منبر العراق الحر :
هل يمكننا أن نحاكم أنفسنا بإنصاف، ونحن القاضي والخصم في الوقت ذاته؟
أظن أن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الآخر في رحلة معرفة نفسه وتهذيبها وتقويم اعوجاجها، فكلما اقتربت علاقتنا بالآخر، وكانت قائمة على الصدق والانفتاح والثقة والطمأنينة، تحولت هذه العلاقة إلى مرآة تكشف لنا ما لا نراه في أنفسنا: ضعفنا، وقوتنا، ونقاط هشاشتنا، ونمط شخصياتنا، وطريقة استجابتنا للحياة ومواقفها.
ولذلك أرى أن العلاقة القريبة بالآخر، رجلًا كان أم امرأة، حين يسودها الصدق والأمان، ويتعاقب فيها النصح أحيانًا والصراع أحيانًا أخرى، تصبح أشبه بساحة تُقدَّم فيها الأدلة التي تساعدنا على محاكمة ذواتنا، لا لإدانتها، وإنما لفهمها وإصلاحها.
فكيف لك أن تختبر هدوءك إن لم يستفزك الآخر؟
وكيف لك أن تعرف مقدار التسامح في داخلك إن لم تتعرض للخذلان؟
وكيف تكتشف نبلك وسموك، إن لم تضعك الحياة أمام مواقف تختبر إنسانيتك؟
ولعل الله لا يتركنا نمضي في الحياة دون إشارات ورسائل، يرسلها إلينا عبر المواقف، والأحداث، وأحيانًا عبر الأشخاص الذين يعبرون حياتنا. وربما كان الآخرون، كل الآخرين، محطات ومراحل وفترات في رحلتنا، حتى أبناؤنا الذين نحتضنهم في بدايات أعمارهم، ثم يكبرون ويصنعون حياتهم الخاصة، فتتغير أدوارهم ومحطاتهم في حياتنا.
أما من يلازمنا حتى اللحظة الأخيرة، فهو نحن.
نظل برفقة أنفسنا حتى تغادر الروح الجسد، ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في هذه الرحلة أن نُحسن تربية هذا الرفيق الذي لا يفارقنا: أن نهذب النفس، ونروضها على الطيبات، ونعلّمها الرضا، ونمنحها السكينة، حتى تصبح لنا أنيسًا صالحًا نستطيع أن نطمئن إلى صحبته.
ومن هنا، ربما لا تكون الغاية الأعمق من علاقاتنا بالآخرين هي السعادة وحدها، فالسعادة، في كثير من الأحيان، حالة عابرة تتصل بارتفاع المشاعر، أو بلحظة محبة وود، أو بإشباع احتياج روحي أو عاطفي عميق.
أما الغاية الأبعد، في نظري، فهي أن تكون رحلتنا مع الآخر سفرًا إلى الداخل، أن نعبر من خلاله إلى ذلك العالم العميق في ذواتنا، فنرى ظلالنا قبل نورنا، ونواجه ضعفنا قبل قوتنا، ونتعرف إلى أنفسنا كما هي، لا كما نحب أن نراها.
فربما لم يأتِ بعض الذين عبروا حياتنا ليبقوا فيها، بل ليكشفوا لنا شيئًا فينا.
وربما كانت بعض العلاقات، بما حملته من حب أو ألم أو خذلان أو مواجهة، رسائل خفية تقول لنا:
انظر إلى نفسك… هنا موضع يحتاج إلى تهذيب، وهنا جانب يستحق أن ينمو، وهنا نور لم تكتشفه بعد.
وهكذا يصبح الآخر، في أعمق صوره، ليس غاية الرحلة… بل أحد أبوابها إلى النفس.
#بذور_أفكاري
#حميدة_القحطاني
منبر العراق الحر منبر العراق الحر