منبر العراق الحر :
1. المنطقة الرمادية: حين يغيب الحسم وتبدأ هندسة التسوية
في عالم العلاقات الدولية، نادرًا ما تنتهي الحروب المركبة والممتدة بانتصار مطلق يعيد إنتاج مشاهد الاستسلام التقليدية. فالتفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، كما أن القدرة على إلحاق الخسائر بالخصم لا تعني امتلاك القدرة على فرض شكل النظام الذي سيحكمه بعد الحرب. ومن هنا تنشأ مساحة وسطى بين الانتصار والهزيمة، يمكن تسميتها «المنطقة الرمادية»، حيث تتراجع الأهداف القصوى أمام حسابات الكلفة والمخاطر، وتبدأ الأطراف المتصارعة البحث عن تسوية لا تحقق بالضرورة جميع مطالبها، لكنها تسمح لكل منها بتقديم النتيجة إلى جمهورها بوصفها انتصارًا. وفي المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، تكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة؛ لأن الأطراف الثلاثة لا تختلف في أدوات الصراع وحدها، بل في تعريف النصر نفسه.
2. حدود القوة: حين يصبح غياب النهاية المنتصرة مدخلًا للتسوية
إن فهم المنطقة الرمادية يبدأ من التمييز بين القدرة على مواصلة العمليات العسكرية والقدرة على تحقيق الحسم السياسي. فقد تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات العسكرية والنووية الإيرانية، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى سقوط النظام أو قبوله جميع الشروط المفروضة عليه. وفي المقابل، قد تتمكن إيران من المحافظة على بقاء نظامها ومواصلة بعض أشكال الردع، دون أن يعني ذلك قدرتها على تحمل حرب استنزاف مفتوحة اقتصاديًا وعسكريًا. وهنا تتجلى المعضلة التي تناولناها في مقالتنا الأولى، «ماذا لو تجددت الحرب؟»، تحت عنوان «مشهد النهاية المنتصرة غائب». فغياب الحسم لا يعني استحالة استمرار الحرب، وإنما يعني أن كلفتها قد تتزايد دون اقتراب متناسب من تحقيق أهدافها. وعندما تصبح الفجوة بين القوة المستخدمة والنتيجة السياسية المطلوبة واسعة، تبرز التسوية باعتبارها أحد المخارج الممكنة، لا نتيجة حتمية للإنهاك العسكري.
3. «الدولة العميقة»: من سقوف الخطاب إلى حسابات الدولة
في هذه المساحة يبرز دور ما يُعرف سياسيًا بـ«الدولة العميقة»، والمقصود بها هنا شبكة المؤسسات السيادية والعسكرية والأمنية والاستخبارية ذات الاستمرارية المؤسسية، التي تمتلك الخبرة والمعلومات والقدرة على التأثير في صناعة القرار، بعيدًا عن تبدّل الحكومات والأشخاص. ففي واشنطن وتل أبيب، لا تتوقف حسابات الأمن القومي عند تصريحات القادة وسقوفهم السياسية، بل تمتد إلى تقديرات البنتاغون وأجهزة الاستخبارات والمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بشأن احتمالات اتساع الحرب، وأمن القوات والقواعد، واستقرار أسواق الطاقة، ومواقف الحلفاء، وتداعيات انهيار الدولة الإيرانية على التوازن الإقليمي. غير أن هذه المؤسسات، مهما بلغ نفوذها، لا تشكل بالضرورة قيادة سرية موحدة، ولا تلغي السلطة السياسية للرئيس أو رئيس الوزراء. ومن هنا تقوم فرضية المنطقة الرمادية على احتمال أن تدفع حسابات «الدولة العميقة» نحو تخفيض السقوف السياسية عندما تصبح كلفة تحقيقها أكبر من المكاسب المتوقعة. إنها المساحة التي تتقاطع فيها طموحات القادة مع حسابات الدولة المستمرة، حيث لا يكون السؤال ما الذي يرغب السياسي في إعلانه، بل ما الذي تستطيع الدولة تحمله وتنفيذه.
4. الإخضاع والإسقاط : حين تتحول الأهداف المتعارضة إلى مصالح متقاطعة
في مقالتنا الثانية، «ثنائية ترامب ونتنياهو»، وتحت عنوان «القوة تجمعهما… والمفاوضات تفرقهما»، انطلقنا من فرضية أن ترامب يسعى إلى إخضاع النظام الإيراني لشروط تتيح له إعلان النصر، بينما يتطلع نتنياهو إلى إسقاط النظام باعتباره مصدرًا مستمرًا للتهديد الإسرائيلي. غير أن المنطقة الرمادية تفتح احتمالًا ثالثًا: أن يصبح الإضعاف الهيكلي للنظام الإيراني بديلًا تفاوضيًا عن إسقاطه، دون أن يعني ذلك تخلي إسرائيل بالضرورة عن هدفها الأبعد. فواشنطن قد ترى في القيود الصارمة على البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي إنجازًا يسمح بإعلان نجاح سياسة الضغط، بينما قد ترى إسرائيل في تقليص القدرات الإيرانية وإضعاف شبكات نفوذها الإقليمية مكسبًا أمنيًا، حتى مع استمرار النظام في الحكم. وهكذا يمكن أن يتحول الإضعاف الميداني إلى أداة للإخضاع السياسي، لكن هذا التقاطع لا يلغي اختلاف المصالح؛ فقد تقبل واشنطن اتفاقًا تراه إسرائيل غير كافٍ، أو تصر إسرائيل على ضمانات تتجاوز ما تستطيع طهران تقديمه.
5. نتنياهو: «الاشتباك الداخلي المُهلك»…
وترامب: «نفق السقوط»
في قراءة أعمق لاستراتيجيتي نتنياهو وترامب تجاه إيران، يمكن التمييز بين مسارين مختلفين في الغاية وآليات الاستنزاف.
المسار الإسرائيلي يستهدف إسقاط النظام الإيراني؛ فبعد اغتيالات طالت الصفين الأول والثاني من قياداته، دون أن تحقق انهياره خلال نحو سبعة أشهر، تبرز الحرب المتجددة بوصفها انتقالًا إلى ضربات تدميرية واسعة تطال المنشآت النووية والطاقة والكهرباء والجسور والبنى الاستراتيجية، بما فيها منشآت حيوية في خرج وقشم، مع احتمال دخول القدرات الأميركية فائقة التدمير والقنابل الخارقة للتحصينات على خط المواجهة، بهدف شلّ قدرة النظام على إدارة الدولة ودفعه إلى «اشتباك داخلي مُهلك» يستنزف تماسكه ويهدد بقاءه.
المسار الأميركي يستهدف إضعاف النظام وإخضاعه ؛ بإدخاله في «نفق السقوط» عبر ضغوط اقتصادية وسياسية متراكمة، وهجمات تدميرية، كما وصفها الرئيس ترامب، تتقلص معها خيارات النظام حتى يصبح قبول الشروط الأميركية مخرجًا من خطر الانهيار، دون أن تكون نهايات هذا المسار مضمونة أو قابلة للتحكم الكامل.
وهنا تتجلى المنطقة الرمادية: إسرائيل تريد إسقاط النظام، وأميركا تريد إخضاعه؛ وقد يلتقي المساران عند نظام باقٍ في الحكم، لكنه فاقد القدرة على استعادة قوته السابقة.
6. الحساب الإيراني: بين صمود النظام وكلفة البقاء
أما إيران، فتدخل هذه المعادلة من زاوية مختلفة؛ إذ يمكن أن يصبح بقاء النظام وعدم إعلان الاستسلام أساسًا لسرديتها عن الانتصار، حتى إذا تعرضت قدراتها العسكرية والاقتصادية لخسائر كبيرة. غير أن الصمود السياسي لا يلغي الضغوط المتراكمة على الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات، ولا يضمن القدرة على الاستمرار في مواجهة مفتوحة دون حدود. ومن هنا قد تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام مفاضلة شديدة التعقيد: المحافظة على شروطها المعلنة مهما ارتفعت الكلفة، أو قبول تسوية تتضمن تنازلات مؤلمة مقابل ضمانات تتعلق ببقاء النظام وتخفيف العقوبات ومنع تجدد العمليات العسكرية. وقد تستحضر هذه اللحظة، من حيث ثقل القرار لا من حيث تطابق الظروف، استعارة «تجرع السم» التي ارتبطت بقبول وقف الحرب العراقية–الإيرانية عام 1988. لكن قبول طهران بمثل هذه التسوية ليس أمرًا محسومًا؛ إذ يتوقف على طبيعة المطالب الأميركية، وحجم الضمانات المتاحة، وتوازنات القرار داخل النظام، ومدى اقتناع القيادة بأن كلفة التسوية أصبحت أقل من كلفة استمرار المواجهة.
7. هندسة النصر بلا حسم: ثلاث روايات لتسوية واحدة
في المحصلة، لا تقوم فرضية «المنطقة الرمادية» على أن الأطراف الثلاثة ستتفق على معنى الانتصار، وإنما على احتمال قبولها بنتيجة سياسية يستطيع كل طرف تفسيرها وفق حساباته الخاصة. فقد يقدم ترامب اتفاقًا جديدًا بوصفه دليلًا على نجاح القوة والضغط الاقتصادي في إخضاع إيران، وتعرض إسرائيل ما تحقق من إضعاف للقدرات الإيرانية وتقييدها باعتباره إنجازًا يعزز أمنها وردعها، بينما تعلن طهران أن بقاء نظامها وعدم فرض الاستسلام عليه يمثلان انتصارًا للصمود. غير أن اختلاف الروايات لا يكفي لصناعة تسوية مستقرة؛ فلا بد من ترتيبات قابلة للتنفيذ والتحقق، تتناول البرنامج النووي والقدرات العسكرية والعقوبات والضمانات الأمنية وحدود النفوذ الإقليمي.
وإذا تعذر الاتفاق على هذه الترتيبات، فقد تتحول المنطقة الرمادية من مخرج سياسي إلى مجرد هدنة مؤقتة تسبق مواجهة جديدة. وهكذا تكتمل معادلة المقالات الثلاث: غياب مشهد النهاية المنتصرة، واختلاف الغايات بين ترامب ونتنياهو، ثم البحث عن تسوية تسمح بتعدد روايات الانتصار دون حسم مطلق. فالمنطقة الرمادية ليست مساحة يتفق فيها الخصوم على مَن انتصر، بل مساحة يقبلون فيها بوقف الصراع دون الاعتراف بالهزيمة؛ إذ يمكن لكل طرف أن يمتلك روايته عن النصر، لكن استقرار السلام لا تحدده الروايات، وإنما قدرة الاتفاق على معالجة الأسباب التي أشعلت الحرب.
27 تشرين الأول / أكتوبر 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر