منبر العراق الحر :
يكاد لا يخلو بيتٌ عراقيٌّ من حامل شهادة جامعية، بل إن كثيرًا من العائلات تضمّ بين أفرادها حملة شهادات الماجستير والدكتوراه، حتى غدت شهادة البكالوريوس، من فرط انتشارها، قريبةً في قيمتها الاجتماعية والوظيفية من الشهادة الإعدادية قديمًا. ومع ذلك، ما يزال العراق عاجزًا عن إنتاج كثير من أبسط حاجاته، وينفق مليارات الدولارات على رواتب حملة الشهادات ومخصّصاتهم، من دون أن تتحول هذه الطاقات إلى قوة إنتاجية تنهض بالبلاد.
لقد أخذت الجامعات والكليات الحكومية والأهلية والمعاهد العليا تتكاثر تكاثرًا يشبه انشطار الأميبا، من دون أن يصاحب هذا التوسعَ ارتفاعٌ مماثل في جودة التعليم والبحث العلمي. فازدادت أعداد الشهادات والألقاب الأكاديمية، بينما ظل أثرها في الصناعة والزراعة والخدمات محدودًا، وبقيت آلاف الرسائل والأطاريح حبيسة الرفوف، بعيدةً عن حاجات المجتمع ومشكلاته الحقيقية.
أما المجموعة الطبية، فحدِّث ولا حرج؛ إذ تتزايد أعداد الخريجين من دون وجود مؤسسات صحية قادرة على استيعابهم، في وقت ما تزال فيه الخدمات الصحية متردية، والمستشفيات تعاني نقصًا في الأجهزة والأدوية والأسِرّة والبنى التحتية. وكذلك تضخمت أعداد خريجي التخصصات الهندسية أضعافًا كثيرة، من دون أن يظهر أثر يتناسب مع هذه الأعداد في بلد تتداعى فيه الطرق والجسور، وتضطرب شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي، وتتوقف فيه المصانع والمشروعات الكبرى.
وليست المشكلة في الخريجين أو في كثرة المتعلمين، بل في غياب التخطيط الذي يوازن بين أعداد المقبولين، وجودة التعليم، وحاجات سوق العمل، وقدرة الدولة على استثمار الكفاءات. لقد توسعت الدولة في منح الشهادات، لكنها لم تتوسع بالقدر نفسه في بناء المؤسسات والمختبرات والمصانع والمستشفيات والمشروعات التي تستثمر طاقات أصحابها.
إن الأمية ليست دائمًا عجزًا عن القراءة والكتابة؛ فقد تكون عجزًا عن التفكير والإنتاج وتوظيف المعرفة. وحين تصبح الشهادة لقبًا اجتماعيًّا أو وسيلةً للحصول على وظيفة وراتب، ولا تتحول إلى ابتكار وإنجاز وقدرة على حلّ المشكلات، نكون أمام أمية مقنَّعة بالشهادات. فتقدُّم الدول لا يُقاس بعدد الشهادات المعلّقة على الجدران، بل بما تنتجه العقول التي تحملها؛ فالشهادة التي لا يصدّقها الإنجاز ليست إلا ستارًا أنيقًا يخفي وراءه بلدًا يعود إلى الوراء.
841,577,0,0.5757894736842105,-1
منبر العراق الحر منبر العراق الحر