الوطن أم العقيدة…؟ ..د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

حين يُسأل الإنسان : الوطن أم العقيدة…؟
فليس المطلوب أن يختار بين جذوره وضميره بل أن يدرك أن الوطن هو الأرض التي تتسع للعقائد جميعا وأن العقيدة مهما علت في وجدان صاحبها لا ينبغي أن تتحول إلى جدار يفصل أبناء الوطن الواحد بعضهم عن بعض.
ليست كل الأسئلة التي تُطرح أمام الكاميرات بريئة من آثارها وليست كل الإجابات التي تُقال تحت الأضواء قادرة على احتواء المعنى الذي تحمله الكلمات فثمة أسئلة تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تخفي وراءها امتحانا عميقا للوعي والهوية والانتماء ومن بينها السؤال الذي يُوجَّه إلى الفنانة آلاء حسين: الوطن أم العقيدة…؟
وكأن الإنسان مطالب في لحظة عابرة بأن يضع وطنه في كفة ومعتقده في كفة أخرى ثم يعلن أمام الناس أيهما يستحق أن يبقى وأيهما يمكن التضحية به.
وهنا تحديدا تكمن المشكلة ليس في السؤال وحده بل في الفكرة التي يقوم عليها لأن الوطن والعقيدة ليسا بالضرورة خصمين يقف أحدهما في مواجهة الآخر ولا ينبغي أن يتحولا إلى معسكرين يتوجب على الإنسان أن ينتمي إلى أحدهما ليُثبت صدقه في الانتماء إلى الثاني فالوطن هو البيت الكبير الذي يولد فيه المختلفون ويعيشون تحت سمائه ويتقاسمون خيراته وآلامه وأحلامه أما العقيدة فهي ما يؤمن به الإنسان من منظومة روحية وفكرية تمنح حياته معناها الخاص وقد تتعدد العقائد داخل الوطن الواحد لكن تعددها لا يعني تعدد الأوطان واختلافها لا يمنح أحدا الحق في احتكار الأرض أو مصادرة هوية الآخرين.
الوطن أغلى ليس لأن العقيدة بلا قيمة بل لأن الوطن هو المساحة التي يستطيع فيها أصحاب العقائد المختلفة أن يعيشوا إيمانهم وضمائرهم وحرياتهم دون أن يتحول اختلافهم إلى حرب على وجودهم المشترك.
إن العقائد تختلف وهذه حقيقة لا تحتاج إلى خصومة كي تثبت نفسها فالبشر منذ فجر التاريخ لم يتفقوا على تفسير الوجود ولا على طريق الوصول إلى الحقيقة ولا على صورة العلاقة بين الإنسان والخالق ولا على التفاصيل التي تنظم حياتهم الروحية ومع ذلك استطاعت المجتمعات أن تنشأ وتستمر حين أدركت أن الاختلاف لا يقتضي الإلغاء وأن الإيمان لا يكتمل بالاعتداء على حق الآخرين في الإيمان وأن الإنسان لا يصبح أكثر إخلاصا لمعتقده لمجرد أنه يزدري معتقد سواه.
ولو كان الاتفاق في العقيدة شرطا للعيش المشترك لما بقيت مدينة واحدة تتسع لأكثر من جماعة ولما استطاع مجتمع أن يستقر عبر قرون من التحولات الفكرية والدينية والثقافية ولتحولت الأرض إلى جزر معزولة لكل جماعة فيها سماؤها الخاصة وحدودها المغلقة ولما بقي من معنى الوطن شيء سوى الاسم.
لكن الوطن الحقيقي لا يُبنى على تطابق الضمائر بل على احترامها ولا يقوم على تشابه العقول بل على قبول اختلافها ولا يحتاج إلى أن يؤمن جميع أبنائه بالفكرة ذاتها كي يجمعهم بل يحتاج إلى أن يؤمنوا جميعا بأن حقهم في الحياة والكرامة والعدل لا يجوز أن يكون رهينة لاتفاقهم أو اختلافهم.
ولذلك فإن السؤال: الوطن أم العقيدة..؟
يحتاج قبل الإجابة إلى مراجعة فكرية وأخلاقية لأن صياغته توحي بأن أحدهما لا يمكن أن يبقى إلا إذا تراجع الآخر بينما الحقيقة أن الإنسان يستطيع أن يكون مخلصا لعقيدته ومخلصا لوطنه في الوقت نفسه شريطة ألا يجعل من إيمانه سلاحا ضد مواطنيه وألا يجعل من وطنه ذريعة لإكراه الآخرين على ما لا يؤمنون به.
فالعقيدة التي تمنح الإنسان الطمأنينة لا ينبغي أن تسلب غيره الأمان والوطن الذي يمنح الإنسان هويته لا ينبغي أن يطالبه بالتخلي عن ضميره وبين هذين المعنيين تتجلى قيمة الدولة العادلة التي لا تسأل المواطن عن مقدار التشابه بين قلبه وقلوب الآخرين وإنما تسأله عن احترامه للقانون وصونه لحقوق الناس واستعداده للمشاركة في بناء الحياة المشتركة.
فالوطن ليس مذهبا… ولا ملكا حصريا لعقيدة واحدة وإن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات هو أن يتحول الوطن من رابطة جامعة إلى غنيمة رمزية تتنازعها الجماعات فتتصرف كل جماعة وكأنها المالك الشرعي الوحيد للأرض وكأن الآخرين ضيوف مؤقتون عليها أو مواطنون من درجة أدنى، أو أشخاص مطالبون في كل مناسبة بتقديم شهادات ولاء تثبت أنهم يستحقون البقاء.
عندئذ لا يعود الوطن وطنا بالمعنى الأخلاقي بل يصبح ساحة امتحان دائم يُستجوب فيها الإنسان عن طائفته ويُحاسب على معتقده ويُقاس انتماؤه بمقدار موافقته على تصورات الجماعة الأقوى بدلا من أن يُقاس بإنسانيته وعمله واحترامه لحقوق الآخرين.
وهنا ينبغي أن نقول بوضوح إن العراق ليس ملكا لعقيدة واحدة ولا لطائفة واحدة ولا لحزب واحد، ولا لزعيم واحد ولا لجماعة تتوهم أنها أحق من سواها بتاريخ البلاد ومستقبلها فالعراق أوسع من جميع الاصطفافات وأقدم من كثير من النزاعات التي تستهلك أبناءه وأغنى من أن يُختزل في تفسير واحد للهوية الوطنية.
في هذه الأرض تعايشت تقاليد دينية وثقافية متعددة وامتزجت لغات وعادات وذاكرات وعاش الناس في المدن والأرياف والسهول والجبال وتشاركوا الأفراح والأحزان والأسواق والطرقات ولم تكن قيمة الإنسان في كل لحظة من تاريخهم مستمدة من انتمائه وحده بل من دوره في الحياة، ومن صدقه ومن قدرته على أن يكون نافعا لغيره.
ولذلك لا يجوز أن نختصر العراقي في مذهبه ولا أن نختصر مواطنته في شعيرة يؤديها ولا أن نجعل من اختلافه عنا سببا للشك في محبته لبلاده.
قد يختلف عراقي مع عراقي آخر في تفسير التاريخ أو في فهم الدين أو في الشعائر أو في الفلسفة أو في الموقف من قضايا الحياة لكنهما يظلان شريكين في حقهما في الوطن وفي واجبهما في حمايته وفي مسؤوليتهما عن مستقبله.
فالوطن لا يسأل أبناءه إن كانوا متطابقين في صلاتهم بل يحتاج إلى أن يكونوا متفقين على ألا يعتدي بعضهم على بعض ولا يسألهم إن كانوا يقرؤون الحقيقة من الكتاب ذاته بل يحتاج إلى أن يتفقوا على أن الحقيقة لا تُفرض بالقوة وأن كرامة الإنسان ليست امتيازا تمنحه جماعة وتحجبه أخرى.
إن الوطن الذي لا يتسع إلا لمن يشبهوننا ليس وطنا جامعا بل انعكاس مكبّر لجماعتنا، أما الوطن الذي نحبه حقا فهو الذي نتمسك بحقه في أن يتسع لنا ولمن يختلف معنا دون أن نطالب أحدا بأن يتنازل عن كرامته كي نطمئن نحن إلى وجوده وماذا يعني أن يكون الوطن أغلى…؟
حين نقول إن الوطن أغلى من أن يُختزل في العقائد فإننا لا نصدر حكما على إيمان الناس ولا نطالبهم بأن يتخلوا عن معتقداتهم ولا ندعو إلى مجتمع بلا روح أو قيم وإنما نقول إن الوطن يجب ألا يتحول إلى ملكية حصرية لأي اعتقاد وإن رابطة المواطنة ينبغي أن تكون قادرة على حماية الجميع مهما اختلفت تصوراتهم الروحية والفكرية.
فالوطن هو المكان الذي يسكنه المؤمن وغير المؤمن والمتدين على طريقته وصاحب الرأي المختلف والفنان الذي يرى العالم من نافذة الجمال والعالم الذي يبحث عن الحقيقة في المختبر والفيلسوف الذي يسائل المسلمات والفلاح الذي يضع بذرة في الأرض ولا ينتظر من الحقل أن يسأله عن معتقده قبل أن يمنحه ثماره.
الأرض لا تفرز مياهها على أساس المذهب والشمس لا تختار بيوت أبنائها بحسب طقوسهم والنهر لا يمنح الماء لمن يشبهونه ويحجبه عمن يختلف معه والوطن الذي يهب الحياة للجميع ينبغي أن يكون نظامه الأخلاقي والقانوني حارسا لحقوق الجميع.
إن أعظم ما يقدمه الوطن للإنسان ليس مجرد الحدود الجغرافية بل الشعور بأنه ليس مضطرا إلى الاختباء من هويته ولا إلى الاعتذار عن اختلافه ولا إلى العيش في خوف دائم من أن يتحول معتقده إلى تهمة.أو أن يصبح اسمه أو لباسه أو رأيه سببا لإقصائه.
ومن هنا فإن قيمة الوطن لا تُقاس بعدد الأعلام المرفوعة في ساحاته ولا بكثرة الشعارات التي تتغنى بحبه وإنما بقدرته على أن يحمي الضعيف، وينصف المظلوم ويصون حرية الضمير ويضمن أن يكون القانون فوق الجميع وأن لا تتحول العقيدة أو الطائفة أو السلطة إلى وسيلة للتمييز بين المواطنين.
الوطن أغلى حين لا يضطر الإنسان إلى الاختيار بين كرامته وانتمائه وحين لا يُطلب منه أن يكره أخاه كي يثبت إخلاصه وحين يستطيع أن يقول: أنا أؤمن بما أؤمن به وأحترم حقك في أن تؤمن بما تؤمن به ونحن معا أبناء أرض واحدة تجمعنا الحقوق والواجبات والمصالح الإنسانية المشتركة.
وحين يُسأل الفنان… لماذا يُراد له أن يختار…؟
إن توجيه سؤال من قبيل « الوطن أم العقيدة…؟ » إلى الفنانة آلاء حسين يفتح بابا آخر للنقاش يتعلق بطبيعة الفن ووظيفته في المجتمع فالفنان ليس موظفا لدى عقيدة ولا ينبغي أن يكون بوقا لجماعة ولا أن يتحول إلى شاهد يُستدعى لإعلان الولاء أمام جمهور ينتظر منه إجابة واحدة.
الفنان الحقيقي هو ابن الإنسان قبل أن يكون ابن الاتجاه وهو الذي يرى في الوجوه قصصا وفي الاختلاف مادة للتأمل وفي الألم سؤالا وفي الجمال فرصة لإعادة اكتشاف ما بقي في البشر من قدرة على التفاهم.
وإذا كان الفن قد استطاع أن يعبر الحدود التي عجزت السياسة عن عبورها وأن يصل إلى قلوب الناس رغم اختلاف لغاتهم وأديانهم فذلك لأنه يخاطب في الإنسان منطقة لا تستطيع الشعارات أن تحتكرها منطقة الوجدان الذي يتأثر بالألم ويبحث عن الجمال ويتطلع إلى العدالة ويرفض أن تتحول الحياة إلى سلسلة من الحواجز.
الفنانة التي تمثل لا تسأل الشخصية عن مذهبها قبل أن تمنحها صوتا والشاعر الذي يكتب لا يطلب من الحرف شهادة انتماء والموسيقي الذي يعزف لا يحتاج إلى أن يتأكد من عقيدة المستمع قبل أن يمنحه لحظة من الجمال والممثل الذي يجسد مأساة الإنسان يستطيع أن يجعل الجمهور يتعاطف مع شخصية تختلف عنه في الدين أو الفكر أو البيئة لأن الفن في جوهره يذكّرنا بأن وراء الأسماء والهويات إنسانا يتألم ويحلم ويخاف ويحب.
ومن هنا فإن مطالبة الفنانة بأن تضع الوطن والعقيدة في مواجهة حتمية قد تكون مطالبة بتبسيط قضية لا تحتمل التبسيط وكأن الإنسان لا يستطيع أن يجمع في داخله أكثر من انتماء أو أن تعدد انتماءاته دليل اضطراب بينما الحقيقة أن الإنسان كائن متعدد الأبعاد يحمل ذاكرته وأسرته ولغته ومعتقده وثقافته ومهنته وحلمه ويحتاج إلى إطار وطني يحمي هذا التعدد ولا يحوله إلى ساحة صراع.
لكن الفنانة مهما كانت مكانتها ليست معفاة من مسؤولية الكلمة ولا من ضرورة التفكير في آثار ما تقوله فالكلمة التي تصدر عن شخصية عامة قد تسهم في بناء جسور الثقة وقد تتحول إلى شرارة تزيد الانقسام ولهذا فإن الحكمة لا تكمن في إجابة تُرضي جمهورا على حساب جمهور آخر بل في إجابة ترفع مستوى السؤال نفسه وتعيده إلى مكانه الصحيح.
ليس مطلوبا من آلاء حسين أن تنكر عقيدتها وليس مطلوبا منها أن تتخلى عن وطنها وإنما المطلوب ألا يتحول أحدهما إلى ذريعة لانتقاص الآخر وألا يسمح بأن يصبح الاختلاف في الرأي امتحانا في الوطنية أو مقياسا في الإيمان.
فالحسين… قيمة أخلاقية لا ينبغي تحويلها إلى جدار بين أبناء الوطن
وحين يكون الحديث متصلا بالإمام الحسين عليه السلام فإن المسؤولية في تناول الموضوع تصبح أكبر لأن الحسين ليس اسما عابرا في الذاكرة العراقية بل رمز ديني وتاريخي وأخلاقي عظيم لدى ملايين الناس ارتبطت سيرته في الوجدان بمعاني التضحية والكرامة ورفض الظلم والثبات على المبدأ.
لكن استحضار هذه المكانة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرض اختيار زائف على الإنسان ولا إلى مبرر للقول إن حب الحسين يتعارض بالضرورة مع حب الوطن أو إن الدفاع عن الوطن ينتقص من قيمة الإيمان أو إن من يختلف في فهم بعض القضايا الدينية أقل وطنية من غيره.
إن الحسين في قراءته الأخلاقية الواسعة يذكّر الإنسان بخطورة الظلم وبأن الكرامة ليست سلعة وبأن المبدأ لا ينبغي أن يكون زينة في الكلام ثم يختفي عند أول امتحان وهذه المعاني لا تفقد قيمتها حين يتأملها إنسان من خارج الدائرة المذهبية كما أن احترامها لا يعني أن يتحول جميع أبناء الوطن إلى أصحاب اعتقاد واحد.
ومن حق المؤمن أن يرى في الحسين إماما ورمزا دينيا ومن حق الباحث أن يدرس تجربته التاريخية ومن حق الفنان أن يستلهم من سيرته عملا أدبيا أو تشكيليا أو مسرحيا ومن حق المواطن المختلف في عقيدته أن يحترم مشاعر المؤمنين دون أن يُجبر على تبني ما لا يؤمن به.
وهنا تتجلى عظمة الوطن: أنه لا يطلب من الجميع أن ينظروا إلى الرمز بالطريقة ذاتها وإنما يطلب منهم أن يحترموا حق الآخرين في تقديس ما يؤمنون به ما دام ذلك لا يتحول إلى اعتداء على حقوقهم أو كرامتهم.
إن استلهام القيم الأخلاقية من سيرة الحسين ينبغي أن يقود إلى مقاومة الظلم وإلى نصرة المظلوم وإلى رفض الاستبداد وإلى احترام الإنسان ليس إلى توزيع شهادات الوطنية والإيمان على الناس بحسب قربهم من تصور واحد.
وإذا أردنا أن نجعل من الحسين جسرا أخلاقيا بين البشر فعلينا أن نتعامل مع القيم التي نستحضرها من سيرته بوصفها دعوة إلى العدل والكرامة لا بوصفها أداة لتقسيم المجتمع إلى من يحق لهم الانتماء ومن ينبغي لهم أن يثبتوا أهليتهم للانتماء.
فليس من الإنصاف أن نجعل حب الوطن خصما من حب الحسين كما ليس من الإنصاف أن نجعل اختلاف العقائد سببا لإنكار حق الناس في وطنهم فالوطن الذي يحمي المؤمن في شعائره ويحمي المختلف في ضميره هو وطن يثبت أن التعايش ليس ضعفا في الإيمان بل نضج في فهم الإنسان.
فالعقيدة تعيش في الوطن… والوطن لا يعيش بعقيدة واحدة
وهذه هي الفكرة التي ينبغي أن تكون أساس النقاش: العقائد تعيش في الوطن وليست الأوطان مطالبة بأن تتحول إلى عقيدة واحدة.
فالعقيدة مهما اتسع حضورها في وجدان المؤمن تظل جزءا من عالمه الروحي والفكري أما الوطن فهو الإطار العام الذي يجمع ملايين البشر ويمنحهم حقوقا وواجبات وينظم علاقتهم بالقانون والمؤسسات والمرافق العامة والموارد المشتركة.
وحين تتعدد العقائد داخل الدولة فإن واجب الدولة ليس أن تمحو هذا التعدد ولا أن تنتصر لمجموعة على حساب أخرى وإنما أن تضمن حقوق الناس وتحمي حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر ضمن القانون وتمنع التمييز وتصون الأمن العام وتكفل أن لا تتحول الأكثرية العددية إلى سلطة تملك حق إلغاء الأقلية أو الانتقاص من مواطنتها.
إن الوطن لا يحتاج إلى عقيدة واحدة كي يكون قويا بل يحتاج إلى عدالة تجعل المختلفين يشعرون بأن لهم مكانا فيه، وأن مستقبلهم ليس مهددا بسبب اختلافهم وأن الدولة لا تتعامل معهم بوصفهم جماعات متنافسة على الامتيازات وإنما بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
والتاريخ يخبرنا بأن المجتمعات لا تنهار لمجرد وجود اختلافات دينية وفكرية بل قد تنهار حين تتحول تلك الاختلافات إلى أدوات للتعبئة والكراهية والتمييز وحين تصبح الهوية وسيلة لتبرير الظلم وحين يفقد القانون قدرته على حماية الجميع.
أما المجتمع الذي يحترم تعدده، ويمنع الاعتداء ويؤسس المواطنة على الحقوق والواجبات فإنه يستطيع أن يجعل من الاختلاف مصدر غنى ثقافي وفكري بدلا من أن يتركه يتحول إلى مصدر خوف دائم.
ولا يعني ذلك أن كل العقائد متطابقة أو أن الخلافات بينها وهم، أو أن الحوار قادر على إزالة جميع الفوارق بل يعني أن التعايش لا يشترط زوال الخلاف، وأن احترام الإنسان لا يتوقف على الاقتناع بكل ما يؤمن به.
قد يبقى الخلاف قائما إلى آخر العمر لكن الإنسان يستطيع أن يختلف دون أن يهين وأن يناقش دون أن يهدد وأن يدافع عن معتقده دون أن يسلب الآخرين حقهم في معتقداتهم وأن يحب وطنه دون أن يطلب من جميع أبنائه أن يكونوا نسخا متشابهة منه.
وهذا هو الامتحان الحقيقي للحضارة: ليس أن تجعل الناس يتفقون في كل شيء بل أن تمنع اختلافهم من تحويل الحياة إلى ساحة إقصاء فلا تجعلوا الدين ستارا للظلم… ولا الوطن غطاء للإقصاء
إن الدفاع عن الوطن لا يعني الصمت أمام أخطائه كما أن الإيمان بالعقيدة لا يعني إعفاء من يرفع اسمها من المساءلة.
فمن يسرق المال العام لا يصبح شريفا لمجرد أنه يعلن انتماءه الديني ومن يعتدي على حقوق الناس لا يصبح عادلا لمجرد أنه يرفع شعارا مقدسا ومن ينهب ثروات البلاد لا يصبح وطنيا لمجرد أنه يتحدث عن السيادة ومن يزرع الكراهية بين أبناء الشعب لا يصبح مصلحا لمجرد أنه يدّعي الدفاع عن الهوية.
إن الأوطان لا تُنهب بسبب اختلاف العقائد وحده وإنما تُنهب أيضا حين يُمنح الفاسد حصانة باسم الدين أو الطائفة أو الحزب أو العشيرة وحين يُطلب من المواطن أن يغض الطرف عن الظلم حفاظا على صورة الجماعة وحين يصبح الولاء للأشخاص مقدما على الولاء للقانون والمصلحة العامة.
وفي المقابل لا يجوز أن يُتخذ اسم الوطن ذريعة لمحاربة التدين أو السخرية من الشعائر أو مصادرة حق الإنسان في أن يعيش معتقده بكرامة فالوطن الذي يطالب الناس بالتخلي عن ضمائرهم كي يثبتوا انتماءهم لا يقل خطرا عن الجماعة التي تطالبهم بالتخلي عن مواطنتهم كي يثبتوا إخلاصهم لها.
المعادلة العادلة واضحة: لا حصانة للظلم باسم العقيدة ولا حصانة للإقصاء باسم الوطن ولا تفوق للمواطن على مواطن آخر بسبب مذهبه ولا إعفاء لأحد من القانون بسبب مكانته أو شعاراته.
فالدولة التي تحترم نفسها لا تخاف من اختلاف أبنائها بل تخاف من الظلم الذي يهددهم ولا تنشغل بتفتيش ضمائرهم بل تنشغل بحماية حقوقهم ولا تقيس ولاءهم بمدى تطابقهم الفكري بل بمدى التزامهم بالقانون واحترامهم للآخرين ومساهمتهم في الصالح العام.
ومن يريد حقا أن يخدم دينه أو عقيدته أو وطنه، فليبدأ من كرامة الإنسان لأن كل خطاب يتحدث عن القيم ثم يسمح بإذلال البشر يناقض الغاية الأخلاقية التي يدّعي الدفاع عنها فالوطن ليس ترابا فقط… إنه ذاكرة الإنسان وحقه في المستقبل.
قد يقول قائل إن العقيدة أسمى من الوطن لأنها تتصل بالسماء وإن الوطن أرض محدودة تتغير حدودها وسلطاتها وهذا رأي يمكن فهم منطلقاته لدى من ينظر إلى الإيمان بوصفه الحقيقة العليا في حياته لكن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى مفاضلة مبسطة بين معنى روحي ومعنى مدني مختلف في طبيعته ووظيفته.
فالمسألة ليست مطالبة الإنسان بأن يضع إيمانه في مرتبة أدنى بل في أن يدرك أن علاقته بوطنه ليست علاقة جغرافية باردة وإنما علاقة حياة وذاكرة ومسؤولية وأن الدفاع عن الوطن لا يعني بالضرورة منافسة العقيدة كما أن التمسك بالعقيدة لا يقتضي إهمال الوطن أو التضحية بحقوق أبنائه.
الوطن هو اللغة التي تعلمنا بها أولى كلماتنا والطرقات التي حفظت خطواتنا الأولى والوجوه التي منحتنا معنى الأسرة والجوار والمدارس التي فتحت لنا أبواب المعرفة والمقابر التي تحتفظ بأسماء الذين سبقونا والأنهار التي شهدت أفراحنا وأحزاننا والبيوت التي ما زالت تحمل آثار أصوات أحبائنا.
إنه ذاكرة تتجاوز الفرد ومسؤولية تتجاوز الجيل ومستقبل سيعيش فيه أبناؤنا وأحفادنا ولذلك فإن محبته ليست مجرد انفعال عاطفي بل التزام أخلاقي بأن نتركه أكثر عدلا وأمنا وكرامة مما وجدناه.
ولا يجوز أن تكون العقيدة ذريعة لترك الوطن نهبا للفساد كما لا يجوز أن يصبح الوطن ذريعة لإهانة المؤمن أو إكراهه على التخلي عن شعائره فكل من هذين المسارين يضع الإنسان أمام ظلم لا ضرورة له.
إن الوطن الذي نحلم به ليس وطنا بلا عقائد بل وطن تتعايش فيه العقائد دون أن تتحول إلى أدوات للهيمنة وليس وطنا بلا اختلاف بل وطنا يعرف كيف يدير اختلافه بالقانون والحوار والاحترام وليس وطنا يطلب من الجميع أن يصمتوا عن قناعاتهم بل وطنا يسمح لهم بالتعبير عنها دون تهديد أو اعتداء.
وإذا كان الإنسان يطمح إلى حياة كريمة فإن عليه أن يدافع عن وطن يستطيع فيه أبناؤه أن يختلفوا في العقيدة ويتفقوا في حماية الإنسان وأن يتباينوا في الرأي ويتعاونوا في البناء وأن يحتفظ كل منهم بخصوصيته دون أن تتحول الخصوصية إلى جدار يمنع الآخر من حقه في الحياة وان كلمة أخيرة إلى آلاء حسين والجمهور.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس: الوطن أم العقيدة…؟
بل: كيف نحمي الوطن من أن يتحول إلى ساحة صراع بين العقائد…؟
وكيف نحمي العقيدة من أن تُستعمل غطاء للظلم والإقصاء…؟
وكيف نعيد الإنسان إلى مركز المعادلة فلا يصبح مجرد تابع لجماعة ولا رقما في صراع ولا متّهما مطالبا بإثبات براءته كلما اختلف مع الآخرين…؟
إن الإجابة الناضجة لا تحتاج إلى إهانة العقيدة كي تنتصر للوطن ولا إلى الانتقاص من الوطن كي تؤكد قيمة العقيدة وإنما تحتاج إلى فهم طبيعة كل منهما فالعقيدة حق في الضمير والوطن حق في الانتماء والمواطنة رابطة تنظم العيش المشترك والعدل هو الضمانة التي تمنع هذه المعاني من التحول إلى أدوات صراع.
وللفنانة آلاء حسين حين تقف أمام هذا السؤال أن تختار إجابة لا تنحني للاستفزاز ولا تسقط في فخ الاستقطاب فتقول إنني لا أرى الوطن والعقيدة خصمين بالضرورة وإنني أحترم إيماني وأحترم حق غيري في إيمانه لكنني أرفض أن يتحول الاختلاف إلى مبرر للتمييز وأرفض أن يُختزل الوطن في جماعة واحدة لأن الوطن الذي لا يتسع إلا لمن يشبهوننا لن يبقى وطنا للجميع.
وإذا كان لا بد من تأكيد أولوية في هذا النقاش فإن الوطن أغلى بوصفه الإطار الجامع الذي يحفظ حق الجميع في الحياة والمواطنة لا بوصفه خصما لإيمانهم ولا بوصفه سلطة تفرض عليهم عقيدة بعينها.
فالعقائد تختلف وقد تبقى مختلفة وهذا من طبيعة الحياة الإنسانية لكنها تستطيع أن تعيش في وطن واحد إذا تعلّم أصحابها أن حقوق الإنسان ليست غنيمة مذهبية وأن كرامة المواطن لا تتوقف على موافقته الفكرية وأن القانون العادل لا يسأل الإنسان عن عقيدته قبل أن يحميه.
نريد وطنا لا يخاف فيه المؤمن من المختلف ولا يخاف فيه المختلف من المؤمن ولا يشعر فيه المواطن بأنه أقل قيمة بسبب اسمه أو مذهبه أو رأيه وطنا لا يُختبر فيه الانتماء بالشعارات بل يُترجم في الأفعال ولا تُقاس فيه الوطنية بحدة الصوت بل بصدق العمل، ولا تُقاس فيه الأخلاق بكثرة الادعاءات بل بمقدار ما تمنحه للناس من عدل ورحمة وكرامة.
نريد وطنا إذا اختلف أبناؤه في تفسير السماء لم يتنازعوا على حق بعضهم في الأرض وإذا اختلفوا في طريق الإيمان لم يختلفوا على حرمة الدم وإذا اختلفوا في قراءة التاريخ، لم يسمحوا لأحد بأن يسرق مستقبلهم.
فالأرض التي تجمعنا أوسع من خلافاتنا والإنسان الذي يسكنها أكرم من أن يُختزل في انتمائه والوطن الذي نريده أكبر من أن يكون ملكا حصريا لأي جماعة.
الوطن أغلى من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات العقائدية وأعظم من أن يُختزل في مذهب وأبقى من أن يُختصر في شعار والعقائد مهما اختلفت تستطيع أن تعيش تحت سمائه ما دام العدل يحمي أبناءه والقانون يصون حقوقهم والإنسانية تذكّرهم بأن اختلافهم لا يسقط حقهم في الحياة المشتركة.
فلا تسألوا الإنسان أن يختار بين ضميره ووطنه قبل أن تسألوا أنفسكم: أي وطن هذا الذي يضطر أبناءه إلى الاختيار…؟
وأي عقيدة هذه التي لا تستطيع أن تعيش بكرامة إلا إذا انتقصت من كرامة الآخرين…؟
إن الوطن الذي يستحق أن نضحي من أجله هو الذي لا يطلب منا أن نكره بعضنا كي نحبه والعقيدة التي تُحترم في مجتمع عادل لا تحتاج إلى إلغاء الآخرين كي تثبت حضورها.
العقائد تختلف وتعيش في الوطن أما الوطن فلا ينبغي أن يختلف أبناؤه على حقهم المتساوي فيه…

د.رافد حميد فرج القاضي

 

 

 

اترك رد