منبر العراق الحر :
في كتابه الشهير “الحب: تاريخ سري”، يرى الكاتب البريطاني سايمون ماي أن الحب قد يكون ملاذنا النهائي للسعادة والمعنى، والقوة على المعاناة وخيبة الأمل. لكنه برأيه أن هذه الآمال قد لا تؤدي في أخر المطاف إلا للفشل. فالحب في تعريف ماي “البحث عن الجذور الوجودية”. وقد يكون “أقوى سم ودواء على الإطلاق” وفقاً لتعريف المغنية والشاعرة الكندية جوني ميتشل. لكن لا أحد يمكنه أن يطلق تعريفاً ثابتاً عن الحب مطلقاً رغم حاجتنا إليه، لأنه كما تقول الكاتبة البولندية ليزا أبيجنانيسي أن الحب: “يواجهنا بارتفاع وأعماق كياننا”.
في عيد العشاق الذي يحل في الرابع عشر من فبراير/شباط من كل عام، حيث يطغى اللون الأحمر على سواه كتعبير عاطفي يؤالف بين قلوب المحبين ويجمع “توائم الروح” وفقاً للفيلسوف اليوناني الكوميدي إريستوفان. تخليداً لذكرى القديس فلنتاين الذي قُتل سنة 269، والذي يُعد راعياً للعشاق في العالم. فكيف تجلت قصص الحب في الأدب عربياً وعالمياً؟ من هم أبرز مجانين الحب الذي حولوا هذا الجمر العاطفي إلى نصوص أدبية رفيعة؟
“نظرة أورفيوس القاتلة”
من منّا لا يعرف سيرة الشاعر عمر بن أبي ربيعة الذي يُنسب إليه ما يُسمى بـ”الحُب العُمري”، كنقيضٍ للحب العذري بما تخلّله من وصف ماجنٍ شهواني لمحبوباته وعلاقاته الغرامية المتعددة. الشاعر الذي غلب عليه – شعرياً – حُبّهُ لذاته العاشقة والتباهي بكثرة النساء اللواتي وقعن في غرامه. حين تفرّسه إحساس الحب العجائبي ووقع في وله المحبوبة الوحيدة التي لم يذكر اسمها قط، أنشد قائلاً:
“كتبت إليكِ من بلدي كتاب مولّهٍ كمدِ
كئيبٍ واكفِ العينين بالحسراتِ منفردِ
يؤرقهُ لهيبُ الشوقِ بين السحْر والكبدِ
فيُمسكُ قلبهُ بيدٍ ويمسحُ عينه بيدِ”
وأصابته نظرة “أورفيوس القاتلة العكسية”، تلك النظرة التي اعتبرها أمير الشعراء أحمد شوقي (1932-1868)، أولى العلامات السحرية للوقوع في الحب “نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءْ”. تلك “النظرة” التي جمعت بين القائد الروماني أنطونيو وملكة مصر كليوباترا، حيث تزوجا لاحقاً رغم غضب الرومان من هذه العلاقة. لتنتهي نهاية مأساوية بانتحار أنطونيو بعدما وصله نبأ موت زوجته خلال إحدى معاركه، لتقدم كليوباترا على الانتحار بعده. القدر الانتحاري ذاته نجده لدى مسرحية ويليام شكسبير الخالدة “روميو وجولييت”.

“الحب والمستحيل”
ثنائيات عاشقة كثيرة عرفناها عبر التاريخ أدباً وواقعاً، لكن أكثرها خلوداً ودراميةً كانت تلك التي اقترنت باللقاء المستحيل. من أبرزها قصة الحب المؤثرة التي جمعت توبة بن الحمّير وليلى الأخيلية، لا تكتفي ليلى هُنا بدور المعشوقة البعيدة، رفيقة أحلام اليقظة، ومصدر إلهام الشاعر. بل إنها وفقاً لكثير من الشعراء اللاحقين تُضاهي عاشقها شعرية وموهبةً. والذي ظل يطاردها رغم هدر دمه، وينظم فيها الأشعار رغم زواجها. ظل توبة يمارس صعلكته منشداً لحبيبته حتى وقعت منيته في سنة 704، وتبقى أبيات الشعر التي أنشدها في وصف إخلاصه وتشبثه بحب حياته – حتى بعد موته – من أجمل ما قيل في شعر الحب:
“ولو أن ليلى الأخيلية سلم علي ودوني تربةٌ وصفائحُ
لسلمتُ تسليم البشاشة، أو رَقَى إليها صدى من جانب القبر صائحُ”
والتي تبعها في ما بعد “أسطرة” يعتقد أنها أضيفت لاحقاً، حيث يُروى أن ليلى وبينما هي مارة بهودجها بقبر توبة، أفزعت بومة ناقتها، ما تسبب بسقوطها على ظهرها لتلقى حتفها ولتدفن بجانب قبر عاشقها توبة. وهي النهاية ذاتها التي انتهى إليها كل من قيس بن الملوح العاشق المجنون الذي هام بنفسه في الصحراء بعدما رفض أهل حبيبته ليلى تزويجها له حتى جمعهما القدر في قبرين متجاورين.
المستحيل الذي يلتصق بالحب نجده لدى شاعرنا الكبير محمود درويش وحبيبته اليهودية ريتا، فمن لم تسحره “بين ريتا وعيوني بندقية”، أو لم تأخذه سكرة الحب في قصيدة “شتاء ريتا الطويل”. العائق السياسي كان حائلاً من لقاء الحبيبين حيث التقى بها درويش في مقر الحزب الشيوعي الإسرائيلي وكانت تؤدي رقصة كما يورد محمد رفعت دسوقي في كتابه “أقاصيص العشق”.
“ريتا أو تمارا” التي ظلت سراً متخفياً لفترة طويلة والتي صرح يوماً الشاعر الفلسطيني الكبير في حوار أجراه معه الشاعر اللبناني عباس بيضون سنة 1995، بأنها مجرد “اسم فني”. وجدناها تظهر للمرة الأولى في فيلم وثائقي “سجل أنا عربي” للمخرجة الفلسطينية ابتسام مراعنة خلال مهرجان تل أبيب سنة 2019.

“الحب المُتخيل”
لطالما اعتبر العديد من النقاد أن وجود لورا في حياة فرانشيسكو بترارك (1974-1904) أحد أهم شعراء عصر النهضة في إيطاليا محط شك، ومجرد ذريعة وصورة لامرأة متخيلة. لورا ذات الشعر الأسود والعيون السوداء التي وصف بترارك بياض بشرتها لدى لقائهما الأول في كنيسة سانت كلير في أفينيون بالقول: “أكثر بياضاً وأبرد من الثلج، ولم تمسها الشمس لسنوات عديدة”. رغم ذكر الشاعر لمحبوبته في كتابه الشهير (فيرجيل) على أنها كانت متزوجة ولم تستطع الإنجاب، ثم وفاتها بالطاعون. إلا أن حضورها الرمزي في أشعاره وحُبه العاجز لها، وحضورها في رغباته وأحلامه وحواسه المرهفة وحزنه على موتها بقي عُذرياً حيث كان لها حضور مريم العذراء في قصائده.
الدرامية السابقة نجدها حاضرة في “ترانيم الليل” للفيلسوف والشاعر الألماني نوفاليس (1801-1772)، الذي توفّيت حبيبته وخطيبته صوفي فون كون في سن الخامسة عشرة. الترانيم المستلهمة من لحظات بكائه المريرة بجانب قبر صوفي. القبر الذي “أخفى في حضنه المظلم الضيق الجانب المتخفي” من حياة الشاعر. تتجسد صورة صوفي في صورة العالم الموحشة التي يرسمها نوفاليس في “ترانيمه”، والنظرة المتشائمة التي خلفها خسرانه لها: “من خلال السحابة رأيت الوجه المجيد لحبيبتي. في عينيها استراح الأبدية – أمسكت بيديها، وأصبحت الدموع رباطاً متلألئاً لا يمكن كسره”.
في روايتها “الزهرة الزرقاء” وهو دراسة عن كيفية تداخل المثالية في الحب مع الواقع. تُقدم بينيلوب فيتزجيرالد تصوراً للعالم المقلوب الذي يصبغه السواد والوحشة في “ترانيم نوفاليس”. وأن صوفي كانت تبلغ من العمر 12 عاماً عندما التقى بها نوفاليس (22 عاماً) لأول مرة وقرر الزواج منها. تجعل فيتزجيرالد صوفي مرحة، وطفولية، وصاخبة، وحنونة، ومترددة في الالتزام بالكلمات. “إنها ليست جميلة، وهي ليست جميلة حتى… فارغة الرأس، علاوة على ذلك، وهي في الثانية عشرة من عمرها لديها ذقن مزدوجة”. فليست صوفي هي التي ماتت وحدها، بل إخوة الشاعر واحداً تلو الآخر. حتى نوفاليس مات بمرض السل لاحقاً وهو في سن مبكرة.

“حافة الجنون”
تعتبر العلاقة العاطفية التي جمعت الروائي الأميركي الشهير سكوت فيتزجيرالد بزيلدا ساير، إحدى أشهر قصص الحب التي عرفها الوسط الأدبي الغربي بصفة عامة. رغم انتهائها بالزواج السعيد، كانت مثالاً للتناقضات، فنجد فيها الهيام الشديد والغيرة القاتلة قبل أن تنتهي إلى مأساة كسابقاتها من قصص الحب.
تعرّف فيتزجيرالد على زيلدا في إحدى حانات مدينة مونتغمري في ولاية ألاباما سنة 1918، أثناء خدمته كضابط، وسرعان ما وقع في غرامها من “النظرة الأولى”. حيث يقول: “أجمل فتاة قابلتها في حياتي. أدركت على الفور: إنها يجب أن تكون لي فقط!”.. لا يبدو السحر ذاته في تعليق زيلدا الذكي التي كانت أجمل فتيات مدينتها وتبلغ من العمر 18 عاماً، على هذا اللقاء الأول حيث لا يحمل هذا الحب الجارف كقول حبيبها وزوجها المستقبلي “بعض القوة الغامضة، وبعض البهجة الملهمة تميزه عن الآخرين”.
دعمت زيلدا حبيبها في بدايته الأدبية، وكانت الملهمة الأولى لروايته الأولى “هذا الجانب من الجنة”، من خلال إذكاء نار الغيرة في رسائلهما المتبادلة. الرواية التي نشرت في عام 1920 حققت نجاحاً كبيراً لتوافق بعد ذلك على الاقتران به والانتقال للعيش معه في نيويورك.
حياتهما هناك كانت مثالاً صادماً للجنون وسط المجتمع المخملي الذي كانا فيه. حركاتها المجنونة وسكرها، ورقصها على الطاولات أُثناء الحفلات، السباحة في النوافير كانت سبباً جذاباً لتثير إعجاب سكوت أكثر.
نمط الحياة المجنون ظل رفيق الزوجين الشابين حتى بعد ولادة ابنتهما، ولنعرف أدبياً روايته الثانية “غاتسبي العظيم”.
قبل أن ينتقلا من صخب نيويورك إلى هدوء الريفييرا في فرنسا، حيث كانت العلاقة العابرة التي أقامتها زيلدا مع طيار فرنسي وسيم بدافع الضجر أولاً، ولتثير غيرة زوجها، دافعاً ليكمل فيتزجيرالد من وصف طبيعة العلاقة بين “ديزي وغاتسبي” في روايته الشهيرة.
بعد ذلك سرعان ما ظهرت اضطرابات نفسية عدة لدى زيلدا التي حاولت الانتحار مراراً، وتم تشخيص حالتها سنة 1930 بمرض فصام الشخصية ويقال “اضطراب ثنائي القطب”. رغم نوبات الاكتئاب المستمرة وخضوعها للعلاج أنتجت زيلدا روايتها الأولى “أنقذني الفالس” التي حققت نجاحاً كبيراً سنة 1932. وفي عام 1934، أنتج فيتزجيرالد عمله الأخير “رقيق هذا الليل” وهو عبارة عن سيرة ذاتية يصف فيها حياته الزوجية، وحياته الباذخة مع زيلدا وتناقضاتهما الشخصية، قبل أن ينهار للسكر والاكتئاب والعجز المالي ليصاب بنوبة قلبية في 21 ديسمبر/كانون الأول 1940. وقبل وفاته بفترة قليلة نُقلت زيلدا بدورها إلى مصحة نفسية بقيت فيها ثماني سنوات قبل أن تكون ضحية حريق قتل تسعة مرضى سنة 1948.
المصدر: النهار العربي
علاء زريفة
علاء زريفة
منبر العراق الحر منبر العراق الحر