«المجتمع والهوية والشرعية في الدولة المزدوجة العراقية»… الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…..باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…

المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»

التقرير الاستراتيجي رقم (60) / 9 :

«المواطن بين الدولة والمكوّن والشبكة»

14 تشرين الأول / أكتوبر 2026

1. القاعدة الأولى: الازدواجية العراقية تنتقل من المؤسسة إلى وعي المواطن

حين لا تكون الدولة هي الطريق الوحيد للحصول على:

◾️الخدمة،

◾️الحماية،

◾️الوظيفة،

◾️الواسطة،

◾️الأمن،

◾️أو حل المشكلة،

يتعلم المواطن تدريجيًا أن له علاقتين مختلفتين بالسلطة:

علاقة قانونية بالدولة.

و:

علاقة عملية بالشبكة التي تستطيع إنجاز ما تعجز عنه الدولة أو تتأخر فيه.

وهنا تبدأ الدولة المزدوجة في إنتاج مواطنة مزدوجة عمليًا.

المواطن يحمل جواز الدولة، ويتقاضى راتبها، ويصوت في انتخاباتها؛ لكنه قد يحتاج في حياته اليومية إلى حزب أو عشيرة أو فصيل أو زعيم لكي يستطيع الوصول إلى بعض موارد هذه الدولة نفسها.

وهذه ليست «لادولة».

بل:

دولة تتوسط بينها وبين جزء من مواطنيها شبكات قوة.

وهذا يتفق مع دراسات Chatham House التي ترى أن فهم العراق من خلال ثنائية «الدولة مقابل اللادولة» غير كافٍ، لأن السلطة تعمل أيضًا عبر علاقات أفقية بين النخب وعلاقات رأسية بين هذه النخب والمواطنين.

2. العراق لا يعاني نقص الهوية… بل تعدد دوائر الهوية

العراقي يمكن أن يكون في الوقت نفسه:

◾️عراقيًا،

◾️عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا،

◾️شيعيًا أو سنيًا أو مسيحيًا أو إيزيديًا،

◾️ابن مدينة،

◾️ابن عشيرة،

◾️وعضوًا أو قريبًا من حزب أو تيار.

وجود هذه الهويات ليس مشكلة بحد ذاته.

كل المجتمعات المركبة تمتلك هويات متعددة.

السؤال الحقيقي هو:

أي هوية تصبح المصدر الأول للحقوق والحماية والتمثيل عندما تتعارض الدوائر؟

إذا كانت المواطنة أقوى، تبقى الهويات الأخرى ثقافية واجتماعية.

أما إذا أصبحت الدولة ضعيفة أو انتقائية، فقد تتحول الهوية الفرعية إلى آلية سياسية للحماية والمطالبة بالحقوق.

وهنا يبدأ الانقسام.

3. ما بعد 2003: تحويل المكوّن إلى وحدة سياسية

النظام الذي تشكل بعد 2003 لم يخترع الطائفة أو القومية.

لكن عملية بناء السلطة الجديدة جعلت الانتماء المكوناتـي أحد المفاتيح الرئيسية لتوزيع السلطة.

ولم يكن ذلك نتيجة نص دستوري يفرض المحاصصة الحزبية الشاملة، بقدر ما كان نتيجة تفاهمات وممارسات سياسية ترسخت في تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب وإدارة مؤسسات الدولة.

الهدف الأصلي كان مفهومًا:

◾️منع عودة الاحتكار،

◾️وطمأنة الشيعة،

◾️والسنة،

◾️والكرد،

◾️وبقية المكونات بعد عقود من الصراع والقمع.

لكن النتيجة مع الوقت كانت أن:

الهوية الاجتماعية أصبحت أيضًا وحدة تفاوض على الدولة.

ودراسات Chatham House ترى أن نظام تقاسم السلطة الإثني–الطائفي الذي صُمم لتقليل التوترات أسهم لاحقًا في ترسيخ ميثاق نخبة مكّن الأحزاب من التقاط مؤسسات الدولة.

وهنا ظهرت مفارقة:

النظام الذي أراد حماية المكونات من الدولة ساعد تدريجيًا على جعل الدولة موزعة بين ممثلي المكونات.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مفاهيم لا يجوز الخلط بينها: التعددية الاجتماعية بوصفها حقيقة تاريخية في تكوين العراق، والاتحادية بوصفها صيغة دستورية لتنظيم العلاقة بين المركز والإقليم، والمحاصصة السياسية بوصفها ممارسة لتوزيع المناصب والموارد والنفوذ بين القوى المتنافسة. فالتعددية لا تستلزم المحاصصة، والاتحادية لا تعني بالضرورة تقاسم الدولة بين الأحزاب. ومن هنا فإن المشكلة ليست في تعدد هويات العراقيين، بل في تحويل تلك الهويات إلى مفاتيح دائمة للوصول إلى السلطة والمال العام.

4. ومن هنا تحولت المواطنة إلى «تمثيل»

في الدولة المدنية التقليدية، المفترض أن يسأل المواطن:

ما حقي باعتباري مواطنًا؟

أما في نظام المكونات، فقد يصبح السؤال:

من يمثل مكوّني داخل الدولة؟

وهذه نقلة عميقة.

لأن الفرد يتحول من:

صاحب حق أصيل

إلى:

عضو في جماعة تفاوض على حصتها.

وهكذا يمكن أن يصبح الوصول إلى السلطة والموارد قائمًا على:

التمثيل الجماعي

أكثر من:

المواطنة الفردية المتساوية.

5. الإيجاب الاجتماعي الأول: الحماية من الإقصاء

يجب أن نعطي هذا النظام حقه.

بعد تاريخ طويل من الاستبداد والحروب والانقسامات، وفر نظام تقاسم السلطة شعورًا لدى جماعات عديدة بأنها لن تُستبعد بالكامل من الحكم.

وهذا أدى وظيفة حقيقية:

طمأنة الجماعات الخائفة من عودة الدولة المركزية المحتكرة.

وبهذا المعنى، الهوية المكوناتية لم تكن مجرد أداة سياسية خبيثة.

كانت في جزء منها آلية تأمين جماعي.

6. لكن التأمين الجماعي يمكن أن يتحول إلى قفص سياسي

المشكلة تبدأ عندما يستطيع السياسي أن يقول للمواطن:

أنا لا أمثلك لأنني صاحب برنامج أفضل، بل لأنني ابن جماعتك.

عندها تصبح محاسبته أصعب.

فإذا فشل في الكهرباء والخدمات والاقتصاد، يستطيع إعادة النقاش إلى:

◾️الطائفة،

◾️المكوّن،

◾️المظلومية،

◾️الخطر الخارجي،

◾️أو المنافس الآخر.

وهنا تصبح الهوية:

درعًا يحمي النخبة من المساءلة.

وهذا ما بدأ يتعرض للتآكل بصورة واضحة منذ منتصف العقد الماضي، إذ لاحظت أبحاث Chatham House أن العراقيين أصبحوا أقل اقتناعًا بأن الخطابات الإثنية والطائفية التقليدية تمثل مصالحهم، وأن الحركات الاحتجاجية بدأت تكشف عجز النخب عن استخدام الهوية الجماعية لتغطية الفشل الخدمي والإداري.

7. تشرين: اللحظة التي انفصل فيها المواطن عن «ممثل المكوّن»

وهنا نصل إلى نقطة مركزية جدًا في الحالة العراقية.

احتجاجات تشرين 2019 لم تكن مجرد احتجاج خدمات.

كانت في جزء كبير منها تمردًا على فكرة أن:

الحزب الطائفي = ممثل المجتمع الشيعي.

خرجت الاحتجاجات أساسًا من بغداد والجنوب ذي الغالبية الشيعية، أي من البيئة التي كانت القوى الشيعية الحاكمة تقول إنها تمثلها.

وهذا جعل تشرين مختلفة.

لم يكن الصدام:

شيعة ضد سنة

ولا:

شيعة ضد كرد.

بل أصبح، في جزء كبير منه:

مواطن ضد منظومة تقول إنها تمثله لكنه لم يعد يعترف لها بهذا الاحتكار.

وبهذا المعنى كانت تشرين أزمة تمثيل قبل أن تكون أزمة حكومة.

وتشير الدراسات إلى أن قطاعات واسعة من المحتجين اعتبرت الانتخابات والمؤسسات القائمة عاجزة عن إحداث التغيير، وطالبت بإنهاء الفساد المؤسسي وإعادة صياغة قواعد السلطة.

8. شعار «نريد وطن» ليس مجرد شعر سياسي

هذه العبارة تحمل، مؤسساتيًا، معنى عميقًا جدًا.

هي لا تقول:

نريد حكومة جديدة فقط.

بل:

نريد أن تصبح الدولة وطنًا، لا مجموع حصص وشبكات.

أي الانتقال من:

دولة المكونات

إلى:

دولة المواطنين.

ولهذا كانت تشرين أخطر على بنية النظام من احتجاج يطالب براتب أو وظيفة فقط.

لأنها طعنت في الشرعية التي يقوم عليها توزيع السلطة نفسه.

9. وهنا تظهر شرعيتان متنافستان

لدينا:

الشرعية الأولى: شرعية الانتخابات والتوافق

الأحزاب تقول:

◾️نحن انتُخبنا،

◾️لدينا مقاعد،

◾️شكلنا الحكومة وفق الدستور.

الشرعية الثانية: شرعية الاحتجاج والمجتمع

المحتجون يقولون:

الانتخابات وحدها لا تكفي إذا كانت المنظومة نفسها مغلقة وغير خاضعة للمساءلة.

وهنا تظهر مشكلة:

هل الشرعية هي أن تصل إلى السلطة قانونيًا، أم أن تحافظ بعد الوصول إليها على قبول المجتمع؟

والدولة الحديثة تحتاج الاثنين.

10. المواطن العراقي والانتخابات: المشاركة ليست دائمًا ثقة

العراقي يستطيع التصويت.

وتوجد منافسة حقيقية بين قوى متعددة.

إذن لا يجوز وصف الانتخابات بأنها شكلية بالكامل.

لكن وجود الانتخابات لا يعني تلقائيًا أن المواطن يعتقد أنها قادرة على تغيير النظام.

Chatham House ربط احتجاجات تشرين تحديدًا بشعور كثير من العراقيين بأن المسار الانتخابي يعيد إنتاج النخب نفسها أكثر مما يوفر طريقًا حقيقيًا لتغيير قواعد النظام.

وهنا يجب التفريق بين:

المشاركة الانتخابية

و:

الثقة بالعملية السياسية.

يمكن أن يصوت المواطن لأنه يريد منع الأسوأ، لا لأنه يثق بالنظام كله.

11. شرعية الدولة العراقية متعددة المصادر

كما فعلنا مع إيران، يمكن تفكيك الشرعية العراقية إلى طبقات:

♦️ الشرعية الدستورية: دستور وانتخابات ومؤسسات.

♦️ الشرعية التمثيلية: تمثيل المكونات والمناطق.

♦️ الشرعية الدينية: تأثير المرجعيات والقوى الدينية.

♦️ الشرعية المسلحة: شرعية المقاومة أو القتال ضد داعش لدى بعض الفصائل.

♦️ الشرعية الإنجازية: الخدمات والاقتصاد والأمن.

♦️ الشرعية الوطنية: الدفاع عن العراق واستقلال قراره.

وهنا تظهر مشكلة الدولة المزدوجة:

هذه الشرعيات لا تجتمع دائمًا في مؤسسة واحدة.

◾️الحكومة قد تمتلك الشرعية الدستورية.

◾️والمرجعية تمتلك شرعية أخلاقية.

◾️والفصيل يمتلك شرعية قتالية لدى أنصاره.

◾️والعشيرة شرعية اجتماعية.

◾️والحزب شرعية انتخابية أو مكوناتية.

◾️وهكذا تتوزع الشرعية كما تتوزع القوة.

غير أن تعدد مصادر الشرعية لا يعني تساويها في الصفة الدستورية أو في حق ممارسة السلطة. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: الشرعية القانونية التي تمنح المؤسسات صلاحياتها وفق الدستور والقانون، والقبول الاجتماعي الذي يمنح المرجعيات والجماعات والقيادات وزنها داخل المجتمع، والسلطة الفعلية التي تعكس القدرة على التأثير في القرار أو تنفيذه. وقد تجتمع هذه المستويات في مؤسسة واحدة، وقد تتوزع بين جهات مختلفة. وتبدأ إشكالية الدولة المزدوجة حين تتحول القوة المستمدة من القبول الاجتماعي أو النفوذ الفعلي إلى ممارسة صلاحيات سيادية لا تستند إلى تفويض دستوري أو لا تخضع للمساءلة القانونية.

12. المرجعية الدينية:

شرعية خارج الدولة لكنها ليست ضد الدولة

هذه نقطة عراقية شديدة الأهمية.

مرجعية النجف لا تمتلك منصبًا دستوريًا.

لكنها تمتلك وزنًا أخلاقيًا واجتماعيًا كبيرًا.

وقد تدخلت في لحظات تاريخية حاسمة عبر:

◾️الموقف،

◾️الفتوى،

◾️أو التوجيه العام.

لكنها في الغالب لا تطالب بأن تصبح مؤسسة حكم مباشرة.

وهنا تنتج حالة فريدة:

قوة اجتماعية قادرة على التأثير في الدولة من خارج بنيتها الدستورية، من دون أن تتحول بالضرورة إلى دولة موازية.

وهذا يختلف جذريًا عن النموذج الإيراني.

لكننا نثبت الظاهرة العراقية هنا من دون فتح المقارنة بعد.

13. فتوى الجهاد الكفائي:

مثال على انتقال الشرعية إلى القوة

عام 2014، عند انهيار أجزاء كبيرة من المنظومة الأمنية أمام داعش، أصدرت المرجعية فتوى الجهاد الكفائي.

نشأت بعدها تعبئة شعبية واسعة ساهمت في الدفاع عن الدولة.

هنا رأينا:

الشرعية الدينية

تنتج:

قوة اجتماعية وعسكرية

لإنقاذ:

الدولة الدستورية.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

فالشرعية الدينية لم تعمل بالضرورة ضد الدولة. بل ساعدت في لحظة انهيار جزئي على حمايتها.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات تاريخية ومؤسساتية: فتوى الجهاد الكفائي التي أصدرتها مرجعية النجف عام 2014 استجابةً لخطر داعش، والتعبئة الشعبية التي استجابت لها دفاعًا عن البلاد، وهيئة الحشد الشعبي التي اكتسبت إطارها القانوني بموجب القانون رقم (40) لسنة 2016. فهذه المستويات مترابطة تاريخيًا، لكنها ليست متطابقة مؤسساتيًا؛ كما أن الفصائل والتشكيلات التي انضوت في الحشد لا تتطابق بالضرورة في مرجعياتها السياسية أو في مواقفها من العلاقة بالدولة. ومن هنا لا تكمن إشكالية الدولة المزدوجة في أصل التعبئة للدفاع عن الوطن، بل في السؤال عما إذا كانت جميع التشكيلات المسلحة تخضع فعليًا لسلسلة القيادة الرسمية، وتلتزم بوحدة القرار الأمني والعسكري للدولة.

14. لكن ماذا يحدث بعد انتهاء حالة الطوارئ؟

هذا هو السؤال المؤسساتي.

القوة التي تتولد في أزمة تحصل على:

◾️ذاكرة،

◾️شهداء،

◾️رمزية،

◾️شرعية اجتماعية.

وبعد انتهاء الأزمة يصبح من الصعب إعادتها ببساطة إلى الوضع السابق.

وهنا تتحول:

شرعية الضرورة

إلى:

رأسمال سياسي دائم.

وهذا أحد الطرق التي تنتقل بها القوة من المجتمع إلى السياسة.

15. الحشد وشرعية «من دافع عن الدولة»

بالنسبة إلى شرائح عراقية واسعة، الحشد مرتبط بذاكرة مواجهة داعش.

وهذه ليست شرعية قانونية فقط.

إنها:

شرعية دم وتضحية وحماية.

وهذا يمنح القوى المرتبطة بتلك الذاكرة قوة اجتماعية لا يمكن اختزالها بالراتب أو السلاح.

لكن المشكلة تبدأ عندما تُستخدم:

شرعية الحرب

لتبرير:

نفوذ سياسي أو اقتصادي دائم غير خاضع للمساءلة نفسها.

وهنا يصبح السؤال:

هل التضحية التاريخية تمنح حقًا سياسيًا دائمًا؟

وهذه معضلة موجودة في أنظمة كثيرة خرجت من الحروب والثورات.

16. الدولة والحزب والخدمة

في بعض المناطق، المواطن قد يحصل على:

◾️فرصة عمل،

◾️مساعدة،

◾️خدمة،

◾️تعويض،

◾️أو حماية

عبر وسيط سياسي أو اجتماعي.

وهذا يخلق علاقة:

زبائنية Clientelism.

المواطن يعطي:

◾️صوتًا،

◾️ولاءً،

◾️تأييدًا.

والشبكة توفر:

◾️خدمة،

◾️وظيفة،

◾️حماية.

وهنا تتحول الدولة من:

حق عام

إلى:

مورد يوزعه الوسيط.

وهذه من أخطر نتائج الدولة المزدوجة اجتماعيًا.

17. لأن المواطن عندها يشكر الحزب على حق دفع ثمنه من مال الدولة

وهذه نقطة بالغة الأهمية.

إذا حصل المواطن على وظيفة حكومية عبر حزب، قد يشعر بالولاء للحزب.

لكن الراتب:

من خزينة الدولة.

وإذا حصل على خدمة عبر نائب أو زعيم، فقد ينسب الخدمة إليه.

مع أنها:

من المال العام.

وهكذا تحدث عملية:

خصخصة سياسية للفضل العام.

الدولة تدفع.

والشبكة تحصل على الولاء.

18. وهذا يضعف العقد الاجتماعي

العقد الطبيعي:

أنا المواطن أدفع وأطيع القانون، والدولة توفر الحقوق والخدمات بعدالة.

أما العقد الشبكي:

أنا أقترب من القوة التي تستطيع إيصال حقي إليّ.

وهنا لا يصبح القانون هو الطريق الوحيد بين المواطن والدولة.

بل:

الوسيط.

وهذا يضعف مفهوم المواطنة المتساوية.

19. العشيرة: ليست بقايا ما قبل الدولة فقط

يجب ألا ننظر إلى العشيرة باعتبارها تخلفًا اجتماعيًا.

في بعض البيئات، العشيرة توفر:

♦️ الحماية.

♦️ الوساطة.

♦️ حل النزاعات.

♦️ التكافل الاجتماعي.

♦️ الهوية.

وفي ظل ضعف المؤسسات، تزداد أهميتها.

إذن:

قوة العشيرة ليست دائمًا سبب ضعف الدولة؛ أحيانًا هي نتيجة ضعفها.

لكن حين تتحول الأعراف إلى بديل عن القضاء أو قدرة على فرض القوة خارج القانون، تبدأ الازدواجية القانونية والاجتماعية.

20. الدين والعشيرة والحزب جميعها قد تؤدي وظيفة الدولة

عندما توفر:

◾️الحماية،

◾️المساعدة،

◾️حل النزاع،

◾️الوظيفة،

فهي تمارس وظائف اجتماعية كان يفترض أن تكون الدولة قادرة على توفيرها بصورة متساوية.

وهذا يفسر لماذا لا يستطيع الإصلاح أن يقول

للمواطن ببساطة:

اترك جماعتك واعتمد على الدولة.

يجب أولًا أن تكون الدولة قادرة فعليًا على أداء الوظيفة التي تؤديها الجماعة.

وهذه نقطة استراتيجية مهمة:

الولاء لا يُنتزع بالشعار؛ يُنقل عندما تنتقل الوظيفة.

21. الهوية الوطنية العراقية: أضعف أم أقوى مما نعتقد؟

أرى أن وصف الهوية العراقية بأنها منهارة غير دقيق.

تشرين مثلًا أظهرت قدرة هائلة على إنتاج خطاب عراقي عابر للطائفة.

وكذلك الأزمات الرياضية والثقافية والحروب ضد التهديد الخارجي أظهرت وجود شعور وطني قوي.

ودراسات ما بعد 2015 رصدت تراجع قدرة الخطابات الطائفية التقليدية على إقناع قطاعات متزايدة من العراقيين.

إذن المشكلة ليست:

غياب الهوية العراقية.

بل:

أن النظام السياسي لا يحول هذه الهوية دائمًا إلى مؤسسة مواطنة بالمستوى نفسه.

وهذه نقطة مختلفة كليًا.

22. وهذا يفسر التناقض العراقي الجميل والمؤلم

المواطن قد يكون:

أشد وطنية من المؤسسة التي يتعامل معها.

يريد العراق.

لكن حين يذهب إلى وظيفة أو عقد أو معاملة، يجد نفسه أمام:

◾️الحزب،

◾️المكوّن،

◾️الواسطة،

◾️الشبكة.

وهكذا:

الوطنية موجودة في الوعي، لكن المكوناتية ما زالت موجودة في آليات الوصول إلى الدولة.

وهذه فجوة مركزية.

23. الشباب: أخطر تحدٍ لنظام المكونات

الجيل الذي بلغ الرشد بعد 2003 لم يعش بالضرورة الروايات التاريخية نفسها التي أسست شرعية الأحزاب القديمة:

◾️المعارضة،

◾️المنفى،

◾️القمع السابق،

◾️السجون.

وهو يسأل أكثر عن:

◾️العمل،

◾️السكن،

◾️الخدمات،

◾️العدالة،

◾️الحرية،

◾️والكرامة.

وهنا تضعف قدرة الماضي على تبرير الحاضر.

وهذه تشبه من حيث المبدأ أزمة الذاكرة التي رأيناها في إيران، لكن بمضمون عراقي مختلف.

الجيل المؤسس يطلب الشرعية من التاريخ؛ الجيل الجديد يطلبها من الأداء.

24. المرأة العراقية: بين القانون والمجتمع والشبكات

وضع المرأة يكشف أيضًا تعدد مصادر السلطة.

هناك:

◾️الدستور،

◾️القانون،

◾️الدين،

◾️العرف،

◾️العشيرة،

◾️والواقع الاجتماعي.

وقد لا تتطابق هذه المستويات دائمًا.

وهنا يمكن أن تمتلك المرأة حقًا دستوريًا، لكن قدرتها العملية على ممارسته تختلف حسب:

◾️المنطقة،

◾️البيئة الاجتماعية،

◾️العائلة،

◾️والقوة المحلية.

أي أن:

المواطنة القانونية ليست دائمًا مواطنة اجتماعية مكتملة.

وهذه ظاهرة أوسع من السياسة الحزبية وحدها.

25. الأقليات: الاختبار الأخلاقي للدولة

◾️المسيحي،

◾️الإيزيدي،

◾️الصابئي،

◾️التركماني،

◾️والجماعات الأصغر

يكشفون سؤالًا مهمًا:

هل المواطن يحتاج إلى كتلة كبيرة كي يكون محميًا؟

إذا كانت الإجابة نعم، فالنظام المكوناتـي يتحول من وسيلة حماية للأقليات إلى مشكلة لها.

لأن المجموعة الصغيرة لا تمتلك الوزن نفسه في سوق المحاصصة.

ومن هنا فإن:

الدولة المدنية المتساوية قد تكون في النهاية أكثر حماية للأقلية من نظام الحصص القائم على حجم الجماعة.

26. كردستان: هوية وطنية داخل هوية قومية

في الحالة الكردية لدينا طبقة مختلفة.

المواطن الكردي يمكن أن يحمل:

هوية عراقية قانونية

و:

هوية قومية كردية سياسية وثقافية قوية جدًا.

والنظام الاتحادي صُمم لكي يسمح بالتعايش بينهما.

وهذه ليست بالضرورة ازدواجية مرضية.

بل يمكن أن تكون تعددًا دستوريًا مشروعًا.

المشكلة تبدأ فقط عندما يتحول الخلاف على:

◾️النفط،

◾️الأرض،

◾️الأمن،

◾️أو الصلاحيات

إلى سؤال:

أي سلطة هي الشرعية؟

وهنا تتقاطع الهوية بالسيادة.

27. السنة بعد 2003:

من أزمة التمثيل إلى البحث عن الدولة

المجتمع السني مر بتحولات عميقة:

◾️من فقدان مركز السلطة بعد 2003،

◾️إلى التمرد والعنف،

◾️إلى صعود داعش،

◾️ثم الكارثة التي أصابت المحافظات السنية،

◾️ثم العودة إلى المؤسسات السياسية والدولة.

وهذا خلق لدى قطاعات واسعة مصلحة قوية في:

وجود دولة مستقرة تحميهم من عودة الفوضى.

غير أن هذه التحولات لم تكن متطابقة بين المحافظات والبيئات الاجتماعية والسياسية؛ فقد اختلفت تجارب النزوح والقتال والتحرير وإعادة الإعمار والتمثيل السياسي، كما تباينت مواقف القوى المحلية من العلاقة بالحكومة المركزية. ولذلك لا يصح التعامل مع المجتمع العربي السني بوصفه كتلة سياسية واحدة أو افتراض أن جميع شرائحه وصلت إلى الاستنتاج نفسه بشأن الدولة والنظام السياسي.

وهنا نرى كيف يمكن لتجربة الانهيار أن تحول الدولة نفسها إلى مصدر شرعية حتى لدى مجتمع كان يشعر سابقًا بالاغتراب عنها.

28. الشيعة: من «الحصول على الدولة» إلى مساءلة من يديرها

وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية.

بعد 2003 كان جزء كبير من الخطاب الشيعي قائمًا على:

إنهاء الإقصاء والوصول إلى الدولة.

لكن مع مرور الزمن تغير السؤال لدى قطاعات من المجتمع الشيعي:

من:

هل نحن ممثلون؟

إلى:

ماذا فعل الذين يمثلوننا بالدولة؟

وتشرين كانت التعبير الأوضح عن هذا

التحول.

وهذا انتقال من:

سياسة الهوية

إلى:

سياسة المساءلة.

29. وهنا تصبح الدولة المزدوجة مهددة من داخل قاعدتها الاجتماعية

الشبكة تعيش ما دام المواطن يرى أنها:

◾️تمثله،

◾️تحميه،

◾️أو توفر له شيئًا لا توفره الدولة.

لكن إذا بدأ المواطن يقول:

لا أريد منك الحماية ولا الوساطة، أريد دولة تعطيني حقي مباشرة،

فإن الأساس الاجتماعي للشبكة يبدأ بالضعف.

وهذا أخطر على الدولة المزدوجة من قانون يصدر من فوق.

لأن:

الدولة المزدوجة تنتهي فعليًا عندما يتوقف المواطن عن الحاجة إلى وسيط بينها وبينه.

30. شرعية الإنجاز: نقطة ضعف العراق الكبرى

العراق يمتلك موارد هائلة.

ولذلك فإن المواطن يقارن:

ما لدى الدولة

بـ:

ما تقدمه.

وكلما اتسعت الفجوة بين الاثنين، كان الغضب أكبر.

في بلد فقير جدًا، قد يتقبل المواطن ضعف الخدمة باعتبارها ضعف قدرة.

أما في بلد نفطي غني، فإن ضعف الكهرباء أو البنية أو الوظيفة يتحول إلى سؤال:

أين ذهب المال؟

وهنا يصبح الفشل الخدمي فشلًا في الشرعية وليس في الإدارة فقط.

31. وهنا تفقد النخبة إحدى أهم حججها

كلما ضعفت:

◾️الطائفية،

◾️وذاكرة المظلومية،

◾️والخوف من الآخر،

ازدادت أهمية:

◾️الأداء،

◾️الخدمات،

◾️الكفاءة.

وهذا يعني أن النظام ينتقل من بيئة كانت الشرعية فيها:

«أنا أحمي جماعتك»

إلى بيئة تسأل:

«ماذا فعلت بالدولة؟»

وهذه نقلة تاريخية.

32. العنف ضد الاحتجاج: أخطر كسر للعقد الاجتماعي

حين يرى المواطن نفسه جزءًا من الدولة ويخرج ليطالبها بالإصلاح، ثم يواجه عنفًا من جهات مرتبطة بالدولة أو شبكاتها، تحدث قطيعة عميقة.

وثّقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 487 متظاهرًا وتسجيل 7,715 حالة إصابة في مواقع الاحتجاج ومحيطها، خلال الفترة من 1 تشرين الأول 2019 إلى 30 نيسان 2020. وفي نطاق زمني أوسع، نقلت منظمة العفو الدولية عن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق مقتل ما لا يقل عن 541 متظاهرًا وإصابة 20,597 آخرين حتى 16 حزيران 2020، فضلًا عن توثيق اغتيالات ومحاولات اغتيال واختطاف استهدفت ناشطين. ويعود اختلاف الأرقام إلى تفاوت الفترات الزمنية ونطاق التوثيق، ولا يجوز التعامل معها بوصفها حصيلة واحدة متطابقة.

«والمشكلة ليست الرقم وحده. بل السؤال: من كان يطلق النار؟ ومن يستطيع محاسبته؟»

إذا لم يحصل المواطن على جواب واضح، تتحول أزمة الاحتجاج إلى:

أزمة ثقة في احتكار الدولة للعنف والعدالة معًا.

33. وهذا يعيدنا إلى الدولة المزدوجة

إذا قُتل المواطن ولا يعرف:

◾️هل المسؤول جهاز رسمي؟

◾️فصيل؟

◾️شبكة؟

◾️جهة مجهولة؟

ثم لا يستطيع القضاء تحديد المسؤولية،

فإن الغموض في بنية السلطة يصبح بنفسه مصدرًا لفقدان الشرعية.

وهنا يصبح المواطن أمام:

دولة مسؤولة قانونيًا

لكن:

مسؤولية القوة موزعة فعليًا.

وهذه من أخطر صور الازدواج الاجتماعي.

وهنا لا تقتصر أزمة الشرعية على استخدام القوة ضد المواطن، بل تمتد إلى القدرة على تحديد المسؤولية عنها ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات. فالدولة التي تحتكر السلاح قانونيًا مطالبة أيضًا بأن تكون قادرة على تحديد من أصدر الأمر، ومن نفّذه، ومن امتنع عن منع الانتهاك أو التحقيق فيه. وعندما تتوزع القوة بين مؤسسات رسمية وتشكيلات ذات ارتباطات متعددة، بينما تبقى المسؤولية القانونية معلّقة أو غامضة، فإن المواطن لا يواجه أزمة أمنية فحسب، بل أزمة في مفهوم الدولة نفسها: من يملك القوة، ومن يتحمل مسؤولية استخدامها؟

34. التقييم المؤسساتي المحايد

أ. الجانب الإيجابي: أين تكمن قوة النموذج اجتماعيًا؟

♦️ أولًا: تمثيل تعددية حقيقية

النظام سمح لقوى ومكونات كانت مهمشة أو خائفة بأن تدخل الدولة.

♦️ ثانيًا: منع صهر المجتمع بالقوة

لم يعد مطلوبًا من الكردي أو الشيعي أو السني التخلي عن هويته لكي يكون جزءًا من الدولة.

♦️ ثالثًا: وجود وسطاء اجتماعيين في أوقات ضعف الدولة

العشيرة والمرجعية والمؤسسات الدينية والاجتماعية تستطيع تقديم دعم وحماية وتماسك في الأزمات.

♦️ رابعًا: قدرة عالية على امتصاص الصراع

بدل أن يصبح كل خلاف وجوديًا، يمكن تفاوض القوى عليه داخل النظام.

♦️ خامسًا: تعدد مصادر الشرعية يمنع انهيار النظام بسرعة

حتى عندما تضعف الحكومة، تبقى قنوات أخرى تربط المجتمع بالنظام السياسي.

ب. الجانب السلبي: أين يبدأ التآكل؟

♦️ أولًا: المواطنة الوسيطة

المواطن لا يصل دائمًا إلى الدولة مباشرة، بل عبر الحزب أو المكوّن أو الشبكة.

♦️ ثانيًا: تحويل الهوية إلى حصة

المكوّن يصبح أداة تفاوض سياسي واقتصادي.

♦️ ثالثًا: تشتت المسؤولية

يصعب على المواطن تحديد من يجب محاسبته.

♦️ رابعًا: إضعاف المساواة

من يمتلك شبكة أقوى يحصل أحيانًا على قدرة أكبر على الوصول إلى موارد الدولة.

♦️ خامسًا: تحويل الشرعية التاريخية إلى امتياز دائم

المعارضة السابقة أو التضحية العسكرية قد تصبح مبررًا للبقاء السياسي حتى بعد تغير الظروف.

♦️ سادسًا: فجوة الأجيال

الشباب أقل استعدادًا لقبول شرعية مبنية فقط على أحداث لم يعشها.

♦️ سابعًا: أزمة الثقة

حين لا تتطابق الدولة القانونية مع الجهة التي تمارس القوة فعليًا، يهتز شعور المواطن بأن القانون قادر على حمايته.

35. المفارقة الكبرى في المجتمع العراقي

وهنا وصلنا إلى ما أراه قلب هذا الفصل:

النظام العراقي حمى التعددية عبر الاعتراف بالمكونات، لكنه عندما جعل المكوّن طريقًا دائمًا إلى الدولة ساهم في إضعاف المواطن الفرد الذي كان يفترض أن تكون الدولة له مباشرة.

وهذه ليست دعوة إلى إلغاء الهويات.

بل إلى:

تحويلها من وحدات لتقسيم الدولة إلى مكونات تعيش تحت دولة مواطنة واحدة.

36. المفارقة الثانية: العراقي قد يرفض النظام لكنه يريد الدولة أكثر

هذه نقطة بالغة الأهمية.

الغضب من:

◾️الأحزاب،

◾️المحاصصة،

◾️الفصائل،

◾️الفساد

لا يعني أن المواطن يريد سقوط العراق أو انهيار الدولة.

بل في كثير من الأحيان العكس تمامًا.

احتجاجاته تقول:

أريد دولة أقوى من الشبكات.

أي أن الاحتجاج على النظام قد يكون تعبيرًا عن طلب الدولة لا رفضها.

وهذه نقطة استراتيجية لا ينبغي أن نضيّعها.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي العراقي: الدولة بوصفها الكيان القانوني والمؤسساتي المستمر، والنظام السياسي بوصفه القواعد والترتيبات التي تنظّم الوصول إلى السلطة وتوزيعها، والحكومة بوصفها السلطة التنفيذية التي تتولى إدارة الشأن العام خلال مدة محددة. فرفض الحكومة لا يعني بالضرورة رفض النظام السياسي، كما أن المطالبة بتغيير قواعد النظام لا تعني الدعوة إلى انهيار الدولة. ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من احتجاجات تشرين: لم يكن مطلب المحتجين، على اختلاف توجهاتهم، إلغاء العراق بوصفه دولة، بل تغيير العلاقة بين المواطن والسلطة، وإخضاع من يحكم لمبدأ المواطنة والمساءلة.

37. المفارقة الثالثة: الشبكات تحمي المواطن من ضعف الدولة ثم تساعد على إبقاء الدولة ضعيفة

◾️الحزب يقول:

أنا أوفر لك الوظيفة.

◾️العشيرة تقول:

أنا أحميك.

◾️الفصيل يقول:

أنا أدافع عنك.

لكن كلما اعتمد المواطن عليها بدل المؤسسة العامة:

تضعف الحاجة السياسية لبناء المؤسسة العامة.

وهكذا تنشأ دائرة:

ضعف الدولة → قوة الوسيط → اعتماد المواطن على الوسيط → قوة أكبر للوسيط → استمرار ضعف الدولة.

وهذه ربما أهم دورة اجتماعية في الدولة المزدوجة العراقية.

غير أن ضعف الدولة لا يعني بالضرورة ضعف جميع مؤسساتها، فقد تمتلك الدولة موارد مالية كبيرة، وأجهزة أمنية واسعة، وقدرة إدارية وقانونية معتبرة، بينما تعجز بعض مؤسساتها عن ممارسة صلاحياتها باستقلال عن شبكات النفوذ السياسي والاجتماعي. وهنا تظهر مفارقة مؤسساتية مهمة: قد تكون الدولة قوية في امتلاك الموارد والأدوات، لكنها محدودة القدرة على توظيفها وفق قواعد عامة ومتساوية. وبذلك لا يكون الخلل دائمًا في غياب مؤسسات الدولة، بل في تعدد الجهات القادرة على التأثير في قراراتها وتوجيه مواردها.

38. الخلاصة المؤسساتية العراقية الرابعة

أنتجت الدولة العراقية بعد 2003 نظامًا اجتماعيًا–سياسيًا اعترف بالتعدد المذهبي والقومي ومنح الجماعات الكبرى ضمانات للتمثيل والمشاركة، وهو ما أدى وظيفة حقيقية في منع الاحتكار والإقصاء. إلا أن تحول المكوّن والحزب والشبكة إلى وسطاء دائمين بين المواطن والدولة أضعف تدريجيًا مفهوم المواطنة الفردية المتساوية، وربط أجزاء من الحصول على الوظيفة والخدمة والحماية والتمثيل بالانتماء أو الوصول إلى شبكة قوة. ومن هنا لم تعد أزمة الشرعية العراقية مجرد سؤال عن قانونية الحكومة أو الانتخابات، بل عن قدرة المواطن على الوصول إلى دولته من دون وسيط، وعن قدرة الدولة على حمايته ومحاسبة من يستخدم القوة ضده بصرف النظر عن انتمائه. وقد مثّلت احتجاجات تشرين لحظة واضحة في تحول قطاعات من المجتمع من المطالبة بالتمثيل المكوناتـي إلى المطالبة بالدولة نفسها: دولة تحتكر القوة والمال والقانون وتتعامل مع الفرد بوصفه مواطنًا قبل أن يكون عضوًا في جماعة.

مشكلة المواطن العراقي ليست أنه بلا هوية وطنية؛ بل أن هويته الوطنية لا تزال تجد أمامها، عند أبواب الدولة، وسطاء أقوى من حق المواطنة نفسه.

«حين يقول العراقي «نريد وطن»، فهو لا يبحث عن جغرافيا جديدة؛ بل عن علاقة جديدة بين المواطن والدولة».

اترك رد