مِن البرِّ إلى القهْر: قراءةٌ في سرديةِ طاعةِ الوالدين وآثارها النفسية الاجتماعية… بِقَلَم: محمد خليفة أحمد

منبر العراق الحر :…باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم….
كثيرًا ما تترددُ على آذانِنا، وفي المحافلِ الدينيةِ، وغيرها من وسائلِ الإعلام، مواعظُ عن طاعةِ الوالديْن وفضلها، وعن خطورةِ العقوقِ لهما؛ حتى كرَّسَ هذا الخطابُ نوعًا مِن الدكتاتورية والتسلُّط مِن كثير مِن الآباء -لا على الإطلاق- والأمهات على شتى مناحي حياةِ أبنائهم، بل وإرغامهم على أشياءَ مصيريةٍ تحت مسمَّى «الطاعة».
وهنا يَحِقُّ لنا التوقفُ لننظرَ إلى الأمرِ من أكثر من زواية.
• أولًا: المنظور الديني.
فمِن جهةِ القرآنِ الكريم، لم تَرِدْ كلمةُ «طاعة» أثناءَ الحديثِ عن الوالدين أبدًا، وإنما أتتْ كلمةُ «البِرِّ»، حتى إن لفظَ «الطاعةِ» الوحيدِ الذي أتى في معرِضِ الحديثِ عن الوالدين، كان بنفْي الطاعةِ لهما لا بإثباتها، وذلك إذا أمرَ الوالدان أبناءَهم بالشرْكِ بالله، كما قال تعالى: «وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰۤ أَن تُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِی ٱلدُّنۡیَا مَعۡرُوفࣰاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِیلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَیَّۚ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ». (سورة لقمان، الآية: ١٥).
وورد الحديثُ عن الوالديْن بألفاظٍ مثل: «ووصيْنا» و «البِر» و «الإحسان»، وهناك فارقٌ كبيرٌ بين الطاعةِ والبر؛ فالطاعةُ تقتضي تنفيذَ ما يَصدُرُ عن الوالديْن -أو غيرهم- تنفيذًا جازمًا لا نقاش فيه، ولا خيارَ للرفْض، بينما البِر لا يعني إلا حُسْن المعاملةِ، والإحسان إليهما، واللطف معهما، ورعايتهما، كل هذه أمورٌ جيدة، ولا خلافَ عليها، متى كانت الأوضاع مستقرة.
والبِرُّ لا عَلاقةَ له بأن ينفِّذَ الأبناءُ ما يقولُه آباؤهم لهم من قراراتٍ تمسُّ حياتَهم -حياة الأبناء- الشخصية، خاصة إذا كانت هذه القرارات مصيرية، تترتبُ عليها أمورٌ عديدة، سيتحملها الأبناءُ وحدهم، وحينها سيُسألُ الأبناءُ أمامَ اللهِ إذا كان أمْرُ والديْهم دَفَعَهُم إلى ضررٍ في أنفسِهِم، أو ترتبَتْ على اتباعهِم لآبائهم آثارٌ نفسيةٌ سلبية، فالله تعالى يقول: «وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلۡزَمۡنَـٰهُ طَـٰۤىِٕرَهُۥ فِی عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ كِتَـٰبࣰا یَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا». (سورة الإسراء، الآية: ١٣).
بمعنى أن كلَّ إنسانٍ مسؤولٌ عما يصدرُ عنه مِن أفعال، ولا يمكن تبريرُ هذه الأفعالِ أمامَ اللهِ بأنها كانت طاعةً للوالديْن أو لغيرهما.
ولنا في رسولِ الله، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، أعظمُ مثالٍ على عدم إجبارِه لأحدٍ من بناتِهِ على شيء، فمِن الثابتِ أن النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، كان يستشيرُ بناته عندما يتقدمُ أحدٌ لخطبتهنَّ، هذا ورسول الله له من المكانة ما تسمحُ له بصلاحيات ليست لغيره، ولكنه لم يتخذْ سبيلَ الإجبارِ وفرْض الرأي وقهر بناته فيما يختص بشؤون حياتهم.
والخطابُ الداعي إلى الطاعةِ المُطلقة للوالديْن خطابٌ أحادي، يَغفلُ عن أن هناك عقوقًا للأبناءِ، مثلما هناك عقوق للآباء، وهذا مصداق لقول عمر، رضي الله عنه، للرجل الذي جاءه شاكيًا عدم بر ابنه به، وعندما تحققَ عمرُ، من الأمرِ، وسمِعَ من الولدِ سوءَ والده معه، حينها قال عمر للأب: لقد عَقَقْتَهُ قبل أن يَعُقَّك، بمعنى أن اللومَ توجَّهَ إلى الوالدِ لا إلى الوَلَد، الذي زُعِمَ أنه عاقٌ، مع أن والدَه لم يفعلْ له شيئًا جيدًا طوال حياته.
ومِن هنا نفهم أن الخطابَ المتسلِّط، الذي يريدُ قَهْرَ الأبناء، ثم يبرِّرُ موقفَهُ بالطاعة، من خلالِ التلاعبِ بمفهوم البرِّ والإحسان، أقولُ: من هنا نفهم أنه خطابٌ كهنوتي، يريدُ إلباسَ موقفه ثوب الشرع، والشرعُ بريءٌ من مثل هذه التصرفات؛ فاللهُ تعالى قد كَفَلَ حريةَ الإيمانِ والكُفْر به، فيقول: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ». (سورة الكهف، آية ٢٩). يقول هذا وهو رب العالمين، فما بالنا بمَن دونِهِ مِن البشرِ، أيحق لهم أن يَسْلِبوا حريةَ الإنسانِ في شتى أمور الحياة؟!
• ثانيًا: المنظور النفسي والاجتماعي.
كما لا ينتبه الآباءُ أنهم بمحاولاتِ إجبار أبنائهم على قراراتٍ معينةٍ، أو أفعالٍ لا يرتضونها، إلى أن ذلك قد يوجههم للانحرافِ الفكريِّ والسلوكي، وقد يدفعُهم إلى الحصولِ على مرادِهم بطرقٍ غيرِ مشروعة، أو مشروعة ولكن ضريبتها ثقيلةٌ على الأسرة، بعد أن سُدَّ بابُ الاختيارِ في وجهِ الأبناءِ من قِبَلِ آبائهم، ومَن يتفطنُ إلى مثلِ هذه الأبعادِ الاجتماعية، ومآلات قهْر الأبناءِ وإجبارِهم؛ سيمنعُ بذلك آثارًا قد تكون مدمِّرةً لحياةِ الأبناءِ ونفسيتهم، وسَيَحْمي المجتمعَ مِن بعضِ السلوكياتِ الخطيرةِ الناتجةِ عن قهْرِ الأسرةِ للأبناء؛ الذين إذا وجدوا أن البيتَ لا يمثل مصدرَ أمانٍ لهم؛ لجأوا -في أحايين كثيرة- إلى البحثِ عن مرادِهم خارج البيت، فليحذَرْ كلُّ أب وأم مِن إجبار أبنائهم على أشياء بعينها؛ ثم يعودون يندمون على نتائجَ خطيرةٍ حدثتْ للأبناء -أو للآباء أنفسهم- بسبب سلوكِ الإجبارِ والتسلطِ مِن والديْهم.
وطبعًا كل هذا لا يبرر أي انحرافٍ سلوكي للأبناء، ولا يرفعُ عن كاهلهم المحاسبةَ، فالأبناء مسؤولون أمام الله، ولا يمكن تبرير أخطائهم بأنها كانت بدافعٍ مِن الوالديْن أو غيرهم، إلا أن ذلك يختلفُ عن المراد الذي أسعى إلى إيصالهِ للقارئ، وهو: الأثر الذي يتركُه كثيرٌ مِن الآباءِ والأمهاتِ على حياةِ أبنائهم وسلوكِهِم، كما أن محاسبة الذي تعرضَ لقدر مِن القهر تختلفُ عن الذي تجردَ مِن كل الضغوطات والصعوبات والعراقيل، سواء مِن الوالديْن أو غيرهم.
إن الآثارَ الاجتماعيةَ لقهْرِ الأبناءِ وإجبارهم ليست باليسيرةِ، وسأضربُ على ذلك مثالًا محددًا: إن أُجْبِرَتْ فتاةٌ مِن والديْها على الزواجِ مِن شخصٍ لا ترغبه، وتَرغبُ غيرَه، فهذه خطوة مِن الوالديْن لدفْع الفتاة خطوات نحو طريقِ الخيانةِ، فإذا استطاعَ الأهلُ إجبار جسد الفتاة على العيش مع مَن لم ترغبْه، فلن يستطيعوا إجبار قلبها؛ فيكون مِن آثار ذلك أن يبقى قلبها معلَّقًا بمَن ترغبه، وجسدها حبيس عند آخَر لا ترغبه، وهذا نوعٌ مِن الخيانةِ القلبية، التي لا تقل خطورة وقسوة عن الخيانة الحسيَّة، بل هذا النوع مِن الخيانة -الخيانة القلبية- مِن الصعب أو مِن شبه المستحيل اكتشافه، لأنها حالة في داخل الإنسان، وكل ذلك بسببِ إجبار مِن الأهل لابنتهم على قرار كهذا، لغرضٍ أو مصلحة ما يبتغونها.
ولقد ردَّ -أي أبطلَ- النبيُّ، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، نكاحَ خنساء بنت خِذامٍ الأنصارية، عندما زَوَّجها أبوها وهي كارهة لذلك(١)، وهذا دليلٌ قويٌّ على أن مخالفةَ الوالديْن في مثل هذه الأمور أو ما يشبهها ليس مِن العقوق في شيء.
إن مثال الإجبارَ على الزواج هذا ليس الوحيد في حالات الإجبار؛ فهو نموذج فقط، ولكن الإجبار يتعدى ذلك إلى مظاهرَ كثيرةٍ، كالإجبارِ للأبناء على اتخاذِ مسارٍ تعليمي بعينه لا يريدونه، ثم قد تكون مآلات هذا القرار: فشل الأبناء في دراسةٍ لا يرغبونها، وبذلك قد تتكوَّنُ عقدةٌ كبيرةٌ تعرقلُ حياةَ الأبناء، بعد فشله هذا.
إن فكرة الإجبار لا تسيطر على مثال واحد فقط؛ وإنما تتعداه إلى نواحٍ عميقة في مجتمعاتنا، فحتى النظام التعليمي، أو معظمه إلا مَن رحِمَ ربي، يقومُ على فكرة الإجبار، والحفظ والتلقين، وأن معايير الكفاءة في هذا النظام تعتمدُ على الطاعة العمياء مِن الطالب لأستاذه ولِواضعي المناهج التعليمية، مِن خلال الالتزام بكل حرفٍ مما يُملى عليه، وحفظه وترديده، دون أدنى اعتراض أو إعمالٍ للفكر النقدي(٢).
ومثال آخَر على فسادِ منهج الإجبار: إذا أجبرَ الآباءُ أبناءَهم على أداءِ الطقوسِ الدينيةِ إجبارًا، كالصلاة، فهذا السلوك لا يصنعُ إلا حالةً مِن النفاق، لأن الشخصَ حينها سيؤدي شيئًا لمجرد الضغطِ عليه مِن غيره، لا عن قناعةٍ ورغبةٍ قوية نابعة مِن داخله، وهكذا، فإن سلوك القهر والإجبار لا يُفرِزُ إلا حالاتٍ مثل: الخيانة، أو النفاق، أو شخصية غير سوية، أو كل هذه الصفات مُجتمِعَة، وأولُ طريقٍ في محاولةِ بناء شخصيةٍ سوية: هو البُعد عن اتباعِ منهج القهرِ والإجبار، نعم لابد مِن التوجيه والتدريب للأبناء وغيرهم على السلوك القويم، ولا مانع أيضًا مِن إبداء الوالديْن أو غيرهم لخبراتهم وتوجيهاتهم، ولكن في النهاية يُترَك المصيرُ لصاحب الأمر، سواء أبناء أو غيرهم، يقررُه بنفسه، طالما أنه لم يهتك حقَّ غيره أو يتعدى عليه ويسبب له أذى مادي أو نفسي، نعم الأمور المشتركة تحتاج إلى قرارٍ مشترك، ولكن فيما يتعلق بمصير الإنسان الذي لن يعود على غيره بالضرر، فهنا منطقة خاصة لا يجب أن يكون هناك مدخل للجبر والقهر فيها، لأننا في النهاية نريدُ أن نصنع أشخاصًا أسوياء لا معقدين أو مقهورين، ونريد كذلك أن نصنع صادقين لا منافقين، ومِن ثَمَّ تتضح لنا مآلات القهر والجبر الوخيمة على الفرد والمجتمع.

ـــــــ
هوامشُ المقالةِ:
ـــــــ
(١) البخاري، «الجامع الصحيح»، اعتنى به: محمد فؤاد عبد الباقي، (ط١، القاهرة، دار ابن الجوزي، ٢٠١٠م)، كتاب النكاح، باب: «إذا زوَّجَ ابنتَهُ وهي كارهةٌ فنكاحُه مردود»، ص ٦٣٠.
(٢) د. فؤاد زكريا، «مرض عربي اسمه الطاعة»، (مجلة العربي، العدد٣٣٢، يوليو ١٩٨٦م)، ص ٢٠.

اترك رد