القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري…. رزكار عقراوي

منبر العراق الحر :…..من العبودية الرقمية إلى سلاح في خدمة رأس المال أم أداة للتحرر؟…

الوجه الصاخب والوجه الصامت

ما نشهده اليوم ليس هيمنة روبوتات على البشر كما تخيلتها السينما في أفلام كثيرة، وإنما نموذجا آخر من السيطرة الرقمية، قائم على الأتمتة وتوظيف الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في إدارة جوانب كبيرة ومتزايدة من الحياة اليومية، حيث تصبح المجتمعات أكثر خضوعا لأنظمة وشركات وآلات ذكية. لكن فقدان السيطرة على هذه الأنظمة ليس سوى الوجه الصاخب لهذا الخطر، فهو يتطور بشكل سريع نتيجة المنافسة بين الدول الكبرى والشركات الرأسمالية الاحتكارية، بحيث يتعذر على القوانين والمجتمع والهيئات التعليمية مواكبته. وهنا يكمن جوهر المسألة، فالخطر لا يقف عند احتمال خروج هذه الأنظمة عن السيطرة، ذلك أن تطويرها يجري داخل علاقات ملكية ومنافسة رأسمالية شرسة تجعل هذا الخروج أرجح وتضاعف كلفته على الناس. أما وجهه الأخطر فأهدأ بكثير، إذ يسهم الذكاء الاصطناعي، في ظل البنية الرأسمالية التي تطوره وتوجه استخداماته، في تشكيل وعي مليارات البشر وتوجيه انتباههم وسلوكهم بما يخدم منطق النموذج الرأسمالي. كما أن المنافسة بين الاحتكارات الرأسمالية الرقمية والدول الكبرى، في غياب قيود وقوانين فعالة، من الممكن أن تلحق أفدح الأضرار بالعقل البشري، وقد تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح دمار شامل إذا استمر تطويره ونشره بهذا التسارع المفرط ومن دون ضوابط.

ولم تعد هذه المخاوف تصدر عن النقاد وحدهم، فقد كشفت مجلة TIME خروج أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة وهجومه على أنظمة أخرى، وبعدها بأيام وقع ما يقارب 1400 مهندس ومهندسة في كبرى الشركات عريضة مشتركة تطالب بضبط وتيرة التطوير. ووقع عشرات الآلاف، ومنهم كبار علماء هذا الحقل، بيانا دوليا يطالب بحظر تطوير «الذكاء الخارق» حتى يتوافر إجماع علمي على إنجازه بأمان. كما طالب كثير من المفكرين والتقنيين، ومنهم العاملون في هذا المجال، بضرورة قوننة تطوره ووضعه تحت إشراف مجتمعي.

ولا ينكر أحد ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من إمكانات هائلة في اكتشاف الأدوية وتشخيص الأمراض ومحاكاة تغيرات المناخ وكسر الحواجز اللغوية وتسهيل الحياة اليومية والمهنية. والسؤال الذي يطرحه هذا المقال يتعلق بمن يملكه ومن يوجهه ولمصلحة من يعمل.

 

توجيه الوعي لتعزيز الثقافة الرأسمالية

تُوظف هذه التكنولوجيا منهجيا لتشكيل وعي الأفراد وتوجيهه، بهدف تعزيز الثقافة الرأسمالية وقيمها. فمن خلال تحليل البيانات والسلوك، تتحكم خوارزميات الترتيب والتوصية في المحتوى المعروض، وتُصمم لتغذية الأفراد بما يخدم الرؤية الرأسمالية. 

وقد بات هذا الاتجاه راسخا مع توسع هذه المنصات، فوفقا لما ورد في تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات، بات نحو ثلاثة أرباع سكان العالم مستخدمين للإنترنت، بزيادة تفوق 240 مليون مستخدم خلال عام واحد. ويعود هذا التوسع جزئيا إلى سعي الشركات الاحتكارية والدول الكبرى لإيصال الإنترنت إلى كل بقاع العالم، وخاصة دول الجنوب، حتى في مناطق تفتقر إلى الماء النقي والكهرباء والخدمات الأساسية، لأن أولوية الاستثمار تتجه إلى ما يوسع السوق قبل ما يسد حاجات الناس، بهدف تعظيم الأرباح وتعزيز الهيمنة واستعمارها رقميا.

وهكذا يوجه الوعي الجماعي تدريجيا نحو تقبل هذه القيم بوصفها طبيعية وحتمية، بأسلوب ناعم وغير محسوس، إلى حد أن معظم المستخدمين، ومنهم قطاعات من أصحاب الفكر اليساري، يرون في هذه التكنولوجيا أدوات محايدة، فتتكرس الهيمنة الرأسمالية وتهمش الأفكار والبدائل اليسارية والتقدمية.

 

تفكيك المهارات البشرية والعبودية الرقمية الطوعية

ويمتد التهديد إلى ملكات الفرد الذهنية. فبحسب دراسة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس، يقلل الاعتماد على أدوات الكتابة بالذكاء الاصطناعي من النشاط الدماغي ويضعف الذاكرة والإحساس بملكية الأفكار، وسمى الباحثون هذه الظاهرة «الدين المعرفي». ووجدت دراسة أخرى أن الاستخدام المتكرر يرتبط بضعف التفكير النقدي عبر آلية «التفريغ المعرفي»، أي إحالة التذكر والتحليل إلى الأجهزة.

ولا يقتصر الأمر على المختبرات. فقد جاءت نتائج تقييم مستوى الطلبة قبل أيام لتنقل المشهد إلى أنظمة تعليمية بأكملها: أسوأ نتائج في تاريخ المدارس الأوروبية، بتراجع يعادل سنوات دراسية كاملة، والصورة ذاتها تتكرر في عشرات الدول. وهذا التراجع ليس أثرا جانبيا عارضا، فخلفه نموذج ربح المنصات القائم على الإدمان الرقمي، حيث تُستغل البيانات الضخمة لفهم دوافع الأفراد والتلاعب بها.

وما يجعل هذه السيطرة أشد خطورة هو طابعها الطوعي، إذ يُدفع الأفراد، بفعل التلاعب الخوارزمي وضغط استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل والحياة اليومية، إلى الانخراط في هذه «العبودية الرقمية» من دون إكراه، بوهم التحكم والاختيار. ويجري الترويج لذلك بوصفه حرية فردية. غير أن الحرية التي لا يملك صاحبها شروطها ليست حرية. إنها حرية الاختيار بين ما وضعه رأس المال أمامه، من دون أي سلطة على ما يوضع أمامه أصلا.

وما يجري على مستوى الفرد يتكرر على مستوى البشرية. فحين يتنازل الإنسان يوما بعد يوم عن قراراته الصغيرة للخوارزميات، تتنازل المجتمعات عن قراراتها الكبرى لمنظومات رقمية لا تخضع لرقابتها. والسبب واحد، فغياب الملكية الجماعية والرقابة الديمقراطية هو ما يجعل الفرد يفقد السيطرة على وعيه، وهو نفسه ما قد يجعل البشرية تفقد السيطرة على أخطر أداة صنعتها.

وعلى هذا الأساس، يعاد إنتاج الاغتراب الإنساني رقميا، حيث ينفصل الإنسان عن ملكاته العقلية والإبداعية، ويجد نفسه محاصرا ضمن منظومة تقنية تسلبه قدرته على الفعل والتفكير المستقل. وقد يتحول تدريجيا إلى كائن خاضع للخوارزميات التي توجه تفاعلاته اليومية، وتحدد له ما يقرأ ويشاهد وكيف يفكر وكيف يكتب ويتواصل، مما قد يعزز تبعيته لأنظمة وشركات ودول يسيطر عليها رأس المال وقوى الاستغلال والاستبداد.

 

الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى سلاح دمار شامل

وعلى المستوى العسكري، تتجسد هذه المنافسة في سباق تسلح فعلي يشمل الأسلحة ذاتية القرار والروبوتات القتالية وأنظمة الاستهداف. ويحذر باحثون من انهيار هذه المنظومات حين تنتقل من بيئة الاختبار إلى ظروف الحرب. والخطر ليس افتراضيا، فقد خرجت أنظمة ذكاء اصطناعي عن السيطرة في حالات معلنة وموثقة.

غير أن الدمار الذي قد ينتج عن الذكاء الاصطناعي لا يقف عند حدود الحرب والعمليات العسكرية، فله مستوى آخر أهدأ صوتا وأبعد أثرا. فالسلاح النووي ارتبط باستخدام عسكري مباشر ومكشوف نسبيا وخاضع لحسابات واتفاقيات دولية معلنة، وبقي خطره محصورا في لحظة الانفجار وما يليها.

أما على مستوى الوعي، فالذكاء الاصطناعي يعمل بصمت ويتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى التعليم والعمل والإعلام والخدمات ومعظم مفاصل المجتمع، فيضعف المهارات البشرية، ويعمق الاعتماد على الأنظمة الرقمية، ويتراجع معه التفكير النقدي والاستقلال المعرفي. وهنا يصير الدمار أقل صخبا وأوسع انتشارا، وتصبح العبودية الرقمية ذاتها شكلا من أشكال أسلحة الدمار الشامل، لأنها لا تقتل الإنسان دفعة واحدة، وإنما تعيد تشكيل وعيه وقدراته وعلاقاته يوما بعد يوم. فالمستويان وجهان لسلاح واحد، أحدهما يدمر الأجساد في لحظة، والآخر يفكك العقول على مهل.

وبالنظر إلى المستويين معا، لا يكمن الخطر فقط في إنتاج أسلحة أكثر فتكا، وإنما أيضا في إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع عندما يكون تطوير الذكاء الاصطناعي وتوظيفه خاضعا لمنطق الربح والمنافسة والاحتكار والسيطرة. فالذكاء الاصطناعي قد يهدد قدرة الإنسان على الفهم والاختيار والتحليل والتقرير. ولهذا وقع مئات من كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي، من بينهم من ساهموا في بنائه، على بيان مقتضب يعتبر أن «الحد من مخاطر الانقراض الناجمة عن الذكاء الاصطناعي أولوية عالمية ينبغي أن تحظى بالمكانة نفسها التي تحظى بها مخاطر كبرى أخرى كالجوائح والحرب النووية».

فحين تتحول التكنولوجيا الأخطر في تاريخ البشرية إلى ورقة في يد التنافس الجيوسياسي والعسكري الرأسمالي بين الأقطاب الكبرى، من دون كوابح قانونية واجتماعية وديمقراطية حقيقية، فإن خطر فقدان السيطرة لا يعود تهديدا للوعي الفردي وحده، وإنما يصبح تهديدا لمستقبل المجتمع والإنسانية بأكملها.

 

ساحة صراع طبقي ومعرفي

ومع ذلك، من الخطأ السقوط في الحتمية التكنولوجية. فالذكاء الاصطناعي ساحة صراع طبقي ومعرفي مفتوحة، يوظفه رأس المال في القمع والاستهداف والقتل وغسل الوعي، ويستخدمه أطباء وباحثون في المناخ وناشطون ونقابات وحركات عمالية في العلاج والنضال وإيصال صوت الضحايا. والأدلة ذاتها التي ترصد الضرر ترصد النفع حين تتغير الشروط، في التعليم وفي مواقع العمل، حيث يرتفع التحصيل وترتفع الإنتاجية حين يصمم النظام ليجعل المستخدم يشتغل بدلا من أن ينوب عنه، ومع بقاء الإشراف المجتمعي.

ويبقى السؤال الأهم: من المستفيد من هذه المكاسب؟ فارتفاع الإنتاجية يعني زيادة في فائض القيمة المنتزع من عمل شغيلات وشغيلة اليد والفكر، والذكاء الاصطناعي يكثف الاستغلال ويعمقه، لأنه ينتج القيمة ذاتها بعمل أقل ووقت أقل ويحول الفارق إلى أرباح أرباب العمل الرأسماليين. ويتخذ هذا أوضح صوره في ميدان العمل، حيث يُقدم الذكاء الاصطناعي كائنا مستقلا «يستولي» على الوظائف، وهذا غطاء أيديولوجي يخفي أن كل وظيفة تلغى قرار يتخذه مجلس إدارة. وحتى حيث لا يحل محل أحد، يكفي التلويح باحتماله لينضبط الجميع، فيقبل الشغيلة ساعات أطول وأجورا أدنى ومراقبة أدق خوفا من الطرد. إنه جيش العمل الاحتياطي في صيغته الرقمية، يكفي بقاؤه ماثلا في الأفق ليضعف قدرة الطبقة العاملة على التفاوض والتنظيم والإضراب. والبطالة هنا ليست قدرا تقنيا، فهي قرار يتخذه رأس المال، والتقنية ذاتها التي تلغي وظيفة قادرة على تقليص يوم العمل مع بقاء الأجر وتوسيع وقت الراحة، لو كان القرار بيد من ينتجون القيمة.

 

خلاصة ومهمات، نحو ذكاء اصطناعي في خدمة البشرية

وهنا يبرز التناقض الأساسي، فالذكاء الاصطناعي منتج اجتماعي بامتياز، بني على المعرفة البشرية المتراكمة وعلى عمل الملايين، غير أن ثماره تستحوذ عليها حفنة من الاحتكارات والدول بوصفها ملكية خاصة. إنه التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه، وهو يعاد إنتاجه في أكثر قوى الإنتاج تطورا في التاريخ. فالمشكلة الأساسية تكمن في ملكية وسائل الإنتاج الرقمي والسيطرة عليها، وهذا ما ينقل المعركة من ميدان الشكوى من التكنولوجيا إلى ميدان الصراع الطبقي.

إن ما يواجهنا اليوم ليس قدرا تقنيا محتوما، وإنما نتاج خيارات سياسية واقتصادية تخدم مصالح رأس المال، ويمكن مواجهته. ويتطلب ذلك تنظيما يساريا وتقدميا وحقوقيا على المستوى العالمي، وجعل البنية التحتية للبيانات خاضعة للمصلحة العامة والإدارة المجتمعية، وتحويل الخوارزميات من «صناديق سوداء» إلى برمجيات مفتوحة المصدر قابلة للتدقيق المستقل، وفرض الشفافية في تصميم النماذج ومصادر بياناتها، ودعم بدائل رقمية تعاونية يملكها المستخدمون والعاملون فيها، وتوجيه هذه التكنولوجيا إلى خدمة حاجات المجتمع والعدالة الاجتماعية.

فمن دون هذه الآليات، تبقى الدعوة إلى القوانين والرقابة عامة وقاصرة، وتظل التكنولوجيا رهينة حفنة من الشركات الاحتكارية والقوى الكبرى. أما عبر الملكية والمساءلة المجتمعية والبدائل التعاونية، فيصبح ممكنا انتزاع الذكاء الاصطناعي من منطق الاحتكار والربح، وتحويله إلى ملك جماعي ووسيلة لتحرير الإنسان.

اترك رد