منبر العراق الحر :
ولدت دلمون حيث ولد آدم، غير أن كشوفات الأثر، ترى أن تدرجات النطق والفهم مرت بصيرورات كثيرة أولها نظرة، ثم إشارة، ثم كلام والغريب أن هذه المراحل هي ذاتها التي تصنع الحب في بدئها الأول بين الحبيب وحبيبته، وكما في المأثور (نظرة، فإشارة، فكلام).. ومن يومها صارت الكلمة معبَراً لما نريد أن نصل إليه، أشواقنا، حاجاتنا، فروضنا، معاملاتنا، كل هاجس حياتي مقترن بكلمة هي في مدرج الوعي رد فعل للحصول على شيء أو التعبير عن حاجة.
من الكلمة نظمت الحياة شأنها ومشت تصنع المصائر والأقدار والسير الذاتية. قام ملوك وسقطوا، عاش فلاسفة وماتوا، بشر أبادتهم الحروب والمجاعات والحصارات، شعراء لم يبق منهم سوى المعلقات، فقراء لم يتركوا على جدران الخبز سوى التضرع والتوسل للسماء بدرهم يبعد ألم بطون خَوت ودموع نزحت إلى الطين تتحدث عن مأساة أن يكون الفقر شائعاً كما شمس في صباح صيفي فيما الغنى بعدد الأصابع يتطرب شوقاً لرائحة الجسد والبترول والموسيقا.
هذه مقدمة في دفتر ذكرياتي أستعيدها وأنا أقلب هذا الدفتر الذي جلبته من أزمنة التعليم في الأهوار وأقلّبه الآن وأنا أجلس على أريكة على ضفاف الراين وأتذكّر ضفاف الآلهة السومرية على أرائك أحلام البشر في مدن الفرات الذي يدمع حزناً بسبب الشحة والملوحة. عندما كنا نعيش أطياف خيال تلك القصص التي تجلبها لنا مذكرات المنقبين.
كان أحد المعلمين مولعاً بقراءة كتاب صموئيل نوح كريمر والموسوم بـ(التاريخ يبدأ من سومر) (History begins at Sumer)، وكان يقرأ لنا منه مقاطع ونحن نصغي بانتباه، وكلما وجد شيئاً يشير إليه كريمر حول مشاعر الآلهة في ذلك الزمن القديم يقول: هذا الرجل الذي استطاع أن يقرأ رسائل الغرام التي تكتبها الآلهة.
ولكن هذا الغرام المشحون برغبات عشتار التي كنت أتخيّلها حورية تسكن الماء والقصب في ذلك الليل الذي كان فيه كل واحد منا يرسم في خيالة الآلهة الأنثى التي يعشقها، وكنت وأنا أشاهد حياة الناس في القرية أتساءل بغرابة: هؤلاء من صنعوا أطياف الآلهة القديمة، ولكنهم الآن لا يعرفون عنها شيئاً، وكأنهم ارتدوا هذه العبارة التي ترجمها نوح كريمر من لوح كتبه شاعر سومري مجهول وجدوه في مدينة أور، وفيه: في اليوم الذي قسمت فيه الأنصبة كانت الحصة المخصصة لي العذاب والألم.
صورة الآلهة في غرامها وفي تلك الأزمنة المدهشة من أبجدية التعليم في قرى الآلهة هو توليفة جميلة لأسطرة حياتنا هناك على الرغم من صعوبتها وابتعادها عن الحضارة ومكائنها.
أنصت لقراءة المعلم لكتاب كريمر وأقارنها بغرام العولمة فأجد أن الفرق شاسع بينها وبين ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه أن مسعد الذي انتحر لاحقاً قد كتب رسالة غرام لابنة خالته يوم سكن في بيتهم، وابتدأها بقسم: أحبكِ وأقسم على ذلك بالآلهة.
أدركت التأثير الخفي لما ورثه اهل الاهوار من ذلك العالم القديم، وعرفت تماماً أن في قلب كل واحد منهم غراماً مخبأً سطرتهُ الآلهة بحبر أخضر يُستخلصُ من ندى صباحات المطر على أعواد القصب……!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر