تداخل الأجناس الأدبية في ديوان “استعارات جسديَّة” لنمر سعدي: دراسة في حدود النص الشعري ..أ.د وسام علي الخالدي

منبر العراق الحر :يتسم ديوان “استعارات جسديَّة” للشاعر نمر سعدي بكونه مختبراً نصياً يتجاوز أفق التوقعات الأجناسية المألوفة، حيث يضحي النص فيه كياناً هجيناً يتمرد على حدود التصنيف، لا بوصفه خروجاً على النسق، بل ارتقاءً بالقصيدة إلى فضاء “النص الكلي”. إن تداخل الأجناس الأدبية في هذا الديوان لا يمثل مجرد توظيف تقني للآليات السردية أو الوجدانية في قالب شعري، بل هو انصهار عميق تتلاشى فيه الفوارق بين ذوات الأجناس؛ إذ يغدو النثر الفني في الديوان شعرياً بامتياز، وتتحول التفعيلة إلى إيقاعٍ حكائي ينهض على تقنيات السرد والوصف، مما يجعل الحدود الأجناسية في الديوان تبدو حدوداً نفاذةً ومساماتٍ تتنفس من خلالها الرؤية الشعرية. يمارس سعدي في نصوصه غوايةً لغويةً تتأرجح بين “بلاغة الكلمة” و”سردية الموقف”، حيث يقتنص اللحظة الوجودية ليحولها إلى صورةٍ شعريةٍ تتخلق من رحم الحكاية، فتبدو القصيدة هنا كأنها روايةٌ مكثفة، والرواية كأنها ومضةٌ شعوريةٌ مترعةٌ بالخيال. هذا التداخل لا يتوقف عند حدود البناء الهيكلي للنص، بل يتعداه إلى مستوى الرؤية الوجودية للشاعر، إذ يستحضر نمر سعدي إرثه الثقافي والأدبي ليشتبك مع نصوصه الخاصة عبر التناص والترميز، مانحاً إياها أبعاداً حواريةً تتجاوز الذات الفردية إلى رحابة المتن الإنساني الكوني. إن إشكالية الحدود في “استعارات جسديَّة” تتجلى في قدرة الشاعر على خلق توازنٍ دقيقٍ بين انسيابية السرد وتكثيف الشعر، مما يفرض على القارئ نمطاً من التلقي يجمع بين متعة السرد وجماليات التأمل الشعري؛ فالجسد في الديوان ليس موضوعاً للوصف فقط، بل هو “نصٌ” يحتمل التأويل ويحمل في ثناياه ذاكرة الأجناس الأدبية جميعها، محولاً الديوان إلى فضاءٍ تتحد فيه الأجناس لتشكل “قصيدة العالم” التي تتنفس من كل مسامات الأدب.

إنَّ هذا الانصهار الأجناسي في ديوان “استعارات جسديَّة” لا ينهض على تقويض الأشكال بقدر ما ينهض على استثمارِ طاقاتها التعبيرية في بوتقةٍ واحدة؛ فالقصيدة لدى نمر سعدي لا تكتفي بكونها بناءً إيقاعياً، بل تتحول إلى فضاءٍ يمتصُّ السرديةَ الروائية، ويتماهى مع البوحِ المقالي، ويتكيَّف مع الدراما المسرحية. تظهر هذه الظاهرة جليّةً في اشتغاله على “الذاكرة” التي تُعدُّ مرتكِزاً سردياً بامتياز، إذ يمزج الشاعر بين استرجاعِ الأحداث (الفلاش باك) وبين التكثيف الصوري، كما في قوله: “كانَ على الجسدِ أنْ يكتملَ/ كحكايةٍ ناقصةٍ في كتابٍ قديمٍ/ سقطَ منْ يدِ الراهبِ”، حيث نلحظُ انزياحاً من الفعل الشعري المباشر إلى استدعاءِ المكوِّناتِ الحكائية؛ فالجسدُ هنا، بوصفه “استعارةً”، غدا نصاً سارداً يتحركُ ضمن فضاءٍ زمنيٍّ متخيّل، متجاوزاً بذلك الغنائيةَ المجرّدة إلى رحابةِ “الشعريةِ السرديةِ”.

ولا يتوقف هذا التداخل عند بنيةِ الجملة، بل يمتدُّ ليشمل استدعاءَ الشخصياتِ التاريخيةِ والأدبيةِ التي توظَّفُ لا كرموزٍ جاهزة، بل كـ “شخصياتٍ روائيةٍ” تتبادلُ الأدوارَ داخلَ القصيدة، مما يضفي على النص طابعاً درامياً يسائلُ الواقعَ والأسطورةَ معاً. يقول سعدي في إحدى تجلياته: “يا لوركا! الجسدُ الذي تركتَهُ خلفَكَ في غرانادا، نبتتْ عليهِ زهورُ اللوزِ”، فهذا التناصُّ لا يعملُ بوصفه إحالةً توثيقيةً بقدر ما يعملُ بوصفه “حواريةً” بين الأجناس، حيث تتقاطعُ سيرةُ لوركا الدرامية مع تجربةِ الشاعرِ الوجدانية، محولةً القصيدةَ إلى نصٍّ مركبٍ يتداخلُ فيه التاريخُ (السيرة) مع الشعرِ (الرؤية). إنَّ هذا التوظيف يجعلُ القصيدةَ تتنفسُ عبر مساماتِ الحكايةِ المسرحيةِ، حيثُ يغدو الشاعرُ والقصيدةُ والآخرُ أطرافاً في مشهدٍ سرديٍّ يتجاوزُ حدودَ القافيةِ والوزنِ إلى عمقِ التجربةِ الوجوديةِ التي تتشكلُ في “استعاراتٍ جسديَّةٍ” لا تعترفُ بحدودٍ بينَ الفنونِ الأدبيةِ، بل تذيبُها لتجعلَ من النصِ كائناً حياً يتغذى على تعدديةِ الأصنافِ الأدبيةِ وتنوعِ مرجعياتها الجمالية.

إنَّ هذه السيولة الأجناسية في ديوان “استعارات جسديَّة” لا تلبث أن تتجلى في أرقى صورها عندما يوظف نمر سعدي تقنية “المونولوج الدرامي” التي تمنح القصيدة ملامح المسرحية الشعرية؛ إذ يتخلى الشاعر عن صوت “الأنا” الغنائي الواحد لصالح تعدديةٍ صوتيةٍ تمنح الجسدَ –بوصفه بؤرة النص– قدرةً على التحدث عن نفسه، وتحويلِ معاناةِ الذات إلى مشهدٍ دراميٍّ متصاعد. نجد ذلك في نصوصٍ تبتعد عن التقريريةِ لتلجَ بابَ “السيناريو” المتخيل، حيث لا يكتفي النص بوصفِ الجسد، بل يُحركه داخل فضاءاتٍ مسرحيةٍ توهمُ القارئ بوجودِ مسافةٍ بين الذاتِ المبدعةِ والذاتِ المسرودة؛ فيغدو النصُ بذلك “عرضاً” لغوياً بصرياً، يترجم فيه الشاعرُ الانفعالاتِ إلى حركاتٍ وإيماءاتٍ نصيةٍ تكثف دلالةَ المشهد، كما في قوله: “أخلعُ قميصي.. أخلعُ دمي/ وأعلقهُ على مشجبِ القصيدةِ/ كأنني ممثلٌ قديمٌ/ ينتظرُ إشارةَ المخرجِ ليموتَ أخيراً”. هنا، يتجاوزُ الشاعرُ حدودَ الغنائيةِ الذاتيةِ ليؤسسَ نصاً يتبنى آلياتِ الفنِّ المسرحي في البناءِ والتدرجِ والتشخيص، مما يرسخُ فكرةَ أنَّ “الجسدَ” ليس إلا خشبةً تتصارعُ عليها الأجناسُ الأدبيةُ لإنتاجِ معنىً وجوديٍّ مركب.

ولا يكتمل هذا البناءُ النقديُّ إلا بالإشارةِ إلى “التدفق المقالي” الذي يتسللُ إلى ثنايا القصائدِ كأنفاسٍ تأمليةٍ هادئة، حيثُ تتحولُ القصيدةُ إلى “مقالةٍ شعريةٍ” تمارسُ نوعاً من التفكيرِ الفلسفيِّ الموازي للصورةِ الفنية. إنَّ سعدي يزاوجُ ببراعةٍ بينَ “الاستعارةِ” التي تمنحُ النصَ كثافتهُ الشعريةَ، وبين “الاسترسالِ التحليلي” الذي يمنحهُ رصانةَ المقال، ليصبحَ الديوانُ سلسلةً من الحِكَمِ البلاغيةِ التي لا تكتفي بالإدهاشِ، بل تسعى إلى الفهمِ والتعليل؛ فينتقلُ القارئُ من سحرِ الاستعارةِ إلى منطقِ الحُجةِ الفلسفيةِ في آنٍ واحد. بهذا التداخلِ المنهجيِّ الواعي، نجحَ نمر سعدي في تحويلِ ديوانه إلى “متحفٍ أجناسيٍّ” يعيدُ تعريفَ حدودِ القصيدةِ المعاصرةِ، مؤكداً أنَّ حدودَ النصِّ ليست أسواراً للعزلِ، بل جسوراً للعبورِ، وأنَّ الشعرَ الحقيقيَّ لا يسكنُ داخلَ جنسٍ أدبيٍّ بعينه، بل هو “النورُ” الذي يفيضُ عن تلاحمِ الأجناسِ وتداخلِ أدواتِها في معمارِ “الاستعاراتِ الجسديَّةِ” الفريد.

 

تتعمقُ هذه الهجنةُ الأجناسيةُ لتصلَ إلى “التشكيلِ البصريِّ” الذي يستعيرُ من الفنونِ التشكيليةِ أدواتِ التكوينِ واللونِ والفراغ؛ فالقصيدةُ عند نمر سعدي لا تُقرأُ فحسب، بل تُرى في فضاءِ الورقِ كلوحةٍ سرياليةٍ تتوزعُ فيها الاستعاراتُ ككتلٍ لونيةٍ تكسرُ حدّةَ التتابعِ الخطيِّ للكلمات. إنَّ استحضارَ “الأمكنةِ” في الديوانِ ليسَ استحضاراً جغرافياً بقدرِ ما هو استحضارٌ لمساحاتٍ بصريةٍ تتراكمُ فيها الرموزُ كما تتراكمُ طبقاتُ الطلاءِ على القماشِ، وهو ما يتجلى في اشتغالِ الشاعرِ على “اللوحةِ والحكايةِ” كمرتكزين جماليين، حيثُ تتحولُ القصيدةُ إلى “معرضٍ” لغويٍّ يجدُ فيه القارئُ نفسهُ أمامَ مشهدٍ بصريٍّ يمتدُّ من “المرأةِ” إلى “الطبيعةِ” وصولاً إلى “الأمكنةِ” المعماريةِ التي تشكلُ ذاكرةَ الجسدِ الشاعر.

إنَّ هذا التلاحمَ بين الشعرِ وفنونِ التشكيلِ يُحيلُ النصَّ إلى “مساحةٍ تأمليةٍ” يختفي فيها الفاصلُ بينَ فعلِ الكتابةِ وفعلِ الرسم؛ فالشاعرُ هنا لا يكتبُ عن الجسدِ بل يرسمهُ بالكلماتِ، تاركاً للقارئِ حريةَ التنقلِ بين الخطوطِ البلاغيةِ التي ترسمُ ملامحَ “الأنثى” و”الطبيعةِ” كأنها كائناتٌ تنبضُ فوقَ بياضِ الصفحة. وبذلك، يكتملُ معمارُ “استعارات جسديَّة” ليكونَ شهادةً على قدرةِ الشعرِ المعاصرِ على استيعابِ كينونةِ الفنونِ الأخرى، محولاً إياها من أدواتٍ طارئةٍ إلى لغةٍ أصيلةٍ في صلبِ المعنى الشعري. إنها “استعارةٌ” كبرى؛ فالجسدُ الذي يتخذه الشاعرُ موضوعاً، ما هو إلا مرآةٌ عاكسةٌ لتداخلِ الفنونِ وتماهي الأجناسِ في نصٍّ يرفضُ التنميط، ويؤكدُ أنَّ الحقيقةَ الشعريةَ هي تلك التي تولدُ من حوارِ الأجناسِ لا من عزلتها، حيثُ يصبحُ كلُّ نصٍّ في الديوانِ “وطناً” للونِ والكلمةِ والحكايةِ في آنٍ واحد.

وبهذا الانفتاح الأجناسي، يغدو ديوان “استعارات جسديَّة” نصاً عابراً للحدود، يستحيلُ فيه “الجسدُ” إلى مصفاةٍ جماليةٍ تنصهرُ فيها الأنساقُ الأدبيةُ والفنيةُ، حيثُ لا يكتفي نمر سعدي بالاستعارةِ كأداةٍ بلاغيةٍ تقليديةٍ تقومُ على المشابهةِ، بل يرتقي بها لتصبحَ “استراتيجيةً وجوديةً” تدمجُ السردَ والتشكيلَ والمسرحَ في وحدةٍ عضويةٍ لا تقبلُ التجزئة. إنَّ اشتغالَ الشاعرِ على “المرأةِ والطبيعةِ والأمكنةِ”، وتوظيفَ هذه التيماتِ لتكونَ أوعيةً للذاكرةِ والذاتِ، يؤكدُ أنَّ النصَّ الشعريَّ المعاصرَ هو في جوهرهِ “نصٌ جامعٌ” ينهلُ من معينِ الثقافةِ الإنسانيةِ بكلِّ تجلياتها، محولاً الصفحةَ البيضاءَ إلى فضاءٍ تتحدُ فيهِ الفنونُ لتُشكلَ هويةَ الذاتِ الشاعرةِ.

إنَّ دقةَ هذا البناءِ الأجناسيِّ في الديوانِ تكمنُ في “التوازنِ الدقيقِ” بينَ غوايةِ السردِ وكثافةِ الإيقاعِ، وبينَ سرياليةِ الصورةِ ومنطقِ التأملِ، مما يجعلُ من القراءةِ رحلةً استكشافيةً لا تتوقفُ عندَ ظاهرِ المعنى، بل تغوصُ في أغوارِ “الاستعاراتِ” التي تمنحُ النصَّ ديمومتهُ وحيويتهُ. لقد استطاعَ سعدي، عبرَ هذا التشابكِ البلاغيِّ المتقنِ، أنْ يكسرَ حدةَ العزلةِ بينَ الأجناسِ الأدبيةِ، ليُعيدَ صياغةَ “حدودِ النصِّ الشعريِّ” بوصفهِ فضاءً رحباً يتسعُ لكلِّ أشكالِ التعبيرِ الإنسانيِّ، مؤكداً أنَّ “استعارات جسديَّة” ليست مجردَ قصائدَ متجاورةٍ، بل هي “معمارٌ كليٌّ” يعيدُ تعريفَ الجمالِ في زمنِ التشظي، ويجعلُ من الكتابةِ فعلاً مقاوماً، قادراً على صهرِ التناقضاتِ في وحدةٍ فنيةٍ نادرةٍ لا تني تدهشُ القارئَ وتستفزُّ ملكةَ التأويلِ لديهِ.

إنَّ هذا المنجزَ النقديَّ والجماليَّ الذي قدمه نمر سعدي يضعنا أمام مفارقةٍ فريدة؛ إذ بينما يسعى الخطابُ النقديُّ التقليديُّ إلى تقعيدِ كلِّ جنسٍ أدبيٍّ في “موطنٍ” دلاليٍّ مستقل، يأتي هذا الديوان ليعلنَ “عولمةَ النص”، حيثُ تتلاشى الحدودُ الجغرافيةُ والنوعيةُ لصالحِ “وحدةِ التجربةِ الإنسانيةِ”. إنَّ القارئَ في “استعارات جسديَّة” لا يقرأُ قصيدةً، بل يختبرُ كينونةً تتبدلُ أطوارُها بينَ ثباتِ اللوحةِ التشكيلية، وحركيةِ المشهدِ المسرحي، وتدفقِ السردِ الروائي، في تناغمٍ يُحيلُ النصَّ إلى “متاهةٍ منظمةٍ” لا يضلُّ فيها الباحثُ عن الجمال، بل يجدُ في كلِّ زاويةٍ استعارةً تفتحُ أفقاً جديداً للمعنى.

ختاماً، إنَّ دراسةَ حدودِ النصِّ الشعريِّ في هذا العملِ لا تنتهي عندَ استنطاقِ البنى النصيةِ، بل تمتدُّ لتشملَ قدرةَ الشاعرِ على تطويعِ اللغةِ لتكونَ جسراً عابراً للأجناس؛ فلقد أثبتَ سعدي أنَّ “الجسد” هو المرجعيةُ الكبرى التي تُصهرُ فيها الفنونُ جميعُها. وبذلك، يظلُّ ديوانُ “استعارات جسديَّة” نموذجاً شاهداً على أنَّ الأدبَ في ذروةِ نضجهِ يتخلصُ من أثقالِ التصنيفِ ليحلقَ في فضاءِ “الكتابةِ المطلقةِ”، حيثُ لا يبقى سوى “الصورةِ” التي تعيدُ تشكيلَ العالمِ، و”الكلمةِ” التي تمنحُ الجسدَ خلودَهُ الأبديَّ في ذاكرةِ الأدبِ الإنسانيّ.

 

اترك رد