئ دول الجوار كالكويت والبحرين مع مطالبة أطقمها بالإخلاء. هذا التحول يعكس فلسفة صفرية قوامها شعار “عليّ وعلى أعدائي”؛ فإذا تم خنق «أم القرى» اقتصادياً بفعل العقوبات، فإن الحرس الثوري مستعد لإحالة الإقليم بأكمله إلى ساحة اشتعال شامل تشمل البر والبحر والجو، لفرض معادلة ردع وجودية تثبت أنه «السيد الفعلي» للممر المائي والمنطقة.

من هرمز إلى باب المندب

لم تعد جغرافية الاختناق محصورة في هرمز وحده؛ فصعود الحوثيين مجدداً في باب المندب والبحر الأحمر يفتح أمام الصراع احتمال تشكّل قوس ضغط بحري مزدوج يمتد من الخليج العربي إلى المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وهنا تتضاعف قيمة الجغرافيا: فهرمز يهدد شريان الطاقة من الشرق، وباب المندب يضغط على خطوط التجارة والطاقة المتجهة غرباً عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وإذا نجحت طهران وحلفاؤها في إبقاء هاتين العقدتين تحت ضغط متزامن، فإن المسألة لا تعود مجرد قدرة على تعطيل مضيق، بل قدرة على توزيع الألم على أكثر من بوابة بحرية في وقت واحد.

«إذا كان هرمز بوابة الألم الشرقية، فإن باب المندب يصبح بوابته الغربية؛ وعندها لا يعود الاختناق نقطةً على الخريطة، بل يتحول إلى قوس جغرافي.»

إعادة التأطير السياسي والشرعية الإجرائية

في المقابل، صعدت الولايات المتحدة عسكرياً عبر الخنق الاقتصادي الممنهج، وسياسياً من خلال استراتيجية «إعادة تأطير» في مجلس الأمن الدولي. تدرك الدولة العميقة في واشنطن أن الفيتو الروسي-الصيني بالمرصاد لأي قرار أممي جديد، لكن الهدف الحقيقي ليس إجرائياً، بل هو نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن طهران. تسعى أمريكا لتحويل الصراع من مواجهة ثنائية (أمريكا-إيران) إلى مواجهة أممية لتصبح إيران في مواجهة اختبار دولي للامتثال والشرعية،(المجموعة الدولية -ايران) بمعنى (ايران-مجلس الامن) وهذه هي المرة الأولى منذ قرابة عقدين التي يُعاد فيها الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن بهذا الشكل، مما يمنح واشنطن غطاءً دولياً لتبرير أي ضربات تدميرية قادمة.

«هندسة السُلّمين»

وهكذا لم يعد طرف واحد فوق الشجرة؛ صعد الطرفان معاً. طهران توسّع الجغرافيا التي يمكن أن تطالها النار، وواشنطن توسّع الجغرافيا الاقتصادية والمؤسساتية التي يمكن أن تخنق منها طهران. وعندما يصعد خصمان إلى القمة، لا تعود الوساطة بحاجة إلى سُلّم واحد؛ تحتاج إلى سُلّمين، لأن كلاً منهما يحتاج إلى نزول يستطيع تقديمه لجمهوره بوصفه انتصاراً لا تراجعاً. وهنا يتغير معنى الوساطة نفسها. لم تعد عملاً خيرياً لوقف النار، بل هندسة مخارج تحفظ ماء الوجه وتعيد توزيع الكلفة.

«”سيد هرمز” ليس من يصعد أعلى على سُلّم التصعيد؛ بل من يستطيع أن يجعل خصمه يحتاج إلى السُلّم قبله.»

تجار النفوذ وكلفة هندسة السلالم

مع صعود الطرفين إلى أعلى الشجرة، تصبح حاجة النزول مرهونة بـ«هندسة السلالم» عبر وسطاء دوليين؛ غير أن هؤلاء الوسطاء ــ روسيا والصين والأوروبيين ــ لا يتحركون بدافع المساعي الحميدة، بل بوصفهم «تجار نفوذ» في سوق المقايضات الجيوسياسية. لن تقدم الصين أو روسيا فيتو مجانياً أو مخرجاً آمناً ما لم تقبضا ثمناً من واشنطن في ملفات كبرى، كأوكرانيا وتايوان وأمن الطاقة والتجارة، وما لم يدفع الطرفان كلفة هذه الوساطة من حصصهما النفوذية. أما الصين، فتمارس «تقية مصلحية» براغماتية تجعل علاقتها بطهران محكومة بأمن الطاقة وكلفة البدائل أكثر من أي التزام عقائدي دائم؛ فإذا تغيّرت المصلحة، تغيّر مقدار الحماية.

«الوسيط في أزمات القوى الكبرى لا يحمل سلّماً مجانياً؛ إنه يبيع درجة النزول بثمن سياسي.»

مرصاد الدولة العميقة وحتمية الصدمة

بينما يميل الفاعلون السياسيون المؤقتون في واشنطن وتل أبيب إلى حسابات صناديق الاقتراع «كالانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر 2026، والانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026»، تتحرك «الدولة العميقة» وفق وتيرة مؤسساتية ثابتة لا تتأثر بالتقلبات الإدارية. تسير هذه المؤسسات نحو هدف واحد لا غير: ترسيخ «القرن الأميركي الثاني» وبناء «الشرق الأوسط الاقتصادي الجديد». ولأن هذا المشروع الشبكي الرقمي يتطلب استقراراً كلياً، فإن تصفية العوائق الأيديولوجية والعسكرية المتمثلة في العقلية الصفرية للحرس الثوري أصبحت حتمية؛ حتى لو تطلب الأمر المرور عبر صدمة عسكرية مدمرة، واشتعال متزامن لكافة الجبهات، وقبول كلفة «الأضرار الجانبية» للقوى الإقليمية المحيطة.

الموقف الخليجي والعربي:

بين مطرقة الجغرافيا وسندان «الضرر الجانبي»

في هذه اللعبة الصفرية بين القطبين، يقف الفاعل العربي والإقليمي -وتحديداً الخليجي- في تموضع جيوسياسي معقد تختصره ثنائية «الرغبة الباطنية والاضطرار الظاهري»؛ أو ما يمكن تسميته بـ «التقية السياسية». فمن جهة، تبتهل العواصم الخليجية سراً لزوال مشروع «ولاية الفقيه» وأذرعه التي تهدد استقرارها، لكنها من جهة أخرى، تدرك الحقيقة القاسية للجغرافيا: إيران جارة أبدية، و”الزجاج الخليجي” الفائق الحداثة والاقتصاد يقع مباشرة تحت مرمى “المطرقة العسكرية” للحرس الثوري. هذا الانفصام أنتج سلوكاً دبلوماسياً ناعماً يسعى لتهدئة طهران وشراء الوقت، في حين يظل التنسيق الدفاعي والاستخباراتي تحت الطاولة موصولاً بالقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).

ومع اقتراب «لحظة الصدمة الكبرى» والاشتعال المتزامن للجبهات، سيسقط هذا الستار الرمادي لتجد القوى العربية المحورية نفسها مجردة من القدرة على الفعل أو المناورة؛ فالمشهد الإقليمي سينقسم قسراً إلى جزأين: جزء انخرط وسينخرط بنيوياً وعسكرياً في شبكة الدفاع والإنذار المبكر الأمريكية لحماية نفسه، وغالبية عاجزة لن تملك سوى استقبال وتجرع «الأضرار الجانبية» (Collateral Damage). هذه الأضرار لن تقتصر على شلل الملاحة والاختلال الاقتصادي الحاد، بل قد تمتد لارتدادات بيئية وصحية كارثية عابرة للحدود إذا ما فُعّل خيار الأسلحة غير التقليدية.

 «في المحصلة، يجد النظام الإقليمي العربي نفسه قد أُخرج تماماً من معادلة صناعة القرار الاستراتيجي، ليتحول من خانة “اللاعبين” إلى خانة “الملعب” الذي ستُجرى فوق ركامه عملية إعادة التشكيل الكبرى.»

الخاتمة: الهوية المتحولة لـ«سيد هرمز»

في المحصلة، لا يكون «سيد هرمز» هو من يطلق الضربة الأولى أو يملك القدرة على إغلاق المضيق لحظةً ما، بل من يحتفظ بالكلمة الأخيرة عند بلوغ عتبة الألم القصوى. فالجغرافيا تمنح إيران قدرة موضعية على التعطيل وكسر الخطوط الحمراء وإعادة رسمها، فيما تمنح الشبكات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمؤسساتية الولايات المتحدة قدرة أوسع على الخنق والعزل وإعادة تعريف الصراع دولياً. وهنا لا تعود «الهيمنة بالتصعيد» سباقاً نحو القمة، بل اختباراً لمن يستطيع البقاء فوقها أطول، ومن يجعل خصمه يحتاج إلى السُلّم قبله؛ إذ قد تملك طهران لحظة الإغلاق، وتملك واشنطن لحظة الخنق، ويملك الوسيط لحظة فتح المخرج، لكن هوية «السيد» لا تستقر إلا لمن يستطيع تحويل تفوقه إلى شروط يقبلها الآخر.

«فسيد هرمز هو من يجعل خطه الأحمر قانوناً، وخط خصمه مجرد اقتراح؛ ومن يستطيع أن يقرر متى يُفتح المضيق، وبأي كلفة، وتحت أي شروط.»

اترك رد