#قصة_قصيرة #عن_أبي #نسرين_حسن

منبر العراق الحر :
عقربُ ساعتي لا يتحرك تحتَ كمِ الصّوف،أحدقُ من بين الثقوب،إنها الرابعةُ صباحاً خارجَ الزّمن…
أبي ،جودت حسن، الأكثرُ صمتاً الآن،الطافحُ بالضجيج.. يحملُ بيده لفافةَ التّبغ ،يسخّنُ إبريقَ المتة،يبدو شخصاً قيّدهُ المرض إلى الشفتين..كما كانت حياتهُ سجناً طال المكوثُ في قبرها البارد..يبحثُ هنا وهناك …أعلم أنه يفتقدُ بتول وريتا اللتين تعيشان في أوربا الان..يبدو جسدهُ كباخرةٍ من طرازٍ إغريقي قديم تميلُ مع الرّيح ..تحملُ على ظهرها كل الغيومِ والمطرِ والمظلاتِ والجدران الرّطبة والكتب الماركسية والفلسفية وزجاجات الخمرِ الفارغة والكثير من الفقرِ بكعبٍ عال…يديرُ قبضةَ البابِ يائسا،يصعدُ غرفتهُ المليئة بالدخان والضباب والجنيات والقطط ورائحة الزيتون…مازلتَ تحلمُ بنوبل يا أبي؟
أمسِكْ هذا الحلم من ذيلهِ ومرّغ غضاريفَ أذنيهِ بالوحلِ والنملِ الصّغير..لاتنتظر أحداً ..الأصدقاءُ العجائز خطفتهم القرون الجامدة إلى مكانٍ ما يشبهُ تاريخاً مسوّسَ الأسنانِ…ثمّةَ موتٌ خالدٌ هناك يلتفُ كالعشبِ بصدور الأحياء ..ثمّة طحالبُ تبزغُ من الألسنةِ والأكتاف..
أشعرُ بالعار في هذه الأرض الصّالحةِ للعزلةِ ومضاجعة الأموات…من نلومُ يا أبي؟.. الحظُ الأصمّ يزحفُ على الترابِ المبللِ ببولِ السّماء…
الأصدقاءُ المصابونُ بالتخّمةِ والسّلطة ! ..الحروف المصابة بالصّرعِ…أم غرفتكَ الصّغيرة يدهسها ضوءُ نجمةً هزيلة…حيثُ الدموعُ تحولت لموعظةٍ برموشٍ طويلة …شقوقُ الباب تهربُ منها القصائدُ خفيةً لتنامَ على شفاهِ القمر.
إنهُ منتصفُ الشّتاء ..الجليدُ الاخضر على النافذةِ..الرّوحُ تنزلقُ بمتعةٍ في لحافِ الجسدِ ..تبدو يا أبي كسيدٍ يتسلقُ السّماء من قصبةِ كأس المتة..في سقفِ الغرفة جداريةٌ نورانية …عصفورٌ يفردُ جناحيهِ بفسيفساء غريبة..غاباتٌ وفؤوسٌ لامعة..ملائكةٌ مفتولة العضلات، تحملُ الرغيفَ هلالاً يكتملُ في بطن الجياع..نافذةٌ بإطارٍ عريضٍ من الحزن..الكتب التي قرأتها ياأبي تشبهُ مثلث برمودا..اختفيتَ ولم تعدْ !..هل تنصتُ لموسيقا البحارة؟ أم تمسكُ الأرضَ كي لا تهتز طاولةُ المزاد..شرنقةُ الحريرِ ستباع..الجسدُ مبتورُ الأجنحةِ لا يشبهُ كائنَ الشعرِ ..وحشٌ ثملٌ يمسكُ يدَ الوجود كلما حاولَ أن يفردَ فستانهُ الاحمرَ في قصيدة…
الحياةُ يا ابي حمقاء ونحنُ نعيشُ بالفطرةِ ..نرافقُ أساطيلَ الحروب ..نصفقُ في العتمةِ بلا ملابس..تنزلُ علينا القوانينُ من السّماء بألوانٍ وطبقات ..مراتب وأديان ..لكننا يابسونَ والماءُ يسيلُ من منتصفِ اليد ..أعلى الشلالِ نصبحُ أكثرَ معرفةً ..حريةً..نرى السّماءَ هائمةً..سرّةُ الفلسفةِ تتكىءُ على وركِ اللاهوت..لحظةٌ متوقفة في كوكبِ الزهرة..كوكب الحب يثملُ أبراجَ المنجمين…يبدو الكونُ ذرةً تقفُ على فسحةٍ من الكتبِ والعشب…الفضاءُ معطفٌ أصفر تسبحُ داخلهُ الشمس..مليارات الذرات تسيرُ مستقيمةً حيثُ الزّمن لامتناهٍ في هذا القلم…لكن المطابعَ توقفت ياأبي..عندما قطعوا حبلها السرّي عن شجرةِ الفواكة …عندما تحولت الثقافةُ لذبابةٍ مجهولةٍ تفقسُ بيضها في الرؤوس المجوفة..عندما تحولَ الشعرُ لجذعٍ كسول لايضمُ الأغصانَ الرشيقة..
ستعيشُ ياأبي أبدا ..حلقةً من الماء..يتحركُ سلطعونُ الشعرِ الشقيّ على شفتيك..والكثيرُ من رذاذِ البرتقالِ والعطر يتطايرُ في قيظِ الصّباح…
عندما تعوي الذئابُ طائشةً في الثلج ..تشعلُ شمعتكَ وتطعنُ بياضَها النّاصعَ بسكينِ المرض…
فيهبطُ الضوءُ متوجعاً فوقَ الورقِ الممهورِ بالحريّة..لا أحدَ آخر يسمعُ هذه الغمغمةُ المتوهجة..الشاعرُ ..
الفكرةُ التي لاتخلدُ للنوم ..لتفرغَ من نفسها الجنون..لتهزَ خصلات الهواء خلف النوافذ ..
ستبقى ياأبي في غرفتكَ الصغيرة تنمو من الضوء..أما الآخرون فقد تحطمّوا على الشاطىءِ ..قطعاً خشبيةً متأنّقة.

اترك رد