منبر العراق الحر :… «من احتكار السلاح إلى صناعة الأجيال… هندسة السلطة التي تعيش بعد الحكومات» …
التقرير الاستراتيجي (71) : «هندسة السلطة»
4 تشرين الثاني / نوفمبر 2026
مقدمة
تُقاس قوة الدولة عادةً بقدرتها على حماية حدودها واحتكار السلاح وإنفاذ القانون. لكن ثمة مستوى أعمق من الصراع على السلطة لا يظهر في ساحات المواجهة العسكرية أو نتائج الانتخابات: الصراع على صناعة الإنسان الذي سيعيد إنتاج الدولة في المستقبل.
فالجماعة السياسية تستطيع أن تخسر وزارة أو أغلبية برلمانية، لكنها قد تحتفظ بنفوذ طويل الأمد إذا امتلكت القدرة على التأثير في التعليم والتعيينات والذاكرة العامة وشبكات المصالح الاقتصادية.
ومن هنا تنطلق فرضية استراتيجية مختلفة: قد لا تكون المعركة الأخطر في العراق على مَن يمتلك الدولة اليوم، بل على مَن يمتلك القدرة على إعادة إنتاجها غدًا.
1. إعادة إنتاج السلطة… الدولة بعد الحاكم
تقوم الدولة الحديثة على مؤسسات يفترض أن تستمر بعد رحيل الحكومات والأحزاب، بينما تسعى القوى السياسية إلى ضمان استمرار نفوذها داخل هذه المؤسسات. وقد تناولت دراسات تشاتام هاوس ظاهرة سيطرة شبكات المحاصصة والمحسوبية على مواقع إدارية عليا في العراق، بما يجعل تغيير الوزير غير كافٍ بالضرورة لتغيير مراكز القرار داخل وزارته.
وهنا يتجاوز النفوذ السياسي السيطرة المؤقتة على السلطة التنفيذية إلى بناء استمرارية مؤسساتية قادرة على حماية المصالح وإعادة إنتاجها. فالحزب الذي يمتلك الوزارة يحكم دورة سياسية، أما الحزب الذي يمتلك مفاصلها الإدارية فقد يستطيع التأثير في دورات سياسية متعاقبة. وهذه هي نقطة الانتقال من تقاسم الحكومة إلى تقاسم القدرة على صناعة الدولة. (تشاتام هاوس، 2021 و2023).
2. التعليم… الجبهة التي لا تُرى
قدمت دراسة أكاديمية للباحث كامران بالاني، نُشرت في مجلة Conflict, Security & Development في آب 2025، دليلًا بحثيًا مهمًا على انتقال نفوذ جماعات مسلحة عراقية من المجال الأمني إلى التعليم والإدارة المحلية في محافظة نينوى. واستندت الدراسة إلى إحدى وعشرين مقابلة مع تربويين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المحلي، ورصدت أنشطة تعليمية وثقافية وعلاقات مؤسسية مرتبطة بهذه الجماعات.
ولا تعني هذه النتائج أن التعليم العراقي بأكمله أصبح خاضعًا للفصائل المسلحة، لكنها تكشف مسارًا يتجاوز امتلاك القوة إلى التأثير في تشكيل الوعي والهوية والانتماء.
وهنا تتجلى المفارقة: قد تستطيع الدولة نزع السلاح من يد مقاتل، لكنها تواجه تحديًا أكثر تعقيدًا إذا أصبح النفوذ المسلح قادرًا على إعادة إنتاج قناعاته داخل الأجيال الجديدة. (بالاني، 2025).
3. الجامعة العراقية… صناعة النخبة المقبلة
لا تقتصر أهمية الجامعة على إعداد المهندسين والأطباء والقانونيين، بل تمتد إلى تكوين النخب التي ستدير القضاء والاقتصاد والإعلام والمؤسسات الحكومية. وقد وثقت دراسة بالاني حضور أنشطة طلابية وثقافية مرتبطة بجماعات مسلحة في بعض الجامعات، إلى جانب شهادات عن تدخلات في التعيينات والعلاقات الإدارية.
وتبقى بعض هذه الشهادات إفادات بحثية تحتاج إلى تحقيق مؤسسي مستقل، ولا يجوز تعميمها على الجامعات العراقية كافة. لكن دلالتها الاستراتيجية تستحق الانتباه: فالتأثير في اختيار القيادات الأكاديمية، وفي المساحات المتاحة للنشاط الطلابي، قد يتحول إلى وسيلة للتأثير في النخب المهنية والسياسية المستقبلية.
فحين يصبح الولاء التنظيمي طريقًا محتملًا إلى التقدم المؤسسي، لا تعود المشكلة في حرية الجامعة وحدها، بل في نوع النخبة التي ستتولى إدارة الدولة بعد جيل كامل.
4. الذاكرة الوطنية… مَن يكتب التاريخ؟
لا تُبنى الهوية الوطنية من خلال المناهج المدرسية وحدها، بل عبر المناسبات العامة والرموز والنصب التذكارية والخطاب الإعلامي والروايات المتداولة عن الحروب والانتصارات والهزائم. وفي العراق تتنافس سرديات متعددة حول أحداث ما بعد 2003، والحرب على داعش، والاحتجاجات الشعبية، والعلاقة بإيران والولايات المتحدة.
ومن الطبيعي أن تختلف الجماعات السياسية في تفسير التاريخ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القدرة على تمويل الذاكرة العامة أو فرض رموزها إلى امتياز لقوة سياسية أو مسلحة، بينما تضيق مساحة السرديات الأخرى.
وهنا تكمن فرضية احتكار الذاكرة: أن يصبح التاريخ الذي ترويه القوة هو التاريخ الذي تتعلمه الأجيال، فتنتقل الهيمنة من السيطرة على الحاضر إلى التأثير في كيفية فهم الماضي، ومن ثم تخيل المستقبل.
5. التعيينات العليا… وراثة الدولة إداريًا
رصد ريناد منصور وتوبي دودج في دراسة لتشاتام هاوس عام 2021 دور المناصب الإدارية العليا، المعروفة بالدرجات الخاصة، في تثبيت شبكات النفوذ الحزبي داخل المؤسسات العراقية. فالمسؤول الذي يصل إلى منصبه عبر شبكة سياسية قد يجد نفسه أمام ولاءين متنافسين: واجبه القانوني تجاه المؤسسة، والتزامه تجاه الجهة التي دعمت وصوله.
ولا يعني ذلك فساد جميع أصحاب المناصب أو غياب الكفاءات المستقلة، لكن الخلل البنيوي يظهر عندما تصبح الترقية والحماية والاستمرار الوظيفي مرتبطة بالتوازنات الحزبية أكثر من معايير الأداء والمساءلة.
وهنا قد تتغير الحكومة دون أن تتغير السلطة الفعلية داخل مفاصل الإدارة؛ لأن من يملك حق اختيار المدير يستطيع التأثير في القرارات حتى بعد مغادرة الوزير
6. القضاء… إعادة تعريف الشرعية
يشكل القضاء الحد الفاصل بين الدولة بوصفها مؤسسة عامة وبين الدولة بوصفها مجالًا لتنافس القوى السياسية. وقد تناولت دراسة صادرة ضمن برنامج PeaceRep عام 2025 تصاعد الدور السياسي للقضاء العراقي ومخاطر تركّز السلطة القضائية وتسييس بعض النزاعات الدستورية، مع الإقرار بأهمية استقلال القضاء عن تدخل السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ولا يكفي وجود أحكام قضائية مثيرة للجدل لإثبات خضوع القضاء لحزب أو جماعة، لكن استقلاله يتطلب أن تكون قراراته قابلة للفهم والمراجعة ضمن القانون، وألا تتحول المؤسسات القضائية إلى طرف في صراعات النفوذ.
فحين تتنازع القوى السياسية السلطة، يبقى القضاء مرجعًا للفصل بينها؛ أما حين يصبح موقع القضاء نفسه جزءًا من الصراع، فإن الخلاف ينتقل من مَن يملك السلطة إلى مَن يملك تعريف الشرعية. (PeaceRep، 2025).
7. الاقتصاد السياسي… تمويل الاستمرارية
لا يستطيع النفوذ المؤسسي الاستمرار بالخطاب العقائدي وحده؛ فهو يحتاج إلى موارد مالية وفرص عمل وشبكات مصالح قادرة على مكافأة الولاء وحماية التنظيم. وقد بينت دراسات الاقتصاد السياسي العراقي أن المحاصصة الحزبية لا تقتصر على تقاسم المناصب، بل تتداخل مع إدارة العقود والموارد والفرص الاقتصادية.
وفي هذا السياق قد يتحول الإنفاق العام، إذا افتقد الشفافية والمنافسة والمساءلة، إلى وسيلة لإدامة شبكات النفوذ بدلًا من خدمة التنمية وحدها. ويختلف ذلك عن الإنفاق المشروع على المؤسسات والخدمات العامة.
والمفارقة أن الدولة قد تمول، من مواردها القانونية، شبكات مصالح تكتسب تدريجيًا القدرة على مقاومة إصلاح مؤسساتها؛ فتتحول الموازنة من أداة لإدارة الدولة إلى مورد محتمل لإدامة مراكز القوة داخلها. (تشاتام هاوس، 2021 و2023).
8. جيل بلا مدرسة… فراغ السيادة الاجتماعية
تواجه الدولة العراقية أزمة تعليمية عميقة تتجاوز نفوذ القوى السياسية. فقد أشار البنك الدولي عام 2024 إلى حاجة العراق إلى نحو عشرة آلاف مبنى مدرسي إضافي، وإلى استمرار الدوام المزدوج والثلاثي في مدارس كثيرة. كما أظهرت تقارير أممية استمرار وجود أعداد كبيرة من الأطفال خارج التعليم، مع تفاوت التقديرات تبعًا للسنة والفئة العمرية والمنهجية.
وهنا تظهر علاقة استراتيجية بين ضعف الخدمات وصعود شبكات الولاء البديلة. فحين تعجز المؤسسات العامة عن توفير التعليم والفرص والحماية الاجتماعية، تتسع المساحة أمام جهات حزبية أو دينية أو مسلحة لتقديم خدمات قد ترتبط ببناء النفوذ.
ولا يعني تقديم الخدمات بحد ذاته ممارسة غير مشروعة، لكن الخطر يظهر عندما تصبح الخدمة مدخلًا إلى التبعية السياسية أو العقائدية.
فالدولة التي تعجز عن تعليم أطفالها لا تخسر مؤشرًا تنمويًا فحسب، بل قد تخسر جزءًا من قدرتها المستقبلية على بناء مواطنين يرتبطون بمؤسساتها قبل ارتباطهم بشبكات الحماية والولاء. (البنك الدولي، 2024؛ اليونسكو، 2026).
9. الدولة المزدوجة… صناعة الولاء الطويل
تتجاوز الدولة المزدوجة وجود السلاح خارج القيادة الرسمية؛ فهي قد تشمل تعدد المرجعيات المؤثرة في التعليم والإدارة والاقتصاد والذاكرة الوطنية. وعندما تتداخل هذه المجالات، يصبح النفوذ أكثر قدرة على الاستمرار، لأن التنظيم لا يعتمد على قوته المسلحة وحدها، بل على شبكة من العلاقات الاجتماعية والمهنية والمالية.
وهنا ينبغي التمييز بين الانتماء الديني أو الحزبي المشروع وبين استخدام مؤسسات الدولة لإنتاج تبعية تنظيمية. فحرية الاعتقاد والعمل السياسي حقوق دستورية، بينما يقتضي مبدأ الدولة العامة ألا تكون الوظيفة أو الدراسة أو الخدمة مشروطة بولاء حزبي أو عقائدي.
وهكذا قد لا تحتاج القوة السياسية إلى السيطرة على كل مؤسسات الدولة؛ يكفي أن تسيطر على مفاصل تسمح لها بإعادة إنتاج النفوذ، حتى تصبح خسارة الانتخابات تراجعًا في الحكومة لا نهايةً للسلطة.
10. مستقبل العراق… مَن يصنع الجيل التالي؟
تفتح هذه المعادلة أربعة مسارات استشرافية. الأول: إعادة إنتاج الدولة الحزبية، حيث تستمر شبكات المحاصصة في تشكيل الإدارة والنخب والفرص الاقتصادية. الثاني: توسع النفوذ العقائدي المؤسسي، إذا انتقلت المنافسة من السلاح إلى التعليم والثقافة والوظائف العامة. الثالث: استعادة حياد مؤسسات الدولة، عبر استقلال التعليم والقضاء والتعيينات والرقابة المالية، مع ضمان التعددية السياسية والدينية. الرابع: استمرار النموذج الهجين، حيث تتعايش مؤسسات الدولة الرسمية مع شبكات نفوذ اجتماعية واقتصادية متنافسة.
ولا تمثل هذه المسارات تنبؤات حتمية، بل احتمالات تتوقف على قدرة المجتمع والمؤسسات على حماية المجال العام من الاحتكار.
فالمعركة على مستقبل العراق لن تُحسم فقط بمن يملك الأغلبية البرلمانية، وإنما بمن يملك القدرة على إعداد الأجيال التي ستمنح الأغلبية معناها السياسي في المستقبل.
خاتمة استشرافية
انشغل العراق منذ عام 2003 بالسؤال عن السلطة: مَن يحكم؟ ومَن يملك السلاح؟ ومَن يقرر الحرب والسلم؟ وهي أسئلة جوهرية لا يمكن بناء الدولة دون الإجابة عنها.
لكن ثمة سؤالًا آخر لا يقل خطورة: مَن يصنع المواطن الذي سيمنح الدولة شرعيتها بعد عشرين عامًا؟
فإذا كان احتكار السلاح يحمي سيادة الدولة في حاضرها، فإن استقلال التعليم والقضاء والإدارة يحمي قدرتها على البقاء بعد تغير الحكومات والأحزاب.
وهنا تتجلى المفارقة الاستراتيجية الأخيرة: قد تنجح الدولة يومًا في إنهاء ازدواجية السلاح، لكنها قد تكتشف أن ازدواجية الولاء أصبحت متجذرة في مؤسساتها وأجيالها الجديدة.
فأخطر أشكال السيطرة على الدولة ليس احتلال مؤسساتها اليوم، بل امتلاك القدرة على إعادة إنتاج من سيقودونها غدًا.
وعندئذ لن يكون السؤال: مَن يحكم العراق؟ بل مَن يرث العراق… الدولة أم العقيدة؟
المصادر الوثائقية الأساسية
كامران بالاني، آب 2025: دراسة محكّمة بعنوان Iraq: Armed Influence in Education and Sub-national Governance and Their Implications for Statehood، تتناول التعليم في نينوى من خلال مقابلات ميدانية وتحليل الأنشطة المؤسسية.
ريناد منصور وتوبي دودج، تشاتام هاوس، حزيران 2021: Politically Sanctioned Corruption and Barriers to Reform in Iraq، عن المحاصصة والسيطرة الحزبية على المناصب الإدارية العليا.
ريناد منصور، تشاتام هاوس، كانون الأول 2023: Tackling Iraq’s Unaccountable State، عن شبكات النفوذ وتعطيل المساءلة المؤسسية.
مجموعة مراقبة العراق Iraq Watch Group / PeaceRep، 2025: The Shifting Landscape of Iraq’s Judiciary، عن استقلال القضاء وتسييس النزاعات الدستورية.
البنك الدولي، تشرين الأول 2024؛ واليونسكو، تقرير التعليم العالمي 2026: عن أزمة الأبنية المدرسية، وضعف البنية التعليمية، وتأثير النزاعات والجماعات المسلحة في قطاع التعليم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر