منبر العراق الحر : يُعد مفهوم النصر من أكثر المفاهيم تعقيداً في تحليل الحروب الحديثة حيث لا يُقاس النصر بحجم القوة المستخدمة أو عدد الضربات الجوية والصاروخية وحجم الأهداف التي جرى تدميرها،بقدر ما يُقاس بمدى قدرة الطرف المهاجم على تحويل تفوقه العسكري إلى نتائج سياسية تحقق الأهداف التي شُنّت الحرب من أجلها.
تبرز هذه الإشكالية بوضوح في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران الدائرة في الوقت الراهن، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية والاستراتيجية، ويصبح تحديد الطرف المنتصر أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة الخسائر والقدرات المدمرة.
فالتفوق العسكري، ولا سيما في المجال الجوي والتكنولوجي، قد يمنح الولايات المتحدة قدرة كبيرة على استهداف المنشآت العسكرية والبنى التحتية ومنظومات الصواريخ والقدرات الدفاعية الإيرانية، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق الحسم السياسي، إذ إن تدمير القدرات العسكرية لايؤدي تلقائياً إلى تغيير سلوك الدولة المستهدفة أو إخضاع قيادتها للإرادة السياسية للخصم .
فالنصر العملياتي يرتبط بنجاح القوات المسلحة في تنفيذ مهماتها وتحقيق أهدافها الميدانية، أما النصر الاستراتيجي فيتجاوز ذلك إلى توظيف النتائج العسكرية في تغيير موازين القوة وفرض معادلات جديدة تخدم الأهداف السياسية للحرب.
وفي المقابل، فإن قدرة إيران على الصمود ومواصلة الرد والاحتفاظ بجزء من قدراتها العسكرية والسياسية قد تحول دون تحقيق الولايات المتحدة أهدافها القصوى، لكنها لا تعني بالضرورة انتصاراً إيرانياً كاملاً، كونها تكبدت خسائر كبيرة في قدراتها العسكرية والاقتصادية وتعرضت بنيتها التحتية لضغوط واسعة. فالصمود والاحتفاظ بالقدرة على مواصلة المواجهة يمثلان عنصرين أساسيين في منع الهزيمة،لكنهما لا يكفيان وحدهما لإثبات تحقق النصر.
ومن هنا، فإن تقييم نتائج المواجهة يتطلب النظر إلى جملة من المعايير،في مقدمتها مدى تحقق الأهداف المعلنة لكل طرف، وحجم القدرات التي جرى تدميرها أو تعطيلها، ومدى احتفاظ إيران بقدرتها على الرد، فضلاً عن انعكاس الحرب على مكانة الولايات المتحدة ونفوذها الإقليمي، وكلفة استمرار المواجهة على الطرفين وحلفائهما.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز عدة احتمالات لمآلات الصراع. فقد تنتهي المواجهة بتحقيق الولايات المتحدة جزءاً من أهدافها العسكرية، من دون أن تتمكن من فرض تحول سياسي شامل في إيران، وهو مايجعل النتيجة أقرب إلى مكسب عسكري محدود لا يرقى إلى الحسم الاستراتيجي. وقد تتمكن إيران، من خلال الصمود والاحتفاظ بقدرات الرد، من منع فرض الشروط الأمريكية عليها، بما يفضي إلى معادلة ردع متبادل، على الرغم من الخسائر التي قد تكون تكبدتها.
كما يبقى احتمال استمرار الاستنزاف وتبادل الضربات قائماً، بما يؤدي إلى إطالة أمد المواجهة وتوسيع نطاق تداعياتها الإقليمية، ولا سيما إذا امتدت إلى المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية والممرات البحرية ومنشآت الطاقة في المنطقة. وفي المقابل، قد تفرض الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية للحرب على الطرفين البحث عن تسوية تفاوضية، سواء بصورة مباشرة أو عبر وساطات إقليمية ودولية.
غير أن وقف العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع، إذ قد تتوقف المواجهة المباشرة بينما تستمر المنافسة الاستراتيجية بوسائل أخرى، وتبقى القضايا الأساسية التي أدت إلى الحرب مندون معالجة. ولذلك فإن أي تسوية مستدامة تحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية واضحة، تحدد الالتزامات المتبادلة وتحد من احتمالات تجدد المواجهة.
وفي التقييم الاستراتيجي، فإن جوهر المواجهة الأمريكية–الإيرانية لا يكمن في حجم التدمير العسكري الذي يستطيع كل طرف إلحاقه بالآخر، بل في قدرة كل منهما على تحويل أدوات القوة التي يمتلكها إلى مكاسب سياسية واستراتيجية قابلة للاستمرار. فالولايات المتحدة قد تحقق تفوقاً عسكرياً واسعاً من دون أن تتمكن بالضرورة من فرض إرادتها السياسية، كما أن إيران قد تنجح في منع تحقيق الأهداف الأمريكية القصوى من دون أن يعني ذلك خروجها من الحرب من دون خسائر أو تراجع في قدراتها.
وعليه، فإن النتيجة النهائية لهذه المواجهة ستتحدد بمدى التوافق أو التباعد بين النتائج العسكرية والغايات السياسية، وبطبيعة التوازن الإقليمي الذي سينشأ بعدها. فالحرب التي لا تنتهي بحسم سياسي واضح قد لا تكون سوى مرحلة في صراع أطول، يعاد خلاله تشكيل الردع وموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر