منبر العراق الحر :التاريخ لا ينسى الحصار… لكنه لا ينسى أيضاً مَن حاصر، ومَن صمت، ومَن اختار أن يقف إلى جانب المحاصرين.
وفي صفحات التاريخ الإسلامي، يبرز حصار شِعب أبي طالب بوصفه واحداً من أكثر مشاهد الحصار قسوة؛ حين اجتمعت قريش على محاصرة بني هاشم ومن ناصر رسول الله صل الله عليه واله
في محاولة لعزلهم وتجويعهم وإجبارهم على التخلي عن موقفهم. لم يكن الحصار يستهدف لقمة العيش وحدها، بل كان محاولة لكسر إرادة جماعة اختارت أن تتمسك بما تؤمن به، مهما كان الثمن. ومن هنا، فإن استحضار شِعب أبي طالب ليس استحضارا لحادثة تاريخية فحسب، بل تذكير بأن الحصار، في جوهره، يتحول إلى اختبار أخلاقي يكشف مواقف المحاصِرين والمحاصرين ومن يقفون بينهما.
واليوم، حين ننظر إلى الحصار والعقوبات التي تعرضت لها الجمهورية الاسلامية الايرانية ، ثم نعود إلى مواقفها تجاه العراق في مراحل مختلفة، تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها: الدولة التي عرفت معنى الحصار، اختارت في مراحل من التاريخ أن تتعامل مع حصار جارتها العراقية بطريقة مختلفة.
العراق تحت الحصار… وإيران عبر الحدود
بعد حرب الخليج عام 1990، فرض مجلس الأمن عقوبات واسعة على العراق، وأُغلقت أمامه معظم أبواب التجارة الخارجية، ورافق ذلك نقص كبير في السلع والاحتياجات الأساسية. وفي تلك الظروف، تحولت الحدود العراقية ـ الإيرانية إلى منفذ مهم للتجارة العراقية.
اصبحت إيران خلال تسعينيات القرن الماضي طريقاً رئيسياً للتجارة العراقية التي سعت إلى تجاوز العقوبات الدولية، فقد سمحت ايران بمرور كميات كبيرة من النفط العراقي عبر الخليج وبيعها على أنها نفط إيراني، وعن نشاط تجاري واسع عبر الحدود البرية بين البلدين. وهذا الكلام مثبت من قبل النظام السابق وفيه تقارير دوليه
حيث وثقت أمريكا وجود شبكات تهريب كانت تنقل إلى العراق السكر والأرز والشاي وقطع الغيار وغيرها من السلع عبر طرق الخليج، في محاولة لتجاوز الحصار.
لم تكن تلك المرحلة مجرد ملف اقتصادي. فالعراقي الذي كان يبحث عن الغذاء والدواء والسلع الأساسية، لم يكن ينظر إلى الحدود باعتبارها خطوطاً على الخريطة، بل باعتبارها منافذ للحياة في زمن أُغلقت فيه منافذ الدول العربية والاسلامية اباوابها على العراق وجوعته وتركت اطفالها يموتون بعوز علبة حليب او علاج
وهنا تظهر المفارقة: إيران التي عرفت الحصار، كانت في الوقت ذاته إحدى البوابات التي عبرت منها التجارة إلى العراق المحاصر.
من التجارة إلى معركة البقاء
لكن العلاقة لم تتوقف عند حركة السلع والنفط. ففي عام 2014، تغير المشهد بصورة جذرية عندما اجتاح تنظيم داعش ثلث العراق ،واقترب خطره على بغداد، بينما انهارت وحدات عسكرية عراقية في عدد من الجبهات.
في تلك اللحظة، تحركت إيران سريعا لدعم الحكومة العراقية. حيث ارسلت طهران أسلحة ومستشارين ومساعدات عسكرية، فورية وخلال ساعات ، وقدمت دعماً للقوات العراقية وحتى القوات الكردية، وحضر ساحة المعركة قادة ومستشارون من الحرس الثوري الإيراني، بينهم الشهيد قاسم سليماني، في ساحات القتال.
قدمت ايران كميات كبيرة من المعدات العسكرية للعراق، في حين رفض من يدعون حلفاء العراق بتزويد العراق بالعتاد والاسلحة ساعدت ايران ايضاً بتدريب وتسليح قوات وفصائل عراقية شاركت في مواجهة داعش، كما نفذت طائراتها ضربة جوية ضد التنظيم داخل العراق وقالت طهران إن عملياتها جاءت استجابة لطلب الحكومة العراقية ، هذا الطلب الذي رفضه جميع جيران العراق من الدول الاعربية والاسلامية ، وهنا لم تعد المسألة تتعلق بتجاوز حصار اقتصادي أو تمرير سلع عبر الحدود؛ بل أصبحت مواجهة عسكرية مفتوحة مع تنظيم عابر للحدود، كان يهدد المدن العراقية ويدفع باتجاه بغداد. في تلك الحرب، لم تعد الحدود العراقية ـ الإيرانية مجرد معبر للبضائع. تحولت إلى خط تماس مع خطر مشترك.
فقد وقف مقاتلون ومستشارون إيرانيون إلى جانب قوات عراقية وفصائل مختلفة في معارك ضد داعش، وسقط الشهدا ء خلال تلك المواجهات. وهكذا، امتزجت الدماء في معركة لم تكن حدودها جغرافية؛ فداعش لم ينظر إلى الحدود باعتبارها حاجزاً، ولذلك أصبحت مواجهته بالنسبة إلى دول المنطقة قضية أمن عابر للحدود.
الحصار يكشف المواقف
لهذا يصبح استحضار شِعب أبي طالب في سياق الحصار والعلاقات بين الدول أكثر من مجرد مقارنة تاريخية.
ففي شِعب أبي طالب، كان الحصار محاولة لإجبار أصحاب موقف على التراجع.
وفي تجارب العصر الحديث، يكشف الحصار مرة أخرى معدن الدول والمجتمعات: من يغلق الأبواب؟ من يراقب من بعيد؟ ومن يفتح منفذاً عندما تضيق السبل؟
قد تختلف المواقف من إيران وسياساتها الإقليمية، وقد تختلف القراءات السياسية لدورها في العراق، لكن الوقائع المتعلقة بدعمها العسكري لبغداد في مواجهة داعش موثقة من مصادر متعددة، كما أن دورها في التجارة العراقية خلال سنوات العقوبات موثق في وثائق دولية وغربية.
وهنا تحديدا تصبح الذاكرة مهمة؛ لأن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط على الخلافات السياسية، بل تُختبر في لحظات الشدة
في نهاية المطاف، الحصار ليس مجرد إجراء اقتصادي أو عسكري؛ إنه اختبار للمواقف.
وفي شِعب أبي طالب، بقيت قصة المحاصَرين شاهداً على صمودهم، كما بقيت مواقف من حاصرهم جزءًا من ذاكرة التاريخ.
وفي العراق، تركت سنوات الحصار والحرب صفحات أخرى من الذاكرة: حدود فُتحت في زمن أُغلقت فيه حدود، وسلع عبرت في زمن اشتدت فيه العقوبات، ثم سلاح ومستشارون وصلوا عندما أصبح الخطر على أبواب بغداد.
قد يختلف الناس في السياسة، لكنهم لا يستطيعون محو الوقائع من الذاكرة.
فحين يشتد الحصار، لا تكشف الأيام قوة المحاصَر وحده؛ بل تكشف أيضاً حقيقة مَن يحاصره، وحقيقة مَن يقف إلى جانبه. والتاريخ، في النهاية، لا يحفظ الشعارات… بل يحفظ المواقف.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر