من مكة إلى طهران.. مخاض التحوّل الجيوستراتيجي أم إعادة إنتاج الهيمنة؟ بقلم:د. حسام وليد البدري

منبر العراق الحر :

ليست كل حركة دبلوماسية إعلاناً عن ولادة نظام إقليمي جديد، كما أن تعدد الشراكات الأمنية لا يعني انتقال قرار الحرب والسلام من القوى الكبرى إلى العواصم الإقليمية. ففي العلاقات الدولية، ثمة فارق بين امتلاك حرية المناورة وامتلاك القدرة على تغيير قواعد اللعبة، وبين إدارة التوازنات وإعادة تأسيسها.

ومن هنا، فإن قراءة التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان وإيران ينبغي ألا تنطلق من افتراض نشوء استقلال أمني جماعي، بل من سؤال أكثر تعقيداً: هل تمتلك هذه الدول أدوات إنتاج نظام ردع مستقل، أم تحاول تقليل خسائرها داخل منظومة لا تزال مفاتيحها الأساسية بيد القوى الدولية؟

وفي ضوء الحديث عن اجتماع طهران في السادس والعشرين من أكتوبر 2026، تبرز ضرورة التمييز بين الدلالات السياسية والنتائج الاستراتيجية؛ فاجتماع الخصوم لا يعني اتفاقهم على شكل السلام، بل ربما يعكس خشيتهم المشتركة من كلفة الحرب.

فالتحالفات ليست علاقات قابلة لإعادة التسعير وفق أهمية الجغرافيا وحدها، وإنما منظومات متراكمة من التسليح والاستخبارات والتكنولوجيا والالتزامات السياسية. والسعودية تستطيع توسيع تعاونها مع تركيا وباكستان دون الاستغناء عن البنية الأمنية الأمريكية، فيما تبقى تركيا مرتبطة بمزايا الأطلسي، وتظل خيارات باكستان محكومة بحسابات الهند والصين واقتصادها الداخلي.

وعليه، فإن تنويع الشراكات لا يعني بالضرورة استقلال القرار الاستراتيجي.

أما إيران، فتواجه معضلة تحويل نفوذها الخارجي من أداة ضغط عسكري إلى ضمانات سياسية. فنفوذها في العراق ولبنان واليمن ليس مواقع جغرافية قابلة لإعادة التوزيع، بل شبكات محلية متداخلة المصالح. ولذلك فإن التهدئة لا تعني تفكيك أسباب الصراع، ولا الاتفاق على تجنب الحرب يعني الاتفاق على شرعية أدوات الردع.

كذلك، فإن هرمز وباب المندب لا يمنحان الطرف القادر على تهديدهما حق هندسة النظام الأمني؛ فقد يستدعي تعطيل الملاحة تدخلاً دولياً أوسع. فليست كل قدرة على التعطيل قدرة على صناعة النظام.

وواشنطن لا تقيس مصالحها بالنفط وحده، بل بأمن الشركاء وحرية الملاحة وموازين الردع. أما الصين وروسيا، فليستا ضمانتين مطلقتين لطهران، ولا تستطيعان اختزال إيران إلى وظيفة استراتيجية تحددانها منفردتين؛ فالدول فاعلون يملكون خياراتهم، وليست أدوات ساكنة في حسابات الآخرين.

وهنا يبرز العراق بوصفه الاختبار الأكثر حساسية. فهو ليس ممراً اقتصادياً أو ساحة قابلة لإعادة توزيع النفوذ، بل دولة تتقاطع داخلها السيادة والسلاح والحدود والطاقة. وإذا كانت الرياض تبحث عن الاستقرار، وأنقرة عن أمن حدودها، وطهران عن ضمانات الردع، فإن بغداد تحتاج إلى ضمانة مختلفة: ألا يتحول استقرار الآخرين إلى قيود على قرارها الوطني.

فالخطر لا يكمن في صراع القوى الإقليمية وحده، وإنما في احتمال تفاهمها على ترتيبات تجعل العراق موضوعاً للمساومة لا شريكاً في صياغتها.

وهنا يظهر الفرق بين نظام أمني يحمي سيادة الدول، وترتيب لإدارة النفوذ يجمّد الصراعات ويوزع المسؤوليات بين الأقوى. والمعيار ليس عدد الاجتماعات، بل وجود التزامات قابلة للتحقق بشأن الحدود والسلاح والتصعيد وعدم الاعتداء.

وتبقى إسرائيل عاملاً مؤثراً؛ فتفوقها العسكري لا يمنحها حق هندسة المنطقة منفردة، لكنه يجعل تجاهل حساباتها تهديداً لاستدامة أي تفاهم.

لذلك، لا يبدو الشرق الأوسط أمام استقلال أمني محسوم، بل أمام توسيع هوامش المناورة وتقليل كلفة الصراع. وقد يتحول التحوط الدفاعي لدى طرف إلى تهديد هجومي في نظر آخر، فتزداد احتمالات سوء التقدير.

وفي التقديرات الجيو استراتيجية، فإن طاولة طهران ليست إعلاناً عن نظام جديد، وإنما اختبار للانتقال من إدارة المخاطر إلى ضمانات السلام.

فالفرق بين التفاهم والنظام أن الأول قد يولد من الخوف المشترك من الحرب، بينما يحتاج الثاني إلى قواعد مشتركة للسلام.

والتحول الحقيقي لا يبدأ بإعادة تسعير الجغرافيا أو تبديل التحالفات، بل بجعل سيادة الدول أساساً للتسويات، لا ثمناً لها.

فما لم يتحقق ذلك، لن نشهد إعادة هندسة للأمن الإقليمي، وإنما إعادة تنظيم للتنافس القديم؛ تتبدل أدوات النفوذ، وتبقى معضلة السيادة وقرار الحرب والسلام معلقة.

فهل يشهد الشرق الأوسط مخاض انتقال جيوستراتيجي نحو هندسة إقليمية متعددة الأقطاب ؟ أم إعادة تموضع داخل بنية الهيمنة الدولية؟ وهل تفضي هذه التحولات إلى توازن استراتيجي مستدام، أم تؤسس لاختلالات بنيوية كامنة تنذر بانفجار جيوسياسي يعيد تشكيل معادلات القوة ومراكز القرار في المنطقة.

عرض

اترك رد