منبر العراق الحر :
في ذلك الحيّ القاسي، حيث تتشابك الأزقة كأوردةٍ يابسةٍ يطؤها الغبار، كان الفتى يمرُّ بجسده النحيل وثيابه التي أكلها الشحب. في الخامسة عشرة من عمره، لا يملك سوى قلبٍ كصفحةِ ماءٍ سكونية، وأحلامٍ تتضاءلُ كلما اصطدمت بثقل الفقر المعشعش في جدران بيته. كان يمشي بحثاً عن لمسة حنانٍ غائبة، أو كلمةٍ دافئة ترمّم السور المتداعي لوحدته الخانقة.
كان البيت خاوياً إلا من أنفاس الجدران المظلمة؛ فالأب طريدُ لقمة العيش من فجر اليوم حتى مغيبه، يعود جثةً يعلوها الإعياء، حاسباً الساعات ليبدد شقاءه في نومٍ كالموت، بينما الأم غارقة في عتمة شاشة هاتفها الباردة، تفصلها العوالم الافتراضية عن ذلك الظمأ الروحي الذي ياكل قلب ولدها الصغير.
وفي ظهيرةٍ غائمة، توقفت عند حافة الطريق عربة “تكتوك” ينبعث منها أزيزٌ مبحوح. كان يقودها رجلٌ في ثلاثينيات العمر، في وجهه ابتسامة مريبة تُخفي خلف طياتها شراسة الذئاب ومكر الطرقات. أطل من نافذته المفتوحة ورمق الفتى ونبس بنبرةٍ طافحة بالخداع:
— “اصعد يا بني.. أنت ابن حيّنا، ومن واجبي أن أحملك معي وأكون في خدمتك.”
صعد الفتى بصفاء نيةٍ فطريّة، يظن أن الأيام سالمت أخيراً غربته، وأن في هذا العالم الموحش من يلتفت إلى ضياعه.
لم تكن تلك سوى البداية. أخذ الرجل يتلقّفه عند أطراف الحي كل يوم، ينقله من مكان إلى آخر، ويبثّ في مسامعه سموماً متواريةً تحت عباءة المودة. كان يزين له أنهما غريبان في مجتمعٍ صلفٍ لا يفهم رقة قلوبهما ولا يرحمهما، حتى تمكن الخداع من الفتى وسلّمه قياد ثقته بلا حذر.
ثم أطبقت الليالي السوداء سُدفها. استدرجه الوحش في ليلةٍ خلت من أعمدة النور ومن الرحمة، إلى بقعةٍ قصيّة يُنكرها الضوء وتجللها العتمة. هناك، سحق براءته وانتهك أثمن ما يملكه الآدمي من حرمة، ولم يقف عهر الجريمة عند ذلك الحد، بل وثّق فاجعته بصورٍ عبر هاتفه لتكون وثيقة عذابه الدائم. وبدمٍ يقطر برودة، أهوى على أذنه بهمسٍ كشفرة السكين:
— “إن أطعتني ظلّ هذا سرنا المكتوم.. وإن عصيتني فضحتك بين الداني والقاصي.”
رَجَع المراهق إلى البيت كمن يسحب جثته على الأرصفة. تحول جسده الصغير إلى كتلةٍ من الوجع الصامت، يتقلب على جمر خيارين أحلاهما علقم: إما الاستسلام لهذا الذئب والانحدار في مهاوي الهاوية، وإما الفضيحة التي ستسحق كرامة عائلته وتتركها حطاماً.
نظر إلى أمه المنكفئة على وهج هاتفها المصنوع من الزجاج والحديد، وإلى أبيه الغارق في سُهاد التعب الشديد، فشعر بغربةٍ شديدة تجتاح كيانه، وبأنه خنق داخل حصارٍ من الظلمة لا يملك منه نفاداً.
لم يطق ذلك الجسد الغض كل ذلك القهر الشديد، ولا اتسع عقله الصغير لتحمل حجارة الخيانة التي انهالت على رأسه بغتة. وفي هدوء الليل الخانق، حين تصمت المدينة وتنام العيون، قرر أن يطوي هذه الصفحة المعتمة، وأن يرحل بما تبقى من كرامته المنسوكة، تاركاً وراءه دنيا غفلت عنه، حتى أودت بحياته ليلةٌ واحدة لم يجد فيها من يمد له يد النجاة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر