منبر العراق الحر :كثيراً ما يجد القاضي نفسه وهو جالس في سكون غرفة المداولة وراء أرتال من الأضابير، مأخوذاً بالنظر من النافذة المطلة على الشارع العام. لكن خارج اسوار المحاكم نجد ان المدينة تختنق بمركباتها وتزدحم الأرصفة بخطى العابرين ويتشابك الباعة وأصحاب الحاجات في حركة دائبة تبدو للناظر المتعجل وكأنها فوضى عارمة لا يحكمها ضابط. غير أن المتأمل المدقق الذي نذر عمره لفض النزاعات وفهم السلوك البشري، يدرك سريعاً أن ما يجري في ذلك اليم المتلاطم ليس فوضى على الإطلاق، بل هو نظام اجتماعي بالغ الدقة نظام لم يصغه برلمان، ولم تدونه لجان التشريع، بل نحتته أقدام الناس وحاجاتهم اليومية الملحة في مواجهة قسوة الحياة والزحام. تعلمنا من الفقه القانوني منذ دراستنا لأصول القانون أن العرف هو الشريان الأقدم والمصدر الأصيل الذي انبثقت منه القواعد القانونية الوضعية. فالإنسان لم ينتظر المشرع ليكتشف قواعد العدالة والتعايش بل إن المجتمعات، بفطرتها وغريزة البقاء فيها تبتكر حلولها التلقائية لتفادي التصادم حين تضيق المساحات وتشتد وطأة العيش. وفي شوارع مدننا المزدحمة حيث يسبق صخب الواقع بطء الإجراءات الإدارية، تولد يومياً مئات القواعد العرفية غير المكتوبة: قواعد في حق الأسبقية عند المنعطفات الخانقة، واتفاقات ضمنية بين سائقي الأجرة حول تقاسم الركاب والمسارات، وعهود غير منظورة بين باعة الأرصفة في احترام حدود البسطيات وتنازلات متبادلة يفرضها ضيق الرصيف بين المارة وأصحاب المحال.
إن هذا الدستور الشفاهي هو الذي يحمي المجتمع من الانفجار وهو الذي يحفظ الحد الأدنى من السلم الأهلي اللحظي في اللحظات التي تغيب فيها سلطة النص الرسمي، أو تعجز عن ملاحقة التفاصيل الصغرى للحياة. إنه قانون التسامي والتغاضي قانون يدرك فيه كل فرد أن إصراره المطلق على حقه النظري المجرد سيعني شلل الحركة للجميع، فيختار النزول طواعية عن جزء من حقه لتسير القافلة. لكن المأساة القضائية تبدأ حين يتعثر هذا النظام العرفي الرقيق، وتصل شرارة خلافٍ عابر من قسوة الأسفلت إلى برودة قاعة المحكمة. هنا يقف أطراف النزاع أمام القاضي، الذي يحمل بيده نصاً تشريعياً كتب بلغة جافة محكمة، وصيغ في مكاتب هادئة تفصلها عن زحمة الشارع مسافات شاسعة من التجريد. وإذا ما تمسك القاضي بحرفية النص الصامت متجاهلاً لبيئة الحيوية التي ولد فيها النزاع، فإنه قد يصدر حكماً صحيحاً من الناحية المسطرية الإجرائية، لكنه قد يكون في جوهره بعيداً كل البعد عن روح العدالة الحقة. إن القضاء ليس مجرد آلة صماء لتطبيق العقوبات أو توزيع التعويضات بموجب مساطر حسابية. القضاء ولاية إنسانية وأخلاقية قبل أن يكون وظيفة قانونية. والعدالة التي لا تفهم سيكولوجيا القلق لدى السائق المنهك في حر الظهيرة، ولا تستوعب اضطرارالكاسب الصغير للبقاء في زاوية الشارع ليطعم عياله، هي عدالة تخاطر بأن تتحول إلى عبء ثقيل فوق كواهل المرهقين. ومن هنا تحديداً تبرز أهمية ما أسماه شراح القانون بـالسلطة التقديرية للقاضي، والتي لا تعني بحالٍ من الأحوال الهوى الشخصي، بل تعني تمكين رجل القضاء من النفاذ خلف ظواهر الأوراق لاستكشاف النيات، والظروف المخففة، وروح الإنصاف، وملابسات المكان والزمان. إن الدساتير الحقيقية لا تكتب فقط بالحبر على الورق المصقول، بل تحفر في وجدان المجتمع وسلوكها المشترك. وحين تبتكر الجماهير في زحمتها اليومية آليات للتراحم وتيسير العيش، فإنها بذلك لا تنتهك القانون بل تسد ثغراته، وتقدم للمشرع درساً بليغاً في كيفية جعل النصوص خادمة للحياة لا قيداً عليها. على القضاة والمشرعين معاً ألا يغلقوا نوافذهم دون هواء الشارع وصخبه. فالقانون الذي يعجز عن النزول إلى الرصيف ليتحسس آلام الناس وأعرافهم اليومية، محكوم عليه بالتكلس والعدالة التي لا تعرف لغة الزحام، ستظل غريبة في عيون أولئك الذين شرعت القوانين أصلاً لحمايتهم وتيسير سبل بقائهم في هذا العالم القاسي.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر