الأردن في دائرة الاستهداف المعادي … د. صباح نوري العجيلي

منبر العراق الحر :
يقف الأردن في بيئة إقليمية مضطربة تتزايد فيها التهديدات الأمنية والعسكرية، وتتداخل فيها الصراعات المباشرة مع أنشطة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة. فالمملكة، التي تتمتع بدرجة مهمة من الاستقرار الداخلي،تجد نفسها محاطة ببؤر توتر تمتد من فلسطين المحتلة غرباً،إلى العراق شرقاً، وسوريا شمالاً، وصولاً إلى السعودية جنوباً.

وقد ألقت تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران بظلالها على أمن المنطقة عامة وعلى الأردن خاصة، ووسّعت نطاق المخاطر التي تواجه دولها، فضلاً عن التهديداتالناجمة عن محاولات الجماعات المتطرفة زعزعة أمن الأردن واستقراره، كما أظهرت الاعتداءات الإرهابية التي استهدفت مواطنين في دار العبادة في محافظة الكرك والتي راح ضحيتها 34 اردني بين قتيل ومصاب.

الأردن وسط إقليم مضطرب:

تنبع حساسية الموقع الأردني من وجوده في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتتجاور فيها جبهات الصراع مع طرق التجارة والطاقة والاتصالات البرية والجوية. فالتطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاضطرابات الأمنية في سوريا والعراق، والتوترات في الخليج، ليست أحداثاً منفصلة عن الأمن الأردني، بل عوامل يمكن أنتنعكس على حدوده ومجاله الجوي واقتصاده واستقراره الداخلي.

وفي الوقت الذي استطاع فيه الأردن المحافظة على استقراره و مؤسساته الوطنية وسط هذه الاضطرابات، فإن استمرار الأزمات المحيطة به يفرض عليه التعامل مع بيئة أمنية أكثر تعقيداً. ولا تقتصر المخاطر على احتمال امتداد العمليات العسكرية، بل تشمل أيضاً التسلل عبر الحدود، والتهريب،والهجمات بالطائرات المسيّرة، والأنشطة التخريبية، ومحاولات استغلال التوترات الإقليمية لإثارة الانقسام الداخلي.

الحرب على إيران وتوسّع دائرة التهديد:

أظهرت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران أن نطاق الصراع لا يتحدد بالضرورة بالجغرافيا التي تبدأ فيها العمليات العسكرية، بل يمكن أن يمتد إلى دول أخرى نتيجة استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو استهداف المنشآت التي يُعتقد بارتباطها بأحد أطراف الصراع، أو تحرك الجماعات المسلحة المتحالفة مع قوى إقليمية.

وفي هذا السياق، تبرز خطورة استهداف الأراضي الأردنية أو المجال الجوي للمملكة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال جماعات مسلحة تنشط خارج حدودها. وقد برزت، في سياق الحرب، تقارير وادعاءات بشأن استهداف مواقع في الأردن ، من بينها قاعدة موفق السلطي الجوية في منطقة الأزرق واستهداف مطار العقبة، على خلفية وجود مصالح أو قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة.

ولا تقتصر هذه المخاطر على إيران وحدها، إذ إن نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بها في المنطقة يثير بدوره مخاوف من انتقال المواجهة إلى ساحات إضافية.

وإذا ثبت انطلاق هجمات من الأراضي العراقية باتجاه الأردن، فإن ذلك يستدعي معالجة أمنية وسياسية تحول دون استخدام أراضي الدول المجاورة للإضرار بأمن المملكة، مع التمييز بين مسؤولية الجماعات المنفذة ومواقف الدول ومؤسساتها الرسمية.

وتكمن خطورة هذا المسار في احتمال تحويل الأردن إلىساحة إضافية لتصفية الحسابات الإقليمية، الأمر الذييستوجب الحفاظ على سيادة المملكة، وتجنب جرّها إلىصراعات لا تخدم مصالحها الوطنية، مع الاحتفاظ بحقها فيحماية أراضيها ومواطنيها.

الإرهاب والتطرف: تهديد من داخل البيئة الإقليمية:

إلى جانب المخاطر المرتبطة بالصراع بين الدول، يظل الإرهاب والتطرف العنيف تحدياً أمنياً قائماً. فوجود خلايا أو عناصر متطرفة في بعض مناطق سوريا، ولا سيما في البادية ومناطق الجزيرة السورية، يثير مخاوف من إعادة تنظيم النشاط الإرهابي أو استغلال الفراغات الأمنية وضعف السيطرة في بعض المناطق لتنفيذ عمليات عابرة للحدود.

ويمثل هذا التهديد تحدياً للأردن، الذي ترتبط حدوده الشمالية ببيئة أمنية شهدت خلال السنوات الماضية نشاطاً لجماعات مسلحة وشبكات تهريب. ولا تقتصر خطورة هذه الجماعات على قدرتها على تنفيذ هجمات مباشرة، بل تشمل أيضاً تجنيد الأفراد، ونشر الدعاية المتطرفة، واستغلال الأزمات الاجتماعية والسياسية، ومحاولة تقويض الثقةبالمؤسسات الوطنية.

كما أن الاعتداءات التي تستهدف المدنيين ودور العبادة والمناسبات الدينية تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، لأنها تسعى إلى تحويل الاختلاف الديني أو الاجتماعي إلىمصدر للصراع الداخلي. ومن هنا، فإن أي هجوم يستهدف المواطنين بسبب انتمائهم الديني لا ينبغي التعامل معه بوصفه جريمة أمنية فحسب، بل باعتباره اعتداءً على التعايش الوطني ومحاولة لإثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار.

الوحدة الوطنية خط الدفاع الأول

تتطلب مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية إدراك أن الأمن الوطني لا يتحقق بالقوة العسكرية والأجهزة الأمنية وحدها،على أهميتها، بل يستند أيضاً إلى تماسك المجتمع وثقته بمؤسساته وقدرته على تجاوز الخلافات.

وفي هذا الإطار، تشكل الوحدة الوطنية الأردنية ركيزة أساسية في مواجهة محاولات الاختراق والتأثير الخارجي. فالمجتمع المتماسك أقل عرضة للاستقطاب الطائفي والديني،وأكثر قدرة على إحباط محاولات الجماعات المتطرفة استغلال الحوادث الأمنية لإثارة الانقسامات.

ومن الضروري رفض كل خطاب يحرض على الكراهية أو يبرر الاعتداء على الآخرين بسبب الدين أو المذهب أوالأصل. كما أن حماية دور العبادة والمناسبات الدينية لجميع المواطنين تعزز الثقة المتبادلة، وتؤكد أن أمن الأردنيين مسؤولية وطنية مشتركة، وأن استهداف أي مكوّن من مكونات المجتمع يمثل تهديداً للمجتمع بأسره.

متطلبات تحصين الأمن الأردني:

إن مواجهة المخاطر المتعددة المحيطة بالأردن تستدعي اعتماد رؤية أمنية متكاملة تجمع بين الدفاع والوقاية والاستخبارات والدبلوماسية، وتستند إلى تقدير واقعي للتهديدات الحالية والمحتملة.

أولاً، تعزيز الدفاعات الجوية ومنظومات الرصد والإنذار المبكر، بما يرفع القدرة على اكتشاف الصواريخ والطائرات المسيّرة والتعامل معها، ويحمي المجال الجوي والمنشآت الحيوية والمراكز السكانية. ويتطلب ذلك تطوير التكامل بين الرادارات ووسائل الاستطلاع ومنظومات الاعتراض والقيادة والسيطرة، مع مراعاة التهديدات المنخفضة الارتفاع وصعوبة اكتشاف بعض الطائرات المسيّرة الصغيرة.

ثانياً، تشديد مراقبة الحدود، ولا سيما في المناطق التي تتيحطبيعتها الجغرافية فرصاً للتسلل أو التهريب أو تحرك الجماعات المسلحة. ويشمل ذلك تطوير وسائل المراقبة التقنية، وتعزيز تبادل المعلومات، ورفع جاهزية القوات المختصة، إلى جانب التعاون مع الدول المجاورة لمنع استخدام الحدود في أنشطة تهدد الأمن الوطني.

ثالثاً، تعزيز التعاون الاستخباري والأمني الإقليمي، لأن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن احتواؤها بجهد وطني منفرد. ويتطلب ذلك تبادل المعلومات المتعلقة بالخلايا المتطرفةوشبكات التهريب والأنشطة المسلحة، مع المحافظة على استقلال القرار الوطني الأردني، وعدم السماح بتحويل التعاون الأمني إلى مدخل للتدخل في الشؤون الداخلية.

رابعاً، ترسيخ الوحدة الوطنية ومكافحة الفكر المتطرف منخلال التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية ،ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف، ومعالجة الظروف التي تستغلها الجماعات المتطرفة في التجنيد والاستقطاب. فالمعالجة الأمنية ضرورة، لكنها تصبح أكثر فاعلية عندما تقترن بالوقاية الفكرية والتماسك الاجتماعي وسيادة القانون.

خامساً، رفع مستوى حماية المنشآت الحيوية وإدارة الأزمات، بما يشمل مرافق الطاقة والنقل والاتصالات والمياه والمطارات والموانئ، ووضع خطط واضحة لاستمرارية الخدمات الأساسية والاستجابة للحوادث، مع إجراء تدريبات دورية لاختبار جاهزية المؤسسات وضمان التنسيق بين الجهات المعنية.

سادساً، مواصلة اعتماد السياسة الخارجية الأردنية المتوازنة، القائمة على احتواء التوترات وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، كما تقتضي هذه السياسة التأكيدعلى أن الأراضي والأجواء الأردنية يجب ألا تكون هدفاً للهجمات، أو ساحة لتبادل الرسائل العسكرية والسياسية بين أطراف الصراع.

التحليل الاستراتيجي:

إن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وطبيعة البيئة المحيطة به،يواجه مزيجاً من التهديدات التقليدية وغير التقليدية. فالصواريخ والطائرات المسيّرة، ونشاط الجماعات المسلحة، والإرهاب، والاختراقات الحدودية، ومحاولات إثارة الانقسامات الداخلية، تشكل عناصر مترابطة في بيئة أمنية تتطلب إستعداداً دائماً وتنسيقاً بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية.

إن الحفاظ على أمن الأردن لا يتحقق بمجرد تعزيز القدرات العسكرية، بل يتطلب الجمع بين قوة الردع، واليقظة الاستخبارية، والسيطرة على الحدود، وحماية المنشآت الحيوية، والتماسك الوطني، والدبلوماسية الفاعلة. وتبقى الوحدة الوطنية حجر الأساس في هذه المنظومة، لأنها تحرم القوى المعادية والتنظيمات المتطرفة من استغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق أهدافها.

وفي منطقة تتسارع فيها التحولات وتتداخل فيها ساحات الصراع، تبرز ضرورة الجمع بين الاستعداد العسكري والأمني، والحكمة السياسية المعهودة، والتماسك المجتمعي. فالأردن قادر على تعزيز مناعته الاستراتيجية والمحافظة على استقراره كلما امتلك رؤية واضحة لمصادر التهديد، واستعد لمواجهتها والتعامل معها بحزم ومسؤولية.

اترك رد