تحذيرات بارزاني تعود إلى الواجهة.. هل يكرر العراق خطأ الموصل؟ مهند محمود شوقي

منبر العراق الحر :هناك تحذيرات لا تنتهي صلاحيتها بانتهاء اللحظة التي قيلت فيها، خصوصاً عندما تأتي الأيام بأحداث تجعلها أكثر حضوراً مما كانت عليه عند إطلاقها.
قبل أيام، ومع اقتراب انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، عاد الرئيس مسعود بارزاني إلى التحذير من المخاطر التي قد تترتب على المرحلة المقبلة، في بلد ما زال يواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة، من بينها استمرار السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، وعدم استقرار الأوضاع في سوريا المجاورة، ووجود خلايا لتنظيم داعش، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بقدرة المؤسسات العراقية وحدها على مواجهة تهديدات عابرة للحدود.
وفي 27 سبتمبر/أيلول 2026، حذر بارزاني من أن استمرار السلاح المنفلت وعدم حصره بالمؤسسات الرسمية قد يقود إلى تداعيات خطيرة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي. كما حذر من تكرار سيناريو 2011، عندما غادرت القوات الأميركية العراق قبل أن يعود تنظيم داعش بعد سنوات قليلة بصورة أكثر خطورة.
لكن ما يجعل هذه التحذيرات تستحق التوقف ليس مضمونها الحالي فقط، بل أن بارزاني سبق أن تحدث عن خطر مشابه قبل أكثر من عقد، عندما كان تنظيم داعش لا يزال في طور التمدد ولم يكن قد أصبح القوة التي ستسيطر على الموصل ومساحات واسعة من العراق.
في ديسمبر/كانون الأول 2013، أي قبل سبعة أشهر من سقوط الموصل، قال بارزاني في مقابلة مع صحيفة «الحياة» إنه أرسل رسائل إلى رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي عبر عمار الحكيم ونائب رئيس الوزراء روج نوري شاويش والسفير الأميركي ستيف بيكروفت، محذراً من معلومات عن وجود قواعد لتنظيم داعش في منطقة الحضر جنوب غربي الموصل.
لم يكتف التحذير بالمعلومة الأمنية. فقد اقترح بارزاني تنفيذ عملية مشتركة بين الجيش العراقي والبيشمركة لمنع التنظيم من السيطرة على الموصل ومحيطها. وقال إن المالكي لم يتعامل مع التحذير بجدية، وإنه عاد واتصل به هاتفياً في بداية عام 2014، مقترحاً مرة أخرى عملية مشتركة، لكن الرد كان أن الوضع تحت السيطرة.
بعد أشهر، في 10 يونيو/حزيران 2014، سقطت الموصل بصورة خاطفة، انهارت وحدات من الجيش العراقي، واستولى داعش على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، قبل أن يتمدد في محافظات أخرى.
لم يكن ذلك مجرد سقوط مدينة. لقد كان انهياراً أمنياً غيّر شكل العراق والمنطقة، واستدعى لاحقاً تدخلاً دولياً جديداً لمواجهة التنظيم.
واليوم، بعد اثني عشر عاماً، تبدو بعض عناصر المشهد مختلفة، لكن بعضها الآخر يثير أسئلة لا يمكن تجاهلها.
فداعش لم يعد يسيطر على الموصل أو الرقة، ولم يعد يمتلك الدولة التي أعلنها في 2014. لكن انتهاء السيطرة الجغرافية لا يعني انتهاء التنظيم. فالخلايا النائمة، والبيئات الهشة، والحدود الطويلة مع سوريا، والاضطرابات السياسية والأمنية، كلها عوامل تسمح للتنظيم بمحاولة إعادة بناء قدراته عندما تتوفر الظروف.
والأكثر إثارة للقلق أن العراق استقبل خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026 أكثر من 5700 معتقل مشتبه بانتمائهم إلى داعش، كانوا محتجزين في شمال شرقي سوريا. العملية تمت بطلب من بغداد وبالتنسيق مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي، وشملت أشخاصاً من 61 دولة، معظمهم سوريون وعراقيون، إضافة إلى جنسيات أخرى.
هذا الرقم لا يعني أن 5700 مقاتل دخلوا العراق ليعيدوا تشكيل داعش؛ فهؤلاء معتقلون، ومن المفترض أن يخضعوا للإجراءات القضائية. لكن وجود هذا العدد الكبير من المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم داخل الأراضي العراقية يضيف عبئاً أمنياً وقضائياً كبيراً في مرحلة تتغير فيها معادلة مكافحة الإرهاب في المنطقة.
وهنا تظهر المفارقة الزمنية.
العراق الذي يستعد لإنهاء مرحلة الوجود العسكري للتحالف الدولي هو نفسه العراق الذي يتعامل مع آلاف المعتقلين المرتبطين بداعش، في وقت لا تزال فيه سوريا تعيش اضطرابات عميقة، ولا يزال التنظيم يحاول الحفاظ على شبكاته في البلدين.
وفي سبتمبر/أيلول الحالي، اكتمل انسحاب القوات الأميركية من العراق وفق الجدول المعلن، فيما تواصل بغداد تحمل المسؤولية الأمنية بصورة أكبر بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف.
لا يعني ذلك بالضرورة أن داعش سيعود، ولا توجد معطيات تسمح بالقول إن العراق يتجه حتماً إلى سيناريو 2014. لكن السؤال الأمني المشروع هو: هل جرى بناء منظومة قادرة على منع تكرار الفراغ الذي سمح للتنظيم بالتمدد قبل اثني عشر عاماً؟
المسألة لا تتعلق بالقوات الأميركية وحدها.
فالرئيس مسعود بارزاني تحدث في أكثر من مناسبة عن ضرورة معالجة جذور المشكلة، وليس الاكتفاء بمواجهة نتائجها. وفي يناير/كانون الثاني 2026، حذر صراحة من أن خطر عودة داعش والإرهاب ما زال قائماً في ظل تعقيد الأوضاع في سوريا والمنطقة.
كما أن الاجتماع الذي جمع بارزاني ورئيس أركان الجيش العراقي عبد الأمير رشيد يارالله في أكتوبر/تشرين الأول 2025 تناول تحديداً مخاطر عودة داعش، وأهمية التنسيق بين الجيش العراقي والبيشمركة، خصوصاً في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا، إلى جانب مستقبل دعم التحالف الدولي.
وهذا يقود إلى القضية الأوسع: العراق لا يحتاج فقط إلى أسلحة أكثر، بل إلى دولة أكثر قدرة على احتكار قرار السلاح، وإلى تنسيق أمني حقيقي بين مؤسساته، وإلى معالجة المناطق التي ما زالت تعاني هشاشة أمنية وسياسية.
فالتاريخ العراقي الحديث يقدم درساً واضحاً: التنظيمات المتطرفة لا تحتاج دائماً إلى جيش كبير كي تتمدد. يكفيها فراغ أمني، وانقسام سياسي، وبيئة اجتماعية مأزومة، وحدود رخوة، وسلاح خارج السيطرة، حتى تبدأ بإعادة بناء نفسها.
في 2013 كان التحذير يتعلق بموصل لم تسقط بعد.
في 2014 تحولت المخاوف إلى واقع.
وفي 2026 لا يقول بارزاني إن التاريخ سيتكرر، لكنه يحذر من الظروف التي يمكن أن تسمح بتكراره.
وهنا تكمن أهمية التحذير.
فالمطلوب ليس الإبقاء على القوات الأميركية إلى الأبد، كما أن خروجها لا يعني تلقائياً عودة داعش. القضية الحقيقية هي ما إذا كان العراق قد بنى، بعد أكثر من عقد على سقوط الموصل، منظومة أمنية وسياسية تمنع أي تنظيم من استغلال الفراغ مرة أخرى.
فالانسحاب العسكري يمكن أن يكون نهاية مهمة، لكنه لا ينبغي أن يكون بداية فراغ.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في تحذيرات بارزاني: الأمن لا يُقاس بعدد الجنود الأجانب الموجودين في البلاد فقط، بل بقدرة الدولة على منع أي قوة أخرى من ملء المكان الذي يتركونه.

اترك رد