أمن الاقليم بعد التحالف: معادلة التفاوض الجديدة بين بغداد وأربيل ….دكتور أحمد فاتح محمد

منبر العراق الحر :

يضع إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي كلاً من الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان أمام استحقاق أمني ومؤسساتي هو الأكثر تعقيداً منذ عام 2003. إذ إن المظلة العسكرية الغربية لم تكن مجرد قوة قتالية لمواجهة فلول الإرهاب، بل مثلت عملياً صمام أمان جغرافي وسياسي غير معلن، منع تطور الخلافات البنيوية بين المركز والإقليم إلى صدامات ميدانية، وشكّل حاجز ردع نسبي أمام التوغلات والضربات الإقليمية في عمق أراضي الإقليم.

التكييف الدستوري: معضلة الصلاحيات الحصرية وقوات الحرس
من المنظور القانوني يعيد انسحاب التحالف فتح الجدل الدستوري المؤجل بشأن تراتبية القيادة والسيطرة. فالمادة (110/ثانياً) من الدستور العراقي تنص بصراحة على أن رسم السياسة الأمنية الوطنية وتنفيذها، وإدارة شؤون الأمن القومي والدفاع هي من الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية وحدها. في المقابل تستند أربيل إلى المادة (121/خامساً) التي تمنح الإقليم سلطة تنظيم وتشكيل قوى الأمن الداخلي وحرس الإقليم البيشمركة. أدى وجود التحالف الدولي لسنوات إلى الحفاظ على ازدواجية المنظومة الدفاعية عبر دعم خطط توحيد وتسليح وزارتي شؤون البيشمركة بمعزل جزئي عن قيادة العمليات المشتركة في بغداد. ومع غياب هذا الطرف الضامن بات استمرار هذا الوضع مأزقاً إجرائياً. حيث تفرض متطلبات السيادة بعد الانسحاب إدماجاً عملياتياً ملزماً لمنظومات الدفاع الجوي والبري الكردية تحت مظلة القيادة العامة للقوات المسلحة، مقابل التزام اتحادي مالي وقانوني بتسليح وتأمين رواتب هذه القوات كجزء عضوي من المنظومة الدفاعية الوطنية وفق المادة (9) من الدستور.

الفراغ الجيوسياسي وتعرية العمق الاستراتيجي
جيوسياسياً كانت قاعدة الحرير ومطار أربيل يمثلان نقطتي ارتكاز لمنع تمدد الصراع الإقليمي. وبانحسار الوجود العسكري المباشر، يجد إقليم كوردستان نفسه مكشوفاً استراتيجياً أمام فاعلين إقليميين يمتلكون عمقاً عسكرياً على حدوده:

– تركيا: التي تواصل توسيع عملياتها العسكرية داخل محافظة دهوك وصولاً إلى العمق العراقي لملاحقة حزب العمال الكردستاني، مستغلة عدم وجود منظومات دفاعية اتحادية أو رادع أجنبي في تلك المناطق الجبلية.
– إيران: التي تركز على تفكيك مقرات المعارضة الكردية الإيرانية وتكثيف الضغط الاستخباري، مستندة إلى الاتفاقية الأمنية الموقعة مع بغداد في آذار/مارس 2023.

هذا الانكشاف يحرم الاقليم من ميزة التوازن الخارجي، ويدفعها دفعاً نحو خيار التكامل الداخلي مع بغداد، إذ لا تمتلك حكومة الإقليم القدرة الذاتية على حماية مجالها الجوي أو الدخول في نزاع سيادي مفتوح مع القوى الإقليمية المجاورة دون غطاء رسمي تضمنه الدولة العراقية المعترف بها دولياً.

إدارة الفراغات الأمنية والمناطق المتنازع عليها
ميدانياً تتمركز العقدة الأخطر في حزام المناطق الانتقالية الممتدة من خانقين في ديالى مروراً بكركوك وحتى سهل نينوى (مناطق المادة 140). شكّلت هذه المناطق تاريخياً بؤراً لنشاط الجماعات المسلحة نتيجة التباعد بين خطوط انتشار الجيش العراقي وخطوط البيشمركة. إن غطاء المراقبة الجوية للتحالف كان يغطي هذه الثغرات استخبارياً. وبعد زوال هذا الغطاء تصبح الحاجة ملحة لنقل الألوية المشتركة العشرين والحادية والعشرين من إطار الاتفاقات التنفيذية الهشة إلى تشكيلات دائمة وممأسسة بموجب أوامر ديوانية وقوانين تشريعية واضحة، تفادياً لخلق ملاذات مسلحة قد تُستخدم لاحقاً كذرائع للاستقطاب العسكري أو التدخل الخارجي.

مسار التفاوض: المقايضة بين الأمن والاقتصاد

تدرك بغداد أن استقرار الاقليم ليس ترفاً، وأن أي خلل أمني سيهدد خطوط إمداد الطاقة ومشروع طريق التنمية الاستراتيجي، كما تدرك أربيل أن كلفة الانفصال الأمني أضحت مستحيلة في ظل عجز مالي محلي وحظر تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي بموجب قرار تحكيم باريس. لذا يتجه التفاوض بعد استحقاق التحالف نحو “معادلة أمنية-اقتصادية مركبة:
– تقدم فيها أربيل تنازلات جوهرية تتعلق بقبول الرقابة الاتحادية على المنافذ الحدودية، وتوحيد قرارات الدفاع الجوي، وربط حركات البيشمركة بمركز العمليات الوطني المشترك.
– تلتزم بغداد بتثبيت الاستحقاقات الدستورية للإقليم في قانون الموازنة العامة، وتمرير صيغة متوازنة لقانون النفط والغاز المعطل منذ عام 2007، تحمي الاستثمارات القائمة وتمنح الإقليم شريكاً لا تابعاً.
إن الانسحاب الدولي لا يعني انتصار طرف على آخر داخل الجغرافيا العراقية، بل يجرد كلا الطرفين من تكتيكات المناورة بالخارج ليصبح الأمن الاتحادي وأمن الإقليم كلاً لا يتجزأ، لا يمكن تحصينه إلا بمأسسة الشراكة العسكرية تحت سقف القانون النافذ، والابتعاد عن التفسيرات السياسية المزاجية للمواد الدستورية الحاكمة.

اترك رد