من نحن؟؟ *** ابتهال عبد الوهاب

منبر العراق الحر :
من نحن… ما اصعب هذا السؤال.
ليس لانه بلا جواب، بل لان كل جواب محتمل يحمل شيئا من الوهم وشيئا من الحقيقة. نحن لسنا تعريفا جاهزا، بل طبقات من الحكايات، وتراكم من الاختيارات التي لم نختر معظمها، ثم صدقناها واطلقنا عليها قدرا.
نحن ما بين ما ورثناه وما نستطيع ان نكونه، بين صوت الجماعة الذي يعلو فينا، وهمس الفرد الذي يكاد يختنق. نحن ذلك التوتر الخفي بين الرغبة في الانتماء والخوف من الذوبان، بين الحاجة الى اليقين وقلق السؤال.
ما اصعب ان نعرف من نكون، لان المعرفة هنا ليست كشفا بريئا، بل مواجهة
الحقيقه أننا لسنا سؤالا عابرا يلقى في فراغ اللغة، بل نحن مرآة مشروخة تعكس تاريخا طويلا من التردد بين النور والظل؛ بين إرادة الحياة ووراثة الخوف
نحن أبناء ذاكرة مثقلة، لم تتح لها فرصة أن تنسى ما ينبغي تجاوزه، ولا أن تتذكر ما يستحق
وفي هذا المناخ، نشأت ازدواجية قاتلة: وجوه تبتسم في العلن، وقلوب مأزومة في الخفاء
الغالبية من شعوبنا، شعوب تعادي المختلف، شعوب تكره الفرح والسعادة والاحتفال، شعوب تخاف وتخشى أن تكون على طبيعتها الإنسانية؟. لماذا؟. لانها شعوب اعتادت على ثقافة الجمود والإنعزال والكراهية. لهذا استمرت كشعوب كسولة غير منجزة، لا تعمل ولا تبدع ولا تحترم الإنسان ولا القانون
والحقيقه الواضحه في هذه المجتمعات انها مجتمعات متجمده ومتحجره ومتقولبه، والقيمه الأكثر انتشارا هي قيمة التشابه والتطابق بغض النظر عن حق الفرد في الاختيار والاختلاف والتفرد، لهذا تقوم بسحق وجوده لتحوله إلى جزء ملتصق بمنظومتها، ليصبح مجرد حاضنة مؤقتة لما يغرس فيه و يستهلك عمره وقودا للإبقاء على هذه الأفكار التي لم يختارها من الاساس
مجتمعات غاب العقل فيها تحت ركام خطب الوعيد وكثرة الفتاوى و تقديس ما ليس بمقدس
مجتمعات لديها إزدواجية أخلاقية سلوكية تحكمها فجوة رهيبة بين مظاهر السلوك وبين حقيقة السلوك
مجتمعات الإنسان فيها مهدور الكرامة والحقوق ويعتنق ثقافه النفاق والتطبيل لأي سلطه
مجتمعات مازالت تعتمد في منظومتها التعليميه على الحفظ والتلقين لم يتعلم الفرد داخلها معنى التحليل والنقد والشك حول ما يتلقاه من أفكار ومعتقدات، ولهذا استمر في التعاطي مع أزماته بالبحث عن الحلول في ماضيه وتراثه ومعتقداته وأساطيره وليس في اكتشاف حلول جديدة تلائم الواقع الراهن
تخلف هذه البنية الذهنية هو نتاج تاريخي انحطاطي مرت عليه قرون طويلة من الإنغلاق الثقافي وأعطيت فيه القداسة والتبجيل للنقل والتقليد على حساب العقل الذي تم تغييبه وتقييده ومحاربة ابداعه
َمجتمعات تطغي فبها الطائفية على الإنسانية ، والكراهية علي التعايش والتكفير على الحوار والتعصب بدلا من التسامح
مجتمعات تعمل على وأد السؤال وتضليل القارئ وتجهيل العقل الجمعي
مجتمعات تزعجهم شعارات الحرية والحياة والتنوع، لأنهم اعتادوا على القمع والتبعية والوصاية على الإنسان
مجتمعات ممتلئه بالوجوه الكالحة الفاسدة سياسيا واجتماعيا وب لحى منافقة دينيا وبمذهبية وقبلية طاغية وبوسائل اعلامية دنيئة ورخيصة، يمدحون و يطبلون لمن يدفع أكثر ومن يعتلي المناصب
مجتمعات لا يزال خطابها عاطفي ديني لا يحمل أي مقومات علمية أو فلسفية أو حداثية يواجه بها قوة الصناعة وتكنولوجيا العلم ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والمساواة والتعددية
وعندما تتوحش ثقافة المنع والقمع والكبت في هذه المجتمعات، يتخلف المجتمع، وتتهاوى مؤشرات الإختلاف والتنوع وتقبل الآخر وتتلاشي قيم التسامح والتعايش، وتتراجع مؤشرات الفن والحياة والجمال
لهذا ستبقى مجتمعاتنا العربية غير جاهزة للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية، طالما تسيطر عليها مؤسسات دينية تخشى من الإنفتاح، وثقافة بدائية يدافع عنها الرعاع، وأنظمة استبدادية ليس لديها من مشروع، سوى مشروع بقاءها في السلطة السياسية
الحل في احترام حق الإنسان في الحياة والحرية والإعتقاد والعدالة، لم تعد اليوم امتيازات حقوقية مجردة يتمتع بها المواطن في وطنه. بل أصبحت، هي الطريقة الأخلاقية التي يتواصل من خلالها الأفراد، ويتفاعلون سياسيا واجتماعيا في الوطن، ليؤسسوا مع بعضهم البعض رؤيتهم للعيش المشترك والنظرة إلى الإنسان
ليست المأساة أن مجتمعاتنا أخطأت الطريق، بل أن الخطأ تحول إلى يقين، واليقين إلى هوية، والهوية إلى قيد يدافع عنه أصحابه وكأنه خلاصهم الوحيد. هنا تكمن المفارقة: أن يصبح السجن فكرة محببة، وأن ينظر إلى الحرية بوصفها تهديدا، لا أفقا
اعتقد ان الحل يبدأ عندما تحفظ الدوله حقوق كل الأديان والأفكار والمعتقدات دون تمييز أو إعلاء أو محاباه
احترام مبدأ الحوار والاعتراف بقيمه الآخر المختلف
واحترام الحريات الفردية وعدم مراقبة حياة الآخرين
الاهتمام بملفات التعليم والصحه والتنميه وتحسين معيشه المواطن
ولنعلم ان نزع جذور التسلط والإكراه والوصاية في ثقافتنا وسلوكنا وأخلاقنا، هو المدخل لتأسيس بيئة حاضنة للعلمانية في مجتمعاتنا العربية بعد عقود طويلة عملت فيها الأنظمة والمؤسسات الدينية على زرع أفكار وقيم تعلي من شأن الطاعة والخضوع والخوف وتزدري قيم الفردية والمساواة والحريات
ويستعيد الإنسان فردانيته وانسانيته عندما يستعيد استقلاليته التي ذابت تلاشت مع الأوهام والقطيع والخرافات
علموا اولادكم ان الانسان لا يقاس بما يردده، بل بما يفهمه، ولا بما ينتمي اليه، بل بما يختاره بوعي ومسؤولية.
ان الحقيقة ليست ميراثا يسلم، بل رحلة تخاض، وان السؤال ليس خطرا، بل اول اشكال الحياة في العقل.
علموهم ان الاختلاف ليس تهديدا، بل اتساع في الوجود، وان الاخر ليس خصما بالضرورة، بل احتمال جديد لفهم العالم.
ان الحرية ليست ان يفعلوا ما يشاؤون، بل ان يعرفوا لماذا يفعلون، وان يتحملوا معنى ما يفعلون.
علموهم ان الشك ليس ضعفا في الايمان، بل نزاهة في التفكير، وان اليقين الذي لا يختبر يتحول الى سكون عقيم.
ان العقل لا يستعار، والضمير لا يفوض، وان اخطر ما يفقده الانسان ليس صوته، بل قدرته على ان يفكر.
حدثوا أولادكم عن جمال الحب و الفن و الرسم و الموسيقى و الفلسفه …تحدثوا معهم عن قيم التسامح والعفو والمحبه
عن الصدق والعدل . وعن اهميه العمل والاجتهاد
وعن تقبل الاخر المختلف
حدثوهم عن جمال الحياه وعلمهم ان هناك أرض مشركه من الممكن أن تتسع للجميع
علموهم ان للحقيقه جوانب متعدده كل منا يحمل جانب منها لذلك لاوجود في الحياة للصح المطلق ولا للخطا المطلق
علموهم ان العقل والضمير هما جناحا النفس البشرية السوية يفقدهما الانسان حين تطغي المرجعية على التفكير وحين يترك لغيره تحديد ماهية الخير والشر
علموهم ان الانسان اكبر من اي فكرة تغلقه، واوسع من اي جماعة تعرفه، وانه لا يكون انسانا كاملا الا حين يحتفظ بحقه في ان يعيد النظر، وان يخطئ، وان يتغير.

اترك رد